مقالات

 لماذا تراجعت الفلسفة في المجتمع العربي؟ بقلم زكريا نمر -السودان –

بقلم زكريا نمر -السودان

 لماذا تراجعت الفلسفة في المجتمع العربي؟بقلم زكريا نمر -السودان –

منذ ابن رشد، ظل اسم الفلسفة حاضرا في الذاكرة الثقافية العربية، لكنه كثيرا ما يحضر بوصفه ذكرى من تاريخ مضى، لا باعتباره تقليدا فكريا قابلا للاستمرار والتجدد. نستعيد الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد، ونحتفي بتراثهم، ونتحدث عن العصر الذي كانت فيه الفلسفة جزءا من حركة المعرفة، ثم نعود إلى واقع لا يجد فيه التفكير الفلسفي مكانا مؤثرا في التعليم والسياسة والحياة اليومية. نحتفل بتاريخ العقل، لكننا لا نمنحه دائما الحرية اللازمة للعمل في حاضرنا.السؤال الذي يستحق النقاش ليس لماذا لم يظهر ابن رشد جديد، بل لماذا أصبح التفكير الفلسفي محدود التأثير في مجتمعات تمتلك جامعات ومؤسسات تعليمية ومراكز بحثية ومئات الأقسام الأكاديمية؟ ولماذا يستطيع الفرد أن يتحدث عن أهمية العقل والحرية، ثم يضيق بالنقد عندما يقترب من معتقداته أو انتمائه أو موقفه السياسي؟ هذه المسافة بين الاعتراف النظري بقيمة التفكير وممارسته الفعلية تكشف جانبا أساسيا من أزمة الفلسفة العربية. ينبغي أولا تصحيح فكرة شائعة، وهي أن الفلسفة اختفت تماما بعد ابن رشد. هذا تصور لا يستقيم تاريخيا؛ فقد استمرت أشكال من النشاط الفلسفي والعقلي في مناطق ومراحل مختلفة من التاريخ الإسلامي والعربي، كما عرفت الجامعات العربية الحديثة تدريس الفلسفة وظهرت فيها أسماء ومشروعات فكرية مهمة. لكن ما تراجع هو موقع الفلسفة في تشكيل الوعي العام، وقدرتها على التأثير في طريقة المجتمع في فهم السلطة والدين والإنسان والتاريخ. هناك فرق بين وجود الفلسفة في الكتب والمؤسسات، وبين وجودها بوصفها ثقافة تسمح للإنسان بمراجعة أفكاره ومساءلة ما اعتاد قبوله.لا يمكن تفسير هذا التراجع بإلقاء المسؤولية على الدين وحده، كما لا يمكن إعفاء المؤسسات الدينية من النقد حين تتحول بعض خطاباتها إلى سلطة تمنع السؤال وتتعامل مع الاجتهاد باعتباره تهديدا. الدين تجربة إيمانية واسعة، أما تفسير النصوص فهو عمل بشري يخضع للاجتهاد والاختلاف والمراجعة. وعندما يقدم تفسير بشري باعتباره الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل النقاش، يصبح العقل محاصرا بحدود وضعها الإنسان ثم منحها صفة لا يجوز الاقتراب منها.

والتراث الإسلامي نفسه لم يكن كتلة واحدة من التفكير. عرفنا مدارس عقلية وفلسفية متعددة، ودار داخله خلاف حول حدود العقل والنقل وطبيعة المعرفة ومصادر الحقيقة. كان النقاش بين الغزالي وابن رشد، مثلا، أوسع من اختزاله في صراع بين رجل دين وفيلسوف؛ فقد تعلق بمناهج الاستدلال وحدود البرهان والتأويل وطبيعة المعرفة. لكن بعض القراءات المعاصرة حولت هذا التاريخ المعقد إلى رواية مبسطة، تستخدمه لتبرير موقف مسبق من الفلسفة، بدلا من دراسة الأسئلة التي طرحها الفلاسفة والمتكلمون في زمانهم.المشكلة أن السؤال في أجزاء واسعة من الثقافة العربية لا يعامل دائما باعتباره وسيلة للوصول إلى المعرفة، بل قد ينظر إليه بوصفه اعتراضا على الجماعة أو تشكيكا في الموروث أو خروجا على الطاعة. يتعلم الفرد مبكرا أن بعض المسائل لا ينبغي الاقتراب منها، وأن السلامة الاجتماعية قد تكون في تكرار الإجابات المقبولة، لا في اختبار صحتها. ومع مرور الوقت، لا تحتاج الرقابة إلى حضور دائم؛ إذ يتولى الفرد مراقبة نفسه، ويختار الصمت قبل أن يواجه الرفض.

هذه الثقافة لا تصنعها المؤسسات الدينية وحدها، بل تشارك فيها الأسرة والمدرسة والحزب والقبيلة والسلطة السياسية. كل مؤسسة تريد من الفرد أن يلتزم بصورة معينة من التفكير والسلوك، وتصبح قيمة الاختلاف مرتبطة بمدى قبوله من الجماعة. قد يدافع الإنسان عن حرية التعبير عندما يستخدمها للدفاع عن رأيه، لكنه يرفضها عندما يستعملها خصمه. وقد يطالب بإصلاح المجتمع، لكنه لا يقبل مراجعة المعتقدات التي ورثها أو المصالح التي يستفيد منها. بذلك يتحول الانتماء إلى معيار للحقيقة، ويصبح السؤال عن الفكرة أقل أهمية من السؤال عن الشخص الذي قالها.للسياسة دور مباشر في هذه الأزمة. السلطة التي لا تقبل المساءلة لا تحتاج إلى مواطن مستقل في تفكيره، بل تحتاج إلى مواطن يثق في الرواية الرسمية ولا يختبر شرعية القرارات. التفكير الفلسفي، حين يغادر قاعة الدرس ويدخل المجال العام، يطرح أسئلة لا ترتاح لها الأنظمة المغلقة: من أين تستمد السلطة شرعيتها؟ ما حدود الحاكم؟ كيف توزع الثروة؟ ما العلاقة بين القانون والعدالة؟ وهل يكفي أن يكون القرار قانونيا حتى يصبح عادلا؟ هذه ليست أسئلة نظرية بعيدة عن الواقع، بل هي أساس أي نقاش جاد حول الدولة والمواطنة والحقوق.لهذا لا يمكن فصل تراجع الفلسفة عن تاريخ القمع السياسي والرقابة وتضييق المجال العام. فالفلسفة تحتاج إلى بيئة تسمح بالاعتراض، وإلى جامعة لا تخشى مناقشة الأفكار المخالفة، وإلى صحافة تستطيع مساءلة أصحاب النفوذ. أما عندما تصبح الكلمة محسوبة، والاختلاف مخاطرة، والبحث العلمي خاضعا للاعتبارات السياسية، فإن التفكير النقدي يفقد شروطه الاجتماعية والمؤسسية. لا تستطيع الجامعة أن تنتج عقلا مستقلا وهي نفسها لا تتمتع بالاستقلال.

وتتحمل أنظمة التعليم مسؤولية كبيرة في ذلك. فالطالب العربي في كثير من المؤسسات التعليمية يتدرب على استرجاع المعلومات أكثر مما يتدرب على تحليلها. يحصل على الدرجات عندما يقدم الإجابة التي ينتظرها المعلم، وليس بالضرورة عندما يطرح سؤالا يكشف خللا في السؤال نفسه. يدرس تاريخ الفلسفة، ويحفظ أسماء الفلاسفة ومذاهبهم، لكنه قد لا يتعلم كيف يستخدم المنهج الفلسفي في تحليل مشكلة يعيشها مجتمعه. وهكذا تتحول الفلسفة إلى مادة امتحانية، بينما يفترض أن تكون تدريبا على بناء الحجة وفحص الأدلة ومراجعة المسلمات.ولا يكفي أن نضيف مادة الفلسفة إلى المناهج إذا ظلت طريقة التدريس قائمة على التلقين. يمكن للطالب أن يحفظ أفكار أفلاطون وديكارت وكانط، ثم يتخرج دون أن يمتلك القدرة على مناقشة فكرة واحدة بصورة مستقلة. الفلسفة لا تقاس بعدد الكتب المقررة، بل بقدرة التعليم على إنتاج إنسان يستطيع أن يقول: لا أقتنع، وهذه أسبابي. كما لا تقاس بعدد الشهادات التي تمنحها الجامعات، بل بما تتيحه من حرية البحث والاختلاف والنقد.هناك أيضا أزمة في موقع المثقف العربي نفسه. فقد انشغل جزء من الخطاب الثقافي بشرح المدارس الأوروبية واستعادة أسماء الفلاسفة، بينما بقيت أسئلة المجتمع بعيدة عن إنتاج مفاهيم جديدة. لا مشكلة في قراءة الفلسفة الغربية أو الاستفادة منها؛ فالمعرفة لا تتقدم بالعزلة عن تجارب الآخرين. المشكلة أن تتحول القراءة إلى استهلاك للمصطلحات، وأن يصبح ذكر فوكو أو ماركس أو نيتشه دليلا على الثقافة، دون أن نختبر قدرة أفكارهم على تفسير واقعنا أو نناقش حدودها.

نحتاج إلى فلسفة تتعامل مع أسئلة المجتمعات العربية كما هي: الدولة التي تتنازعها الولاءات، والقبيلة التي تتقدم أحيانا على المواطنة، والطائفية التي تحول الاختلاف إلى عداوة، والاقتصاد الذي يصنع تفاوتا واسعا في الفرص، والتعليم الذي يعيد إنتاج الامتيازات، والحروب التي تجعل العنف جزءا من الحياة السياسية. لماذا يقبل المجتمع فساد المسؤول إذا كان من جماعته؟ لماذا تتحول الهوية إلى مبرر للظلم؟ لماذا يطالب الفرد بالعدالة لنفسه ولا يطالب بها لخصمه؟ وكيف تصبح الطاعة قيمة أعلى من المسؤولية؟ هذه أسئلة فلسفية بامتياز، ولا يمكن الإجابة عنها بمجرد تكرار ما كتبه فلاسفة أوروبا أو استعادة ما قاله مفكرو الماضي.وتوجد مشكلة أخرى تتعلق بالنظرة الاجتماعية إلى العلوم الإنسانية. فالفلسفة وعلم الاجتماع والتاريخ والنقد غالبا ما ينظر إليها باعتبارها تخصصات قليلة الجدوى العملية مقارنة بالطب والهندسة وإدارة الأعمال. ومن حق المجتمع أن يهتم بالوظائف والدخل والتنمية الاقتصادية، لكن اختزال التعليم في ما يضمن وظيفة مباشرة يضعف قدرته على فهم نفسه. المجتمع الذي ينتج مهندسين وأطباء دون أن يهتم بإنتاج المعرفة النقدية حول العدالة والسلطة والثقافة قد ينجح في بناء بعض المؤسسات، لكنه يظل عاجزا عن تفسير الأزمات التي تعطلها. ولا ينبغي أن نعفي الاستعمار من أثره في تشكيل المؤسسات التعليمية والثقافية الحديثة، وفي ترتيب المعرفة وفق حاجات الإدارة والاقتصاد والهيمنة. لكن تحويل الاستعمار إلى تفسير شامل لكل إخفاق عربي يعفي النخب الوطنية من مسؤولياتها. فقد امتلكت دول الاستقلال عقودا طويلة لإصلاح الجامعات وتطوير البحث العلمي وبناء مؤسسات مستقلة، لكنها في حالات كثيرة ورثت أدوات السيطرة وأعادت استخدامها. تغيرت الأعلام والأنظمة، بينما بقيت علاقة السلطة بالمعرفة محكومة بالشك والاحتواء والتوجيه.حتى الاحتفاء بابن رشد يحتاج إلى مراجعة. ما قيمة أن نرفع صورته ونعقد الندوات باسمه، إذا كنا لا نمارس حقه في الاختلاف والاجتهاد؟ وما فائدة أن نستعيد معاركه الفكرية إذا كنا نرفض مناقشة أفكار معاصرة تخالف تصوراتنا؟ لا يكفي أن نجعل الفلاسفة القدماء رموزا لهوية ثقافية نفتخر بها؛ المطلوب أن نفهم كيف اشتغلوا على أسئلتهم، وأن نمتلك الشجاعة لطرح أسئلتنا الخاصة. فالتاريخ الفلسفي لا يمنح المجتمعات شهادة دائمة بالتقدم، ولا يعفيها من مسؤولية إنتاج المعرفة في حاضرها.

إن تراجع الفلسفة في المجتمع العربي مرتبط بأزمة أوسع في استقلال العقل عن الجماعة والسلطة والموروث. لا يعني استقلال العقل أن يتخلى الإنسان عن دينه أو ثقافته أو هويته، بل أن يمتلك القدرة على التمييز بين الإيمان والتفسير، وبين الانتماء والحقيقة، وبين احترام التراث وتحويله إلى سلطة تمنع المراجعة. العقل المستقل لا يرفض كل ما ورثه، لكنه لا يقبل فكرة لمجرد أنها قديمة، ولا يرفض فكرة لمجرد أنها جاءت من خارج ثقافته. الفلسفة ليست ترفا جامعيا ولا خصومة مع الدين، وليست استعراضا لأسماء ومصطلحات أجنبية. إنها ممارسة يومية تبدأ عندما يسأل الإنسان عن سبب اعتقاده، وعن الدليل الذي يستند إليه، وعن حق الآخرين في الاختلاف معه. وتصبح ضرورة سياسية عندما يرفض المواطن أن تكون السلطة فوق المساءلة، وضرورة اجتماعية عندما يرفض أن تكون القبيلة أو الطائفة أو الجماعة بديلا عن العدالة، وضرورة أخلاقية عندما يراجع الإنسان مواقفه بدلا من البحث عن مبررات لها.لم يفقد المجتمع العربي القدرة على التفكير، لكنه لم ينجح في بناء مؤسسات وثقافة عامة تحمي التفكير المستقل وتمنحه قيمة اجتماعية. ولذلك فإن استعادة الفلسفة لا تبدأ بإعادة ابن رشد إلى المناهج، ولا بزيادة عدد الكتب المترجمة، بل بتغيير العلاقة مع السؤال نفسه. علينا أن نقبل أن الأفكار قابلة للنقد، وأن الحقيقة لا تصبح ملكا لجماعة بسبب امتلاكها القوة أو التاريخ أو الأغلبية. فالمجتمع الذي يخاف من السؤال لن تنقذه كثرة المعلومات، والجامعة التي تمنع الاختلاف لن تنتج معرفة حرة، والمثقف الذي يكتفي بشرح أفكار الآخرين سيظل مستهلكا لها مهما اتسعت مكتبته.السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نواجهه هو: هل نريد مجتمعا يفكر، أم مجتمعا يتقن تكرار ما قيل له؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب