لوموند: انتصار طهران المحتمل على ترامب لا يمكنه إخفاء الضعف التاريخي الذي يمر به النظام الإيراني

لوموند: انتصار طهران المحتمل على ترامب لا يمكنه إخفاء الضعف التاريخي الذي يمر به النظام الإيراني
باريس-
قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية إنه إذا كان النظام الإيراني قد أظهر قدرة على الصمود، تجلت في وصول قيادات جديدة إلى السلطة لا تقل تشددا عن سابقاتها، فإن تداعيات الحرب التي اندلعت في 28 فبراير قد تكون قاسية على نظام كان يعاني أصلا من أزمات عميقة.
وأضافت “لوموند” في مقال للكاتب، جيل باريس، أنه يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لا يميل كثيرا إلى التنظير، بصدد صياغة مفهوم جديد من خلال الحرب التي أطلقها ضد إيران: “الاستعجال الاستراتيجي”. وقد عرف نفسه مرارا في مواجهة سلفه الديمقراطي باراك أوباما، الذي كانت استراتيجيته للأمن القومي عام 2015 تقوم على “الصبر والمثابرة الاستراتيجية” في التعامل مع التحديات العالمية. لكن منتقدي أوباما، حتى داخل الحزب الديمقراطي، رأوا في هذا التوجه وصفة للجمود، مستشهدين برفضه تزويد كييف بالسلاح.
في المقابل، اختار ترامب بعد عودته إلى البيت الأبيض، نهجا معاكساً قائماً على الاندفاع والتقلب المستمر، مصحوبا بازدراء الخبرة وثقة مفرطة بالنفس وبحلقة ضيقة من المستشارين، الذين أثبتت كفاءتهم محدوديتها في ملفات مثل أوكرانيا وغزة.
هذا “الاستعجال الاستراتيجي” تتابع “لوموند”، لم يعلن يوما كمفهوم رسمي، ربما لأن عيوبه واضحة. وفي الحالة الإيرانية، قاد حتى الآن إلى مأزق، وهو ما أدركته طهران التي سارعت إلى إعلان النصر، على غرار ساكن البيت الأبيض. غير أن هذا “الانتصار” إن تأكد، يحمل في طياته الكثير من الالتباسات.
ومضت “لوموند” قائلة إنه ثمة حقيقة واضحة لا يمكن إنكارها، وهي أن النظام الإيراني صمد رغم الضربات التي استهدفت قيادته، حيث تمكن من إعادة ترتيب صفوفه بسرعة. كما حقق مكاسب نفسية، أبرزها دفع الرئيس الأمريكي إلى إلغاء جلسة مفاوضات كانت مقررة في باكستان، بعد إسقاط موعد نهائي لوقف إطلاق النار.
وكانت طهران قد كشفت سابقا ما اعتبرته “خداعا” من ترامب، حين لم تنصع لتهديداته بتدمير شامل. واليوم تطرح صيغة للخروج من الحرب تقوم على فصل إعادة فتح مضيق هرمز عن بقية الملفات، خصوصا البرنامج النووي. وإذا قبل ترامب بذلك، فسيحسب ذلك نصرا لإيران.
لكن هذا النصر -إن تحقق- سيكون على أنقاض، تقول “لوموند”، إذ لا يمكنه إخفاء التراجع التاريخي للنظام الإيراني، وهو تراجع بدأ قبل الحرب وتفاقم بعدها، داخليا وخارجيا.
إقليميا، توضح الصحيفة، باتت شبكة النفوذ الإيراني في حالة تفكك. صحيح أن “حزب الله” ما يزال يقاوم في جنوب لبنان، لكنه يواجه رفضا متزايدا داخليا. كما فقدت طهران عمقها الاستراتيجي في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، الأمر الذي أضعف خطوط إمدادها عبر الميليشيات الحليفة.
وعسكريا، لم تعوض فعالية الطائرات المسيرة الإيرانية الخسائر الكبيرة في القوات التقليدية، فيما اكتسب خصومها حرية حركة أكبر.
نجحت إيران في مواجهة التفوق العسكري الأمريكي والإسرائيلي عبر “حرب سياسية”، مستخدمة ورقة مضيق هرمز. ويستحضر هذا النهج تحليل وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر لحرب فيتنام، حين قال إن الولايات المتحدة سعت إلى إنهاك العدو جسديا، بينما سعى خصومها إلى إنهاكها نفسيا.
غير أن استخدام مضيق هرمز سلاحا له كلفة باهظة، تتابع “لوموند”، موضحة أن واشنطن ردت بفرض حصار اقتصادي قد يكون أكثر تدميرا على المدى الطويل من الضربات العسكرية. كما يتوقع أن تدفع الحرب نحو تطوير مسارات بديلة لنقل الطاقة، تقلل من أهمية هذا المضيق مستقبلا.
لم تقتصر الضربات على المنشآت العسكرية، بل طالت قطاعات اقتصادية حيوية، من الصلب إلى الصناعات الدوائية. وقدرت الخسائر بنحو 270 مليار دولار، أي ما يعادل 60% من الناتج المحلي الإجمالي، ما ينذر بموجة تضخم حادة.
في ظل هذا الوضع، تضيف “لوموند”، يبدو أن النظام الإيراني سيكون في أمس الحاجة إلى رفع العقوبات الدولية، أكثر من حاجة ترامب إلى مخرج سياسي سريع. وحتى لو نجح في حشد مظاهرات مؤيدة، فلن يتمكن من إخفاء مرارة الأزمة التي يعيشها.
“القدس العربي”:




