مقالات

 مآسي الحرب.. قراءة في جذور العنف والانتهاكات وسبل التعافي   بقلم محمد ضياء الدين -الهدف السودانية –

بقلم محمد ضياء الدين -الهدف السودانية -

 مآسي الحرب.. قراءة في جذور العنف والانتهاكات وسبل التعافي
  بقلم محمد ضياء الدين -الهدف السودانية –
أظهرت الحرب عن مشاهد مأساوية كشفت عن تعقيدات نفسية واجتماعية عميقة، أثرت على سلوك المقاتلين من كافة الأطراف المشاركة فى الحرب اللعينة التى تشهدها بلادنا. كشفت الحرب أسوأ ما فينا من جشع ووحشية وانقسامات داخل وخارج ساحات المعارك ، لكنها في الوقت نفسه أظهرت أفضل ما فينا من صمود وتلاحم.هكذا هي الحرب، أظهرت تناقضات المجتمع السوداني في أقصى صوره، لكن هذه التناقضات أيضاً قد تكون نقطة انطلاق سودان ما بعد الحرب نحو تحقيق السلام والتقدم .
المجتمع السوداني معروف بتسامحه وطيبته، فإن التحول الحاد إلى العنف الوحشي غير المسبوق في تاريخ السودان، الذي أفرزته الحرب، إنما يرتبط بعوامل نفسية عميقة، ضاعفتها التأثيرات البيئية بالإضافة إلى تنامي خطاب الكراهية والعنصرية والتعبئة الدينية ذات الطابع الداعشي، كل تلك العوامل تعتبر الأكثر تأثيراً في ارتكاب الجرائم والانتهاكات المروعة في حق المدنيين والمقاتلين الذين يقعون في الأسر.
مؤكد أن البيئة الصحراوية القاسية أثرت بشكل كبير على عقلية مقاتلي قوات الدعم السريع خاصة (القوة الصلبة) القادمين من المجتمعات التي تنشأ فيها. ففي الصحراء، ومجتمعات التنقل، حيث الموارد شحيحة والتحديات صعبة، يتعلم الأفراد منذ الصغر أن الصراع من أجل البقاء جزء من حياتهم. هذه الظروف، بالإضافة إلى تنامي الفقر والجهل، عززت النزعة نحو القوة والقدرة على مواجهة الخصوم، مما زاد من حالات استخدام العنف المفرط فى ميدان الصراع المسلح. أيضاً ساهمت حالة العزل الجغرافي الذي تفرضه الصحراء في تعزيز الهوية القبلية والانتماء الجماعي لسكان الصحراء، حيث يرى الفرد نفسه جزءاً من جماعة متماسكة عابرة للحدود، ما يُحفز التوحش الذي يرتبط لديهم بالشجاعة والإقدام ، خاصة عندما تُغذى الهوية الجماعية بأساطير وأحاجي اجتماعية وإثنية وثأرية تجعل العنف مبرراً لديهم، لهذا شاهد الشعب السوداني وعايش انتهاكات واسعة لقوات الدعم السريع بحق المواطنين الأبرياء وفي مسرح العمليات .
من جهة أخرى، لعب الخطاب السياسي والديني المتشدد دوراً مهماً فى تأجيج العنف والانتهاكات في الحرب . إذ تم استخدام تأويلات دينية مشوهة تُبرر القتل بإسم الدين، مما عزز حالة التوحش لدى بعض الأفراد المغيبين، كما تم استغلال الفتاوي لتحفيز الانتماء إلى جماعات معينة تنتمي لتيارات ذات طابع إسلاموي متطرف، تمثل الجماعات المرتبطة بفلول النظام الساقط، وجدت في الحرب فرصتها الأخيرة للعودة للسلطة من جديد، مما ألغى لديهم الشعور بالذنب وجعل حالة القتل والذبح والوحشية تبدو كواجب ديني وسياسي،
ومع تصاعد الخطاب السياسي والديني المتشدد، الذي احتكر الإعلام الرسمي ومع سرديات الثأر والتعبئة ضد الثوار والناشطين السياسيين، أصبح العنف جزءاً من (الجهاد) الجماعي لهذه المليشيات المتأسلمة .
في هذا السياق، أصبح الدين أداة لتقديس العنف وإعاقة أي مقاومة أخلاقية، فالجميع يقتل ويحرق ويذبح ويكبر الله تكبيرا .
تلك هي أهم خلفيات التمادي في العنف الممنهج والانتهاكات التي أصبحت سمة المقاتلين في هذه الحرب اللعينة.
عليه يجب على القوى المدنية، أحزاب ومنظمات، مواجهة هذه العوامل المعقدة وعلى وجه السرعة، لبناء جبهة شعبية عريضة لإنهاء الحرب وقيام السلطة المدنية الديمقراطية، على هذه التنظيمات، ابتدار حملات إعلامية توعوية سياسية واجتماعية وقانونية للحد من الانتهاكات ومنع المجرمين من الإفلات من العقوبات، مع كشف وتعرية وتجريم خطاب الكراهية والعنصرية. كما ومن الضرورى الإسراع بالعمل من خلال برامج إعادة التأهيل النفسي والاجتماعي، لمعالجة المتضررين من المواطنين ضحية العنف والانتهاكات، مع الأخذ في الاعتبار خصوصيات المجتمعات الصحراوية. ومن الأهمية بمكان، العمل على ضبط الخطاب الديني، وإبراز وتعزيز دور المؤسسات والشخصيات الدينية المعتدلة لنشر تفسيرات عقلانية للنصوص الدينية وتقديم نموذج لإسلام مدني ديمقراطي معتدل، لتعزيز قيم التعايش والتسامح، من أجل إنهاء الحرب ومعالجة مسبباتها.
بهذا، يمكن للمجتمع المدني، بكافة مكوناته وتخصصاته، الإسهام في معالجة جذور الانتهاكات واستعادة القيم السودانية الأصيلة التي تتجاوز تأثير البيئة القاسية والخطاب السياسي والديني المتطرف.
إن الشعب السوداني، رغم كل الآلام، قادر على النهوض من جديد لبناء مستقبل أفضل.
*

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب