الصحافه

لوفيغارو: هناك مأساة مزدوجة جارية في فلسطين.. وإسرائيل تنتحر سياسيا

لوفيغارو: هناك مأساة مزدوجة جارية في فلسطين.. وإسرائيل تنتحر سياسيا

باريس-

تحت عنوان “مأساة مزدوجة في فلسطين”، قال الصحافي بصحيفة لوفيغارو الفرنسية رينو جيرار – في مقال رأيه – إن مأساة تعصف بالفلسطينيين، لكنها تطال أيضًا اليهود. فحكومة نتنياهو لا تبدو مدركة أن تجريد الآخرين من إنسانيتهم لا يؤدي في النهاية إلا إلى فقدان الذات لإنسانيتها. فالحرب الإسرائيلية-الفلسطينية الجديدة بدأت “بمجزرة ارتكبتها حماس” في 7 أكتوبر 2023 داخل الأراضي الإسرائيلية، لكنها اتخذت أبعادًا شبه كارثية بالنسبة لسكان قطاع غزة المحاصرين، يقول الكاتب.

في 23 مايو 2025، أدت غارة إسرائيلية في منطقة خان يونس (جنوب القطاع) إلى مقتل تسعة من أطفال زوجين يعملان في القطاع الطبي. الأطفال الذين تراوحت أعمارهم بين عدة أشهر و12 عامًا، قضوا جميعًا باستثناء الابن الأكبر، آدم (11 عامًا)، الذي نجا بإصابات طفيفة. الأب، الدكتور حمدي النجار، يتلقى العلاج حاليًا في مستشفى ناصر من جراح خطيرة، فيما نجت الأم، لأنها كانت في عملها بالمستشفى لحظة وقوع القصف. كيف يمكن لحمدي وزوجته تجاوز فقدان أبنائهم؟ تسعة أرواح بريئة، حصدتها حرب عبثية يقودها زعماء سياسيون متطرفون من الطرفين، الفلسطيني والإسرائيلي. هؤلاء الضحايا يُضافون إلى أكثر من 55 ألف فلسطيني قُتلوا جراء القصف الإسرائيلي منذ 8 أكتوبر 2023، ثلثاهم من المدنيين، يوضح رينو جيرار.

يتابع الكاتب: يعيش مليونا إنسان في غزة اليوم أفظع مأساة عرفها الشعب الفلسطيني منذ نكبة عام 1948. محاصرون بين مطرقة ديكتاتورية حماس وسندان قصف إسرائيلي لا يتوقف، بدعوى القضاء على الحركة واسترجاع الأسرى، لكنه بات أقرب إلى عقاب جماعي لشعب بأكمله.

يعيش مليونا إنسان في غزة اليوم أفظع مأساة عرفها الشعب الفلسطيني منذ نكبة عام 1948

عائلة النجار لم تغادر منزلها في خان يونس لأنها لم تجد مكانًا تلجأ إليه. فثلثا البنية التحتية والسكن في غزة دُمر. آلاف العائلات هُجّرت مرارًا من أقصى القطاع إلى أقصاه. انعدمت النظافة، غابت الحماية، والمجاعة تهدد الجميع. أي جيل فلسطيني سينشأ في مثل هذه الظروف؟ يتساءل رينو جيرار.

ومضى الكاتب معتبراً أن “لا شك في أن إسرائيل دولة ديمقراطية لها الحق في الدفاع عن نفسها. ولا شك في أن حماس جلبت المصائب للفلسطينيين؛ فهي من قوض اتفاقيات أوسلو التي وُقّعت عام 1993 بين حكومة إسحق رابين ومنظمة التحرير برئاسة ياسر عرفات، والتي كانت تمهد لإقامة دولة فلسطينية في غزة والضفة. لكن حماس، بدوافعها الأيديولوجية، رفضت هذه الاتفاقات، مطالبة بكل فلسطين “من البحر إلى النهر”. في الوقت ذاته، رفضها كذلك اليمين الإسرائيلي الحاكم حاليًا، المتحالف مع أحزاب دينية متطرفة لا تتصور التنازل عن شبر من “أرض وعد بها الله اليهود”، حتى لو كان العرب يعيشون عليها منذ قرون قبل نشأة الصهيونية”، يضيف الكاتب.

اليمين الإسرائيلي المتطرف نسي تمامًا ما قاله المفكر اليهودي الصهيوني آرثر كوستلر عن وعد بلفور: “أمة وعدت أمة ثانية بأرض تملكها أمة ثالثة!”. نحن اليوم أمام صراع بين عقيدتين متطرفتين تسعيان إلى إلغاء وجود الآخر، والسكان المدنيون على الجانبين يدفعون الثمن، يقول رينو جيرار.

يجب أن نفهم أن المأساة لا تخص الفلسطينيين وحدهم، بل تطال اليهود أيضًا. حكومة نتنياهو لا تدرك أن تجريد الإنسان من إنسانيته لا يمكن إلا أن يجردنا نحن من إنسانيتنا. فالكارثة الإنسانية في غزة اليوم لا تليق بتاريخ إسرائيل، يقول كاتب المقال دائما.

ويوضح رينو جيرار قائلا: “في شبابي، كانت والدتي تحدثنا، أنا وأخي، عن إسرائيل باعتبارها دولة نموذجية، متفوقة على غيرها بأخلاقها. اليوم، لم يعد من الممكن لأم كاثوليكية فرنسية أن تمدح الدولة العبرية”.

منذ أن استأنفت إسرائيل قصف غزة في 18 مارس 2025، ماذا جنت؟ عسكريًا، المكاسب تكاد تكون معدومة. استراتيجيًا، الخسائر جسيمة

منذ أن استأنفت إسرائيل قصف غزة في 18 مارس 2025، ماذا جنت؟ عسكريًا، المكاسب تكاد تكون معدومة. استراتيجيًا، الخسائر جسيمة. لدولة حديثة منفتحة على العالم مثل إسرائيل، فإن سمعتها الدولية أساسية لنجاحها، لكنها اليوم باتت مشوهة. حتى الأمريكيون بدأوا يتنصلون من دعمها، يقول رينو جيرار، معتبرا أن المصلحة طويلة الأمد لإسرائيل تكمن في الحفاظ على علاقات وثيقة مع الغرب الذي تتقاسم معه القيم الإنسانية.

“من المؤلم أن نشهد انتحار إسرائيل السياسي. كم من شاب يهودي لامع غادر البلاد لأنه لم يعد يحتمل حالة الحرب الدائمة. إسرائيل تشهد اليوم هجرة معاكسة لأفضل عقولها”، يقول الكاتب. ويضيف قائلا: “لست ساذجًا. أعلم جيدًا أن إسرائيل لا تستطيع خسارة أي حرب في محيط عربي-إسلامي معادٍ لها. وأعلم أن الفلسطينيين رفضوا عبر تاريخهم كل المقترحات التي قُدمت لهم (خطة بيل 1939، التقسيم الأممي 1947، عروض باراك في 2001 وأولمرت في 2008). كما أنني أُعجب بالجهود الزراعية والتكنولوجية التي بذلها الصهاينة في أرض الميعاد، وبالنجاح الاقتصادي الإسرائيلي الذي بات نموذجًا يُحتذى به في الشرق الأوسط، ويحظى بالإعجاب حتى من الدول العربية الموقعة على اتفاقيات أبراهام. وكان بإمكان حماس أن تختار في 2006 نموذج تنمية شبيه بسنغافورة في غزة، وكانت لتحصل على مليارات من دول الخليج. لكن إسرائيل التي عرفتها كانت تملك روحًا. وأخشى أن تفقدها، إذا استمرت في معاملة سكان غزة بهذه الوحشية”.

“القدس العربي”:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب