ماذا فعل ترامب بصور أوباما في البيت الأبيض؟ ومن فتح عاصفة زوجة ممداني في تعاطفها مع فلسطين!

ماذا فعل ترامب بصور أوباما في البيت الأبيض؟ ومن فتح عاصفة زوجة ممداني في تعاطفها مع فلسطين!
أنور القاسم
جمع دخولي أول مرة للبرلمان البريطاني العريق، منذ سنوات، التاريخَ بالجغرافيا بالملكية، بعظماء السياسة ودهاتها، وأيقونات المملكة المتحدة عبر ماضيها الإمبراطوري المستمر.
تخيلت الصور المصفوفة بعناية وفخامة، على صدر الجدران، وفي الممرات والقاعات والأروقة، فكل شيء هناك تتجلى فيه العظمة والتقدير لشخصيات صنعوا التاريخ وطرزوا مجد البلاد وامتشقوا سيوفها وأداروا دفات الحكم في مختلف المراحل بدهاء وذكاء ونصر.
استذكرت ذلك، وأنا أشاهد فيديو على منصة «إكس»، يكشف كيف ينكل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بصور الرئيس الأسبق باراك أوباما، ناقلا إياها من موقعها التقليدي داخل البيت الأبيض بين الرؤساء، الى زاوية قصية، كنوع من الاحتقار وتصغير نظيره عبر تهميش صوره.
وفي المقطع، يصوّر البودكاست بيني جونسون من داخل البيت الأبيض، ويصف مكان وضع الصورة بأنه «أطرف شيء»، قبل أن يحرّك الكاميرا ليُظهر الصورة موضوعة في منتصف درج ناء، بعيدا عن الأنظار.
ويكشف الفيديو أن الصورة لم تعد معروضة في الردهة الكبرى للبيت الأبيض، حيث جرت العادة على تعليق صور الرؤساء السابقين.
الفيديو انتشر بسرعة على منصة إكس، محققا أكثر من 3 ملايين مشاهدة فورية، وأثار ويثير موجة من ردود الفعل المنقسمة بشدة.
فصور الرؤساء في البيت الأبيض تعامل تقليديا كقطع تاريخية وليست كبيانات سياسية، ويمكن لمكان عرض صورة رئيس سابق أن يثير الانتباه، لأنه يُنظر إليه غالبا كرمز، خصوصا في فترات التوتر السياسي المتصاعد.
وتتحول التغييرات، التي يفرضها ترامب – دون كل الرؤساء الأمريكيين داخل البيت الأبيض – إلى نقاط اشتعال في نقاشات سياسية وثقافية وفنية أوسع.
فقد كتب جونسون في تعليق على المنشور: «يجب أن تروا ما فعله ترامب بصورة أوباما في البيت الأبيض»؟ مرفقا برمز تعبيري للعينين. واتخذ آخرون نبرة أكثر دعمًا أو استخفافا، حيث كتب أحدهم: «هذا مضحك، أحب ذلك»، بينما قال آخر: «أوباما محظوظ أن صورته ما زالت موجودة في البيت الأبيض»!
فيما اتهمت تعليقات عدة ترامب بالتصرف بدافع الحقد والعنصرية، واعتبر آخرون أن رد الفعل مبالغ فيه، وغير قانوني وسابقة داخل البيت الأبيض.
لم يكتف الرئيس الأمريكي بهذا الخرق، الذي يعيد التنكيل بصور «العبيد» التاريخية في البلاد، بل تعمد نشر فيديو وصورة لأوباما وزوجته على شكل قردين، عبر «سوشال تروث»، وهما يرقصان وسط الأدغال. وختم ترامب الفيديو بمقطع لأغنية «الأسد ينام الليلة» في إشارة ربما لنفسه.
وهنا يطرح كل من يشاهد ذلك سؤالا كبيرا جدا: أليست العنصرية مخالفة تماما للقانون في الولايات المتحدة، وقد توقظ أحقادا وكراهية، بل مساءلات قانونية كبيرة؟ أم هو يعلم تماما أن ما يهمه هم ناخبوه العنصريون، ومحاولاته طي صفحة جيفري إبستين داخليا، وخارجيا عبر الحرب على إيران؟!
زوجة ممداني في عين العاصفة
أحدثت راما دواجي، زوجة العمدة زهران ممداني زلزالا سياسيا في نيويورك، بعد كشف منشورات قديمة لها تهاجم إسرائيل، ما دفعها الى
حذف حساباتها على «إكس» و»تومبلر»، هرباً من مطالب بمحاسبة العمدة على «أيديولوجيا العائلة»!
تبدو هناك حملة مبرمجة تضع زوجة العمدة في مرمى النيران، بعد تسريبات استخباراتية وإعلامية تنبش ماضي دواجي، حيث أعيد تداول منشورات سابقة لها تضمنت إشادة صريحة بمقاومين فلسطينيين وهجوماً حاداً على السياسات العسكرية الأمريكية والكيان الإسرائيلي.
منطقة الشرق الأوسط كلها تتعرض للنيران والحرب والتخريب، وهناك من بعمل على تفكيك تفاصيل «الأرشيف المحظور» وتداعيات تغريدات زوجة العمدة لإشغال المواطنين عما يحصل في المنطقة من ذروة الحيف التاريخي.
موقع «واشنطن فري بيكون» كشف عن منشورات تعود لسنوات مراهقتها وبداية عشريناتها، وصفت فيها مدينة تل أبيب بأنها «كيان لا ينبغي أن يوجد»، واعتبرت سكانها محتلين، وهو ما فجر موجة غضب داخل اللوبي الداعم لإسرائيل في الولايات المتحدة.
كما نبش المحتوى المسرب إشادة بشخصيات مرتبطة بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، إضافة إلى إعادة نشر اتهامات قاسية للجيش الأمريكي بارتكاب انتهاكات بحق مدنيين في دول العالم الثالث، مما يضع العمدة ممداني في موقف دفاعي محرج أمام ناخبيه ومؤسسات الدولة التي يقودها.
زهران ممداني يحاول احتواء الأزمة عبر تصريحات يؤكد فيها أن زوجته «شخصية خاصة»، ولا تشغل أي منصب رسمي في إدارة المدينة أو حملته الانتخابية، مشدداً على أن مواقفه السياسية الشخصية هي فقط ما يجب أن يُحاسب عليه كمسؤول منتخب، في محاولة لفصل استحضار «أشباح الماضي» العائلي عن مستقبله السياسي.
وتثير هذه القضية تساؤلات قانونية وسياسية حول مدى تأثير القناعات الشخصية لعائلات المسؤولين على قراراتهم العامة، خاصة في مدينة بحجم نيويورك، التي تشهد صراعاً حاداً في الولاءات الجيو- سياسية، مما قد يفتح الباب أمام تحقيقات أوسع حول خلفيات العمدة وفريقه الإداري.
طبعا، حذف الحسابات لم ينهِ الأزمة، بل زاد من حدة الشكوك حول «الأيديولوجيا المخفية» داخل منزل عمدة نيويورك؛ فرغم محاولات التبرير، تظل منشورات راما دواجي مادة دسمة لخصوم ممداني السياسيين لاستخدامها كسلاح في أي معركة انتخابية مقبلة.
وهنا تُطرح تساؤلات: هل يجب محاسبة المسؤولين المنتخبين على آراء زوجاتهم وعائلاتهم الشخصية، أم أن «الخصوصية» تمنحهم الحصانة؟
وهل ستصمد إدارة زهران ممداني أمام هذه العاصفة، أم أن الضغوط الإعلامية ستجبره على تقديم «اعتذار علني» أو التبرؤ من تلك الآراء، مما قد يفقده شعبيته بين قاعدته الانتخابية المسلمة والمناصرة لفلسطين؟
كما أن الهجوم الحاد على الجيش الأمريكي في المنشورات المسربة هو الوتر الحساس، الذي سيتم العزف عليه لتصوير عائلة العمدة كعنصر راديكالي، مما قد يهدد علاقة بلدية نيويورك بالمؤسسات الاتحادية في واشنطن.
هذه الأزمة تكشف كيف تتحول «الذاكرة الرقمية» إلى لغم موقوت في المسيرة السياسية للمسؤولين. وحذف الحسابات لن يمحو أثر المنشورات في عصر الأرشفة الفورية، والخصوم سيستخدمون هذا الملف لربط أيديولوجيا العمدة بمواقف زوجته.
محاولة ممداني فصل «الشخصية الخاصة» عن المنصب الرسمي هي مناورة كلاسيكية، لكن في مدينة مثل نيويورك، حيث اللوبي الداعم لإسرائيل يملك نفوذاً هائلاً، ستظل هذه المنشورات ورقة ضغط لابتزاز الإدارة الحالية في كل قرار يخص الشرق الأوسط.
وعلى الإعلام المضاد أن يحسب لزوجة العمدة رأيها، الذي يضاف الى رصيدها النضالي، حيث يبين ذلك أنها من الأحرار الذين يناصرون القضايا العادلة وقضية فلسطين، هي قضية قديمة يناصرها كل أحرار العالم منذ مدة طويلة الى اليوم.
والخصوصية وحرية الرأي واستقلال الذمة المالية وحرية الفرد في المبادرة والفكر والمعتقد مبادئ لا يجب أن تتأثر بالزوج أو الزواج أو الطلاق.
والمضحك المبكي هنا أن زوجه عمدة نيويورك تفضحها منشورات تنتصر للعدالة والحق ويسميها الناشر بالصادمة!
وإذا كان رئيس أكبر دولة في العالم مُدان – وليس مجرد متهم فقط – من قبل محاكم فيدرالية ويجري ترشيحه للرئاسة ويُنتخب ويفوز، وعليه ملفات فضائح تُزكم الأنوف، فالى أين تتجه أمريكا بلد الحريات والأمل؟!
وهل يريدون الاطاحة بطموحات ممداني السياسية بعد فشل الرئيس ترامب شخصيا في منعه من الوصول لمنصبه العظيم في نيويورك؟
كاتب من أسرة «القدس العربي»



