عربي دولي

ماكرون في دمشق: هل غسلت السياسة دماء المرحلة الانتقالية؟

ماكرون في دمشق: هل غسلت السياسة دماء المرحلة الانتقالية؟

زيارة ماكرون إلى سوريا ولقاؤه أحمد الشرع يثيران تساؤلات حول العدالة الانتقالية، حماية الأقليات، والانفتاح الفرنسي على السلطة السورية الجديدة.

أمير بدوي

لم تكن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق ولقاؤه أحمد الشرع مجرد محطة دبلوماسية في مسار العلاقات الفرنسية ـ السورية، بل حملت رسالة سياسية واضحة، مفادها «الغرب مستعد للتعامل مع السلطة الجديدة ومنحها نافذة دولية، رغم أن ملفات المرحلة الانتقالية لا تزال مثقلة بأسئلة الدم والعدالة ومصير المكونات السورية».

المشكلة ليست في مبدأ الحوار مع أي سلطة سورية جديدة، فالدول لا تُدار بالعواطف، بل بالمصالح والوقائع. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الانفتاح السياسي إلى تطبيع سريع يتجاوز الأسئلة الأساسية: من يتحمل مسؤولية الانتهاكات التي طالت المدنيين؟ كيف ستُحمى الأقليات؟ وهل الانتقال السياسي يعني فعلاً بناء دولة مواطنة، أم مجرد إعادة توزيع للسلطة بين قوى جديدة؟

لقد حاول ماكرون خلال لقائه الشرع تقديم صورة تقوم على دعم «سوريا جديدة» تحترم جميع مكوناتها، مؤكداً ضرورة حماية السوريين كافة، خصوصاً بعد أعمال العنف التي طالت العلويين والدروز وأثارت قلقاً دولياً. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تكفي التصريحات الدبلوماسية لحماية مكونات تشعر بأنها دفعت ثمناً كبيراً خلال سنوات الحرب؟

أي دولة تريد أن تقدم نفسها باعتبارها مشروعاً ديمقراطياً لا يمكنها الاكتفاء بتغيير الخطاب السياسي، بل عليها أن تثبت أن القانون فوق الانتماء الطائفي والمناطقي

بالنسبة إلى كثيرين من منتقدي السياسة الفرنسية، فإن المشكلة ليست في أن باريس فتحت قنوات اتصال مع دمشق، بل في أنها فعلت ذلك قبل أن تتضح صورة المحاسبة. فالديمقراطية لا تبدأ من القصر الرئاسي ولا من المؤتمرات الدولية، بل من قدرة المواطن العادي على الشعور بأن حياته وكرامته وهويته ليست رهينة موازين القوة الجديدة.

لقد أظهرت أحداث الأشهر الماضية هشاشة الوضع السوري الداخلي، مع تقارير عن أعمال عنف وتوترات استهدفت خصوصاً البيئة العلوية، إضافة إلى مواجهات وتوترات مرتبطة بالمجتمع الدرزي. هذه التطورات أعادت طرح السؤال القديم الجديد: هل تستطيع السلطة الانتقالية بناء دولة لجميع السوريين، أم أنها ستعيد إنتاج منطق الإقصاء الذي عانت منه البلاد لعقود؟

وفي هذا السياق، تبرز أزمة المهجرين الشيعة التي نتجت عن سيطرة السلطة الجديدة على مقاليد الحكم في دمشق. كما تسيطر حالياً مخاوف أمنية واجتماعية شديدة لدى أبناء هذه الطائفة في مناطق سورية مختلفة، في ظل ما وثقه المرصد السوري لحقوق الانسان عن عمليات هدم وتهجير وترهيب طالت ضاحية المزرعة التي تقع ضمن ريف حمص الغربي، في الجهة القريبة من منطقة الوعر ومدخل حمص الغربي، وهي منطقة ذات غالبية شيعية (مع وجود مكونات أخرى تاريخياً)، وقد أكدت التقارير التي تناولت عمليات الهدم بأنها تخص «ضاحية المزرعة ذات الغالبية الشيعية دون سواهم بريف حمص».

كذلك تحدثت شهادات محلية عن تجاوزات أمنية من قبل السلطة، ما أثار مخاوف كبيرة لدى السكان. وهذه الملفات، سواء ثبتت تفاصيلها كاملة أم احتاجت إلى تحقيق مستقل، تكشف مشكلة أكبر: «غياب الثقة بين الدولة الجديدة وبعض المجتمعات المحلية».

فأي دولة تريد أن تقدم نفسها باعتبارها مشروعاً ديمقراطياً لا يمكنها الاكتفاء بتغيير الخطاب السياسي، بل عليها أن تثبت أن القانون فوق الانتماء الطائفي والمناطقي. فالعدالة الانتقالية ليست شعاراً غربياً يُستخدم عند الحاجة، بل شرط أساسي لمنع عودة الصراع بأشكال جديدة.

أما فرنسا، التي لطالما قدمت نفسها حامية لقيم الجمهورية وحقوق الإنسان، فهي أمام اختبار حقيقي. فهل ستستخدم نفوذها للضغط من أجل بناء دولة سورية جامعة، أم ستكتفي بدور التاجر السياسي الذي يبحث عن المصالح الاقتصادية؟ إن رفع العقوبات والانفتاح الدولي قد يكونان ضروريين لإعادة إعمار سوريا، لكنهما لا يجب أن يتحولا إلى مكافأة سياسية قبل معالجة جراح المجتمع السوري.

إن الخطر الأكبر ليس في لقاء ماكرون بالشرع بحد ذاته، بل في الرسالة التي قد يفهمها الضحايا: أن العالم مستعد لتجاوز آلامهم إذا تغيرت موازين السياسة. فالدول التي تريد بناء السلام لا تبدأ من المصالح فقط، بل تبدأ من الاعتراف بمعاناة الناس ومنع تكرارها.

لهذا فإن زيارة ماكرون يمكن أن تُقرأ باعتبارها محاولة للتأثير في مستقبل سوريا، كما تقول باريس، لكنها يمكن أيضاً أن تُقرأ باعتبارها خطوة تمنح شرعية مبكرة لسلطة لم تُجب بعد عن كل الأسئلة المتعلقة بالمحاسبة والحماية والمواطنة.

في النهاية، القضية ليست هل يلتقي ماكرون بالشرع أو لا يلتقي. القضية هي: هل ستولد من هذا اللقاء سوريا جديدة لجميع السوريين، أم أنه سيكون مجرد فصل جديد من سياسة النفاق الدولية التي تتغير فيها الوجوه بينما تبقى معادلتها النفعية نفسها، ومصالحها الاقتصادية والسياسية فوق كل اعتبار؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب