عربي دولي

مالي عند مفترق طرق.. سيناريوهات مفتوحة بينها انقلاب عسكري وسقوط النظام

مالي عند مفترق طرق.. سيناريوهات مفتوحة بينها انقلاب عسكري وسقوط النظام

نواكشوط – : في ظل التصعيد الأمني الأخير في مالي، وتزايد الهجمات التي استهدفت العاصمة باماكو ومناطق أخرى، عكست مواقف الدول المهتمة بالملف المالي والمتدخلة فيه حجم القلق الدولي من انزلاق الوضع نحو مزيد من الفوضى. تراوحت هذه المواقف بين بيانات دعم للسلطات القائمة، وتحذيرات من تفاقم التهديدات “الإرهابية”، والدعوة إلى العودة للمسارات السياسية، في وقت يتصاعد فيه التنافس على النفوذ داخل هذا البلد المحوري في منطقة الساحل.

المتضرر الأول

وعبّرت موريتانيا عن قلقها إزاء ما يجري في مالي، مؤكدة تضامنها مع باماكو وحرصها على أمنها واستقرارها، وهو موقف يعكس إدراك نواكشوط لحساسية الوضع، وتأثيره المباشر على أمنها الوطني، خاصة في ظل التداخل القبلي والجغرافي على طول الحدود المشتركة، وبالنظر لاحتمال تدفق المزيد من اللاجئين نحو أراضيها.

وتتزايد التحذيرات من أن انهيار الدولة المالية قد يشكل كارثة حقيقية بالنسبة لموريتانيا، بالنظر إلى موقع مالي كـ”قلب جغرافي” لمنطقة الساحل، حيث تمتد على أكثر من 1.2 مليون كيلومتر مربع وتجاور سبع دول، ما يجعل أي اضطراب فيها ذا تأثير إقليمي واسع.

ترتبط موريتانيا بمالي عبر حدود مفتوحة تتداخل فيها الروابط الاجتماعية والاقتصادية، خاصة في الأنشطة الرعوية والتجارية العابرة للحدود

وتتعقد الأزمة بفعل تداخل رهانات جيوسياسية، تشمل حضور قوى دولية مثل روسيا عبر مجموعة الفيلق الإفريقي، إلى جانب تنافس قوى إقليمية كالمغرب والجزائر وفرنسا، في وقت تحاول فيه نواكشوط الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع مختلف الأطراف. ولا تقتصر حساسية الوضع على البعد السياسي، إذ ترتبط موريتانيا بمالي عبر حدود مفتوحة تتداخل فيها الروابط الاجتماعية والاقتصادية، خاصة في الأنشطة الرعوية والتجارية العابرة للحدود.

وفي هذا السياق، تبدو موريتانيا من أكثر الدول عرضة لتداعيات الأزمة، ما يفرض عليها اعتماد مقاربة حذرة تجمع بين اليقظة الأمنية والحراك الدبلوماسي الهادئ، لتفادي تمدد الجماعات المتطرفة من جهة، والحفاظ على قنوات التواصل مع السلطة المركزية في باماكو من جهة أخرى.

الحلم الفرنسي

وتبدو فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة، من أكثر الأطراف متابعةً للأزمة، إذ رغم خروجها العسكري “المذل” من مالي، فإنها لا تزال تعتبر استقرار هذا البلد جزءاً من أمنها الاستراتيجي في غرب إفريقيا. وقد تدخلت عسكرياً عام 2013 في مالي عبر عملية “سيرفال” لمواجهة الجماعات المسلحة، قبل أن تتطور إلى عملية “برخان”، غير أن هذا الحضور انتهى فعلياً بعد وصول أسيمي غويتا إلى السلطة في مالي. وتعبّر باريس عن قلقها من تنامي نفوذ الجماعات المسلحة، ومن التحولات السياسية التي قادها العقيد أسيمي غويتا، والتي أنهت عملياًُ مرحلة النفوذ الفرنسي المباشر، بل وفتحت الباب أمام إنهائه في كل من النيجر وبوركينافاسو.

مخاوف ومصالح

أما الجزائر، فقد دعت إلى ضبط النفس والعودة إلى الحوار، في موقف ينسجم مع دورها التقليدي كوسيط في النزاع المالي، خصوصاً بعد رعايتها لاتفاق السلم والمصالحة لعام 2015، غير أن التطورات الأخيرة، بما في ذلك تراجع العمل بالاتفاق المذكور، تثير مخاوف الجزائر من انهيار الترتيبات الأمنية على حدودها الجنوبية.

الصين، تتبنى موقفاً أكثر تحفظاً، داعية إلى الاستقرار والحفاظ على مؤسسات الدولة، مع التركيز على حماية مصالحها الاقتصادية، ومشاريعها الاستثمارية في المنطقة

في المقابل، تواصل الولايات المتحدة متابعة التطورات من زاوية مكافحة الإرهاب، حيث تحذر من تنامي نفوذ الجماعات المرتبطة بتنظيم “القاعدة” وتنظيم “الدولة الإسلامية”، وتدعو إلى تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لمواجهة هذه التهديدات. وعلى الضفة الأخرى، تؤكد روسيا دعمها للسلطات المالية، في إطار شراكة أمنية وعسكرية متنامية، تعكس تحوّل باماكو نحو حلفاء جدد، في ظل تراجع حضور القوى الغربية. ويُنظر إلى هذا الدعم الروسي باعتباره عاملاً مؤثراً في توازنات الأزمة الحالية.

أما الصين، فتتبنى موقفاً أكثر تحفظاً، داعية إلى الاستقرار والحفاظ على مؤسسات الدولة، مع التركيز على حماية مصالحها الاقتصادية، ومشاريعها الاستثمارية في المنطقة.

رهانات النفوذ

وفي تطور لافت، وجّه تحالف دول الساحل، الذي يضم مالي والنيجر وبوركينافاسو والذي يعمل تحت لافتة “المسار السيادي”، اتهاماً ضمنياً إلى أوكرانيا، متحدثاً عن دور محتمل لأجهزتها الاستخباراتية في تنسيق الهجمات الأخيرة، وذلك، حسب روايته، تحت غطاء من فرنسا، وبدعم محلي يُعتقد أنه صادر عن دولتين على الأقل في شبه المنطقة.

ويعكس هذا الاتهام مستوى التوتر المتصاعد في الخطاب السياسي، كما يكشف عن دخول الأزمة المالية في سياق صراعات دولية أوسع، تتجاوز حدود الساحل. ويكشف تباين هذه المواقف عن حقيقة أن الأزمة المالية لم تعد شأناً داخلياً، بل تحولت إلى ساحة تقاطع مصالح دولية، حيث يجتمع القلق من تصاعد خطر الجماعات الجهادية المسلحة مع رهانات النفوذ، في مشهد يعكس تعقيد الأزمة وتشابك أبعادها الإقليمية والدولية.

سيناريوهات ثلاثة

وتفتح هذه المعطيات مجتمعة الباب أمام جملة من السيناريوهات المستقبلية المحتملة، تعكس جميعها درجة عالية من الهشاشة في بنية الدولة المالية، وتؤكد أن الأزمة دخلت مرحلة مفصلية.

ويتمثل أول هذه السيناريوهات في بقاء السلطة العسكرية بقيادة أسيمي غويتا، رغم الضربات التي تعرضت لها مؤسسات الدولة، غير أن هذا البقاء سيكون مصحوباً بضعف متزايد، سواء على مستوى السيطرة الأمنية أو الشرعية السياسية. فالهجمات الأخيرة كشفت ثغرات في المنظومات الاستخباراتية والدفاعية، كما أن استمرار التوتر مع الحركات الأزوادية، وتنامي نشاط الجماعات الجهادية، سيزيدان من الضغط على النظام.

وفي هذا السياق، سيظل دعم روسيا عاملاً حاسماً في إطالة عمر السلطة، دون أن يضمن بالضرورة استقراراً فعلياً.

أما السيناريو الثاني، فيتعلق باحتمال حدوث انقلاب داخل المؤسسة العسكرية، قد يفرز جنرالاً جديداً يقدم نفسه كبديل أكثر قدرة على إدارة المرحلة، سواء عبر إعادة ترتيب العلاقة مع الفاعلين الداخليين أو عبر تهدئة التوتر مع القوى الإقليمية مثل الجزائر، أو حتى إعادة فتح قنوات مع الغرب.

غير أن هذا الخيار، رغم ما قد يحمله من وعود بالاستقرار، يظل محفوفاً بمخاطر إدخال البلاد في دورة جديدة من عدم الاستقرار السياسي، كما أنه قد يفكك تحالف دول الساحل الذي منح لمالي سنداً في شبه المنطقة لا غنى عنه في الظروف الحالية.

يعكس التزاحم الدولي على الملف المالي إدراكاً مشتركاً لخطورة الوضع، خاصة مع تنامي نشاط الجماعات الجهادية المسلحة

أما السيناريو الثالث، الأكثر خطورة والذي يتخوف منه الجميع، فهو تمكن الجماعات المرتبطة بـجماعة نصرة الإسلام والمسلمين من توسيع نفوذها بشكل غير مسبوق، مستفيدة من ضعف الدولة وتفكك التحالفات المحلية. وفي حال استمرار الضغط على الجيش، قد تتحول هذه الجماعات من فاعل متمرد إلى قوة مهيمنة في بعض المناطق، أو حتى لاعب رئيسي على مستوى البلاد، وهو ما سيشكل تهديداً مباشراً لدول الجوار، بما فيها موريتانيا، وقد يستدعي إعادة تدخلات دولية بأشكال مختلفة.

وفي ظل هذه السيناريوهات، يتضح أن مالي تقف عند مفترق طرق حاسم، حيث يتحدد مستقبلها بين استمرار سلطة هشة، أو إعادة تشكيل النظام عبر انقلاب جديد، أو الانزلاق نحو وضع أكثر خطورة تتقدم فيه الجماعات المسلحة، في وقت يظل فيه العامل الأمني، المرتبط بقدرة الدولة على احتواء التهديدات الجهادية، هو المحدد الرئيسي لمسار الأزمة.

وفي المحصلة، يعكس التزاحم الدولي على الملف المالي إدراكاً مشتركاً لخطورة الوضع، خاصة مع تنامي نشاط الجماعات الجهادية المسلحة، التي باتت تشكل تهديداً عابراً للحدود.  وبينما تختلف أجندات القوى المتدخلة والمهتمة، فإن القاسم المشترك بينها هو القلق من تحول مالي إلى بؤرة عدم استقرار إقليمي، قد تمتد تداعياتها إلى ما هو أبعد من منطقة الساحل.

“القدس العربي”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب