ثقافة وفنون

مئزر الحمّام

مئزر الحمّام

حيدر المحسن

يذكر الناقد مالك المطلبي في كتابه «غريزة المقهى» نعتاً طريفاً لشارع الرشيد بأنه «جمهورية المقاهي»، حيث تمتد سلسلة من المقاهي القديمة على طول الشارع، يمرّ الوقت فيها على نحو مختلف، ويخفت اضطراب العالم وقلقه، ويصير ذا بريق رغم التعاسة والرثاثة في المكان. لا شكّ أن ساكني هذه الجمهورية يستشعرون التاريخ قليلا، وينتقل إليهم بالتالي قبس قليل من ضياء هذه الأرض الثابتة والصلبة والضاربة في القِدم، والتي زاد من بهائها أنها كانت يوماً ما وطناً مشتركاً لجميع البشر. لكن لا الأفكار ولا الحنين، ولا حتى الأحلام بإمكانها أن تحكي عن جمال وسحر ذلك العصر العجيب، عندما كانت بغداد عاصمة إمبراطورية تمتد من آسيا الوسطى إلى غرب إفريقيا.
قصّة شارع الرشيد في التاريخ الحديث معروفة، شقّه العثمانيون كي تسير عجلاتهم فيه إلى الحرب، وأطلقوا عليه اسم «جادّة خليل باشا سي»، على اسم الحاكم العثماني الأخير لبغداد، وقائد الجيش في الحرب الكونية الأولى، لكنهم خسروا المعركة، وافتتحته قوات الجنرال ستانلي مود، قائد الحملة البريطانية لاحتلال بلاد الرافدين.
الرحّالة العثماني أوليا جلبي، صاحب كتاب سياحتنامة بمجلّداته العشرة، زار بغداد عام 1655، ودوّن في يوميّاته كلاماً فيه استعارة غريبة: «هذه البلاد تشبه مئزر الحمّام الذي يستعمله كل أحد لوقت من الأوقات». ظلّ المئزر بيد العثمانيين حوالي أربعة قرون، انتقل بعدها إلى الإنكليز في الحادي عشر من آذار عام 1917، ليصير لاحقاً في أيدٍ أخرى…
المقهى الأشهر في جمهورية المقاهي يحمل اسم (حسن عجمي)، على بُعد خطوات من أطلال فندق (الهلال)، حيث غنّت أم كلثوم في الثلاثينيات. في الجهة المقابلة، وفي حارة ضيّقة يقع مرقد الإمام أحمد بن حنبل، الفقيه الملقّب «إمام أهل السنة والجماعة»، على هَدْيِهِ سار ابن تيميّة، ومنه أخذ الإسلاميون المتشددون في الزمن الحاضر تعاليمهم. لكن الضريح بسيطٌ للغاية ومهمل، ويُقال إن الرفات ضاع في أعماق نهر دجلة في أحد فيضاناته، والمقام هذا ما هو إلا ذكرى باهتة للمرقد الأول.
يشكّل الثلاثة، المقهى والفندق والمرقد، رؤوس مثلّث وإن كانت العلاقة واهية بين أضلاعه، لكنه ظلّ متماسكاً طوال أكثر من قرن. لو أننا أضفنا محلّ معجنات (كعك السيّد) إلى الشّكل لأصبح مربعاً، وإن كانت لجامع (الأحمدي) وشربت (حجي زبالة) حصّة، مع سوق هرج (البراغيث) وجامع (المرادية)، صار متوازي مستطيلات. اللوحة التي أرسمها للمدينة تقوم بترتيب نفسها هندسياً. بإمكاني خطّ مستقيمَين إلى مقهى (الشابندر) وسوق (السراي)، مع دائرة في مكان ساحة (الميدان) من الجهة الأخرى، وتكون النتيجة شكلاً مخروطيّاً. لا علاقة لهذه اللوحة المرسومة وفق المذهب التكعيبي في فن التشكيل، بالرسم المعتم والأجرد والكئيب، والمكلل بالعار أيضاً للمدينة، بريشة الضابط ريتشارد غوردون من جيش الجنرال مود. لا يوجد غير لون الأرض في اللوحة، حتى وجوه الناس تبدو غبراء، ومعها ثيابهم ومبانيهم، وليس ثمة شجرة أو شُجيْرة أو حتى عشبة خضراء، وغياب اللون الأخضر يدلّ على أن الجوّ ثقيل في المكان، والحياة فيه لا تحتمل. قُتل هذا الضابط في التمرّد العشائري الذي يُطلق عليه اسم «ثورة العشرين»، وصارت اللوحة من مقتنيات توماس ليل مؤلف كتاب (THE INS AND THE OUTS OF MESOPOTAMIA) الصادر في لندن عامَ 1923.
في السنة الماضية، قامت أمانة العاصمة بتجديد شارع الرشيد، لكنها تركت مقهى حسن عجمي على حاله، مبنى أثري يعاند الزمن، أثاثه تخوت مكسوّة بالحصير تستخدم للجلوس والنوم، مع طاولات تقوم على أرضية مصبوبة بالإسمنت. ثمة بؤس كبير في المكان، تقف شاهدة عليه مرآة كبيرة معلّقة على الحائط المواجه للباب، غطّاها السناج الذي خلّفته عَتمة السنين. بماذا تُفيد زبائن المقهى مرآة سوداء لا يبين على شاشتها شيء؟ يقول بافيزي: «حين نرى أننا دائماً نفعل الشيء نفسه منذ الأزل فلا يمكننا أن نفكر في الماضي دون حقد».
الجملة الأولى من رواية «الوجه الآخر» لفؤاد التكرلي فيها ذكر لهذا المكان، كنقطة حرجة تتحدّد عبرها أقدار شخوصها، وضمن هذه الأقدار تجري ينابيع الحياة المجهولة: «خطر له حين مرّ أمام مقهى حسن عجمي أنه سيعود للجلوس فيه عصر هذا اليوم». صدرت الرواية عام 1960، وكلّ أديب ومتأدبّ عراقيّ يحفظ اسم (محمد جعفر) بطل الرواية، أجمع النقاد على أنها تلخّص ما جرى في العراق في 14 تموز عام 1958، الثورة أو الانقلاب الذي أفرح الشعب العراقي وأحزنه، ومن ثمّ سبّب له الكوارث والمآسي. «كان المقهى داخناً وفيه ضجة لا تخمد، والمصابيح تضفي صفرة قبيحة على وجوه الجالسين السمراء. مدّ يده إلى جيبه الأيمن وتحسّس الكيس الورقي والأساور ومحابس الذهب التي يحتويها، فشعر بانزعاج خفيّ يُداخله». جميعُنا يعرف حكاية هذا الكيس، فيه مخشّلات زوجته التي سيرهنها بعد قليل لدى المرابي سيد هاشم، لدفع أجور العملية الجراحية التي تتطلبها ولادة ابنه. «كان قدح الشاي على بعد قليل منه، موضوعاً بإهمال. إن هذا لا ينتظر شيئاً، وهو لذلك لا يملك نفساً إنسانية». تأخّر سيد هاشم في الوصول، وأخذ محمد جعفر يحدّث نفسه بهذا الكلام، محاولاً نسيان العوز الذي يعيش فيه مع زوجته، وبؤس حاله لأن أمره صار بيد هذا العجوز: «كانت في قعر قدح الشاي بقية من السائل الأحمر، تعكس أضواء الكوة الغامقة. لعل من الأوفق أن لا نكون بشراً؛ لأجل أن لا نتعذّب ونقلق ونلتزم». فشلت العملية الجراحية ومات ابنه في أثناء الولادة، وأصاب الأمَّ العمى نتيجة مضاعفات التداخل الجراحي، ليقودها زوجها في الأخير إلى بيت أهلها، متخلّيًا عنها وعن أحلامه في تكوين أسرة.
اللّوحة الثّالثة لبغداد قام برسمها صديقي كريم سعدون. هاجر إلى السويد بعد الغزو الأمريكي مباشرة، وعندما عاد في الصّيف الماضي، أخذ جولة في شارع الرّشيد في وقت السّحر. كان القمر يُنير عالماً من الصمت والسبات الجميلين، والنّسيم القادم من جهة النّهر ثبّت في عينيه اللّيلَ والنّهارَ البغداديّ المطلقَين. ثم أدّى الحنين الآسر دوره، وخطر لصديقي أن يرسم لوحة للمدينة بأسلوبه الخاص، يظهر الشّارع فيها مساراً من الأضواء، كلّ زاوية فيه معطرة، وكلّ مبنى يتوسط غابة من النّخل. في جانب اللّوحة الأيسر جواميس ملوّنة بالأخضر ترعى أزهاراً على الشاطئ، وأسماك النهر الحمراء تطفو سابحة على أمواج من لبن وعسل. ثلاث نساء بغداديات غائصات في فيض من الساتان والحرير والمجوهرات، يرقصن على سطح المقهى، في ظلال غابة صغيرة من أشجار البرتقال. في أعلى اللوحة طائرٌ أزرقُ يمشّط الهواء، ويعاسيبُ مشعّةٌ تتساقط عليها أوراق اللّيل الملوّنة، تحت البريق الخشن للنجوم. أضواء لأنوار داخلية في اللوحة تكشف فئراناً وخنافسَ ذهبيةً، وجلود شياه الأضاحي كأنها فراشات تحطّ في أوهى اختلاجات أجنحتها على أزهار، هي في الحقيقة تجسيد كامل وتام وبصورة لا تصدق لوجوه الأسلاف الموتى، تراقبنا من بعيد، وتحسب لنا، وتحتسب. الألم حتميّ في الغالب، والمعاناة اختيار، وكلاهما غذاء للعبقرية. أنجز كريم سعدون لوحة صريحة وطليقة للمدينة، هي الأكمل من بين اللوحات الثلاث، من ناحية اكتشاف الحقيقة بواسطة هاجس الفن.
أوّل إحساس يراودكَ وأنت تزور جمهورية المقاهي، أن مواطنيها يتشابهون في كل شيء؛ في الخِلْقة ونوع الثّياب والأفكار والطِّباع، وفي طريقة العيش أيضاً، والأهم من كلّ ذلك أنهم يتشابهون في الرائحة. كهول وشيوخ ولدوا في محيط السنة التي مات فيها ابن محمد جعفر، أي أربعينيات وخمسينيات وستينيات القرن الماضي. عاصروا خمس حروب، وحصاراً من عشر سنوات، وحرباً أهلية، ثم غزواً أجنبيّاً، وحرباً أهليّة ثانية. إنهم يتشابهون في خجلهم كذلك، وفي طريقة التعبير عن الشكّ وخوف بعضهم من بعض، ومن السلطة الحاكمة. كلّ العالم لهم عدوّ، هذه خلاصة أعمارهم، وضالّتهم الوحيدة هي المقهى، يلجؤون إليه أول الصباح، ويعودون إلى بيوتهم عندما تظلمُ السماء. يأكلون العشاء، ويقضون السهرة بالطواف في فناء المنزل، وفي ساعة الرّقاد يروحون في شبه غيبوبة، حيث تتصادم الذكريات مع الأحلام والكوابيس. قبل أذان الفجر يحضرون إلى المقهى، يجلسون على أرائك مصفوفة في الخارج، ينتظرون مجيء العمال في السادسة كي يفتحوا لهم الباب. لم يبق لهم شيء في دنياهم، فالأمهات والزّوجات العجائز ينثرن في البيت الملح والتّعاويذ على النّار، والوطن الخربُ يحترق وحده بهدوء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب