ما هي أرباح روسيا من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران؟

ما هي أرباح روسيا من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران؟
حسين مجدوبي
: ينقسم العالم في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران إلى قسمين، الأول، وهي غالبية الدول، يعتبر من المتضررين بسبب ارتفاع أسعار النفط نتيجة إغلاق مضيق هرمز، بينما الثاني، وهي دول قليلة، تعتبر من المستفيدة من هذه الحرب وعلى رأسها روسيا، حيث تتجاوز الاستفادة ما هو اقتصادي إلى ما هو سياسي وعسكري، أو جيوسياسي عموما.
وعلى الرغم من موقفها الذي بان بأنه غير منحاز عندما صرحت موسكو أن «هذه الحرب ليست حربنا»، إلا أنها اتخذت مواقف قوية لاحقا تبرز وجود دعم مختلف لطهران. وكان الموقف الرسمي للكرملين بأن «الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران عدوان مسلح»، ونددت باغتيال القيادة الإيرانية والتحذير من دخول منطقة الشرق الأوسط فوضى عسكرية لا يمكن السيطرة عليها. وتتوفر واشنطن على معطيات تؤكد أن موسكو قدمت دعما استخباراتيا لطهران في هذه الحرب، لأن البنتاغون رصد دقة ضربات الصواريخ الإيرانية ونسب ذلك إلى دعم صيني وروسي.
وكان الدعم الدبلوماسي جليا في مجلس الأمن الدولي لإيران منذ 28 شباط/فبراير، تاريخ بدء الحرب، حيث طلبت موسكو رفقة بكين عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن فور بدء الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران. وطالب المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا خلال الجلسات بوقف العمليات العسكرية فورًا والعودة إلى التسوية السياسية والدبلوماسية. ولاحقا، قامت موسكو بتقديم مشروع قرار يدعو إلى وقف إطلاق النار وإدانة الهجمات العسكرية ضد إيران. غير أن كل مساعي روسيا اصطدمت بالفيتو الأمريكي.
وإلى جانب هذه المواقف التي تمليها التطورات العسكرية والسياسية لهذه الحرب ونوعية العلاقات بين موسكو وطهران، تستفيد روسيا على ثلاثة مستويات رئيسية من هذه الحرب التي دخلت هدنة هشة للغاية. والمستويات الثلاثة للاستفادة هي كالتالي:
المستوى الاقتصادي: مما ترتب عن هذه الحرب الحصار المتبادل بين إيران والولايات المتحدة على مضيق هرمز بالتحكم في صادرات النفط إلى باقي العالم. وهكذا، ففي الوقت الذي كانت روسيا تعاني من كيفية تصدير النفط بسبب العقوبات الأمريكية عليها نظرا للحرب التي تشنها على أوكرانيا، فجأة تنفذها حرب أخرى وهي الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران. ومباشرة بعد اندلاع الحرب، بدأت الأسعار في الارتفاع، لتجد روسيا نفسها بعائدات نفطية مضاعفة لم تكن مرتقبة. ويبدو أن هذا الوضع سيستمر لأنه ليس من السهل إصلاح ما ترتب عن إغلاق المضيق في ظرف أسابيع قليلة، وذلك في حالة ما إذا توصلت طهران وواشنطن إلى اتفاقية هدنة خلال الأيام المقبلة، وبالتالي يتم فتح المضيق مجددا أمام حرية الملاحة الدولية. في الوقت ذاته، تكستب روسيا زبائن جدد وستربح ثقة زبائنها القدامى أكثر، لأن روسيا دولة نفطية كبرى ضمن الدول الثلاث رفقة الولايات المتحدة والعربية السعودية. وإذا كان الإنتاج والتصدير السعودي للنفط قد تراجع بسبب الحرب، وهذا يعني أن السعودية رفقة باقي الدول الخليج النفطية لا تمتلك القوة لحماية صادرتها. وها هو العالم يرى كيف أن هذه الدول ورغم ترسانتها العسكرية وإنفاق عشرات الملايين من الدولارات في السلاح، لا تستطيع فتح مضيق هرمز، نجد أن روسيا قادرة على حماية تصدير النفط بسبب قوتها العسكرية، بما في ذلك أن ترافق سفنها الحربية السفن العملاقة التي تنقل النفط. في الوقت ذاته، تستفيد الشركات الروسية العاملة في قطاع الطاقة من ارتفاع الأرباح وهذا سيجلعها تحسن من استثماراتها، ما ينعكس إيجابيًا على الاقتصاد الروسي وعلى مداخيل الدولة. كما أن زيادة الإيرادات النفطية تساعد الحكومة الروسية على دعم ميزانيتها وتقوية احتياطاتها المالية خاصة بعدما عانت من العقوبات. وعموما، تترتب عن الحرب نتائج اقتصادية استراتيجية بالنسبة لروسيا.
المستوى السياسي: تشكل مشاركة الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل في الحرب ضد إيران فرصة مهمة ترقى إلى الهدية غير المنتظرة لروسيا لتعزيز خطابها السياسي والدبلوماسي في المحافل الدولية بشأن تبرير موقفها من الحرب ضد أوكرانيا. فموسكو دافعت عن تدخلها العسكري في أوكرانيا باعتباره مرتبطًا بحماية أمنها القومي، في ظل توسع منظمة شمال الحلف الأطلسي شرقا، علاوة على احتمال قوي لتمركز قواعد عسكرية ومنظومات صاروخية غربية قرب حدودها المباشرة. وفي المقابل، تستند واشنطن في موقفها من إيران إلى اعتبار البرنامجين الصاروخي والنووي الإيرانيين مصدر تهديد للأمن القومي الأمريكي، رغم تأكيد طهران الطابع السلمي لبرنامجها النووي. ومن هذا المنطلق، ترى روسيا أن منطقها الأمني يبدو أكثر اتساقًا في نظر الرأي العام الدولي، بحكم الجوار الجغرافي المباشر بينها وبين أوكرانيا، في حين تفصل مسافة تقارب عشرة آلاف كيلومتر بين الولايات المتحدة وإيران، من دون وجود حدود مشتركة بين البلدين. في الوقت ذاته، لم يسبق لإيران أن شكلت عبر التاريخ خطرا على الولايات المتحدة، في المقابل، تشعر روسيا بنوع من الفوبيا من الحدود الجغرافية الغربية، فمن هناك جاء خطر نابليون ولاحقا خطر النازية الألمانية التي كلفت البلاد مقتل أكثر من عشرين مليون شخص في الحرب العالمية الثانية.
المستوى العسكري: يحمل المستوى العسكري استفادة طويلة المدى وهي ربما الأكثر أهمية بالنسبة لروسيا في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران. ذلك أن هذه الحرب، جعلت البنتاغون يقلل من الدعم العسكري لأوكرانيا وخاصة على مستوى أنظمة الدفاع الدولي مثل باتريوت وحتى الصواريخ الهجومية مثل هيمارس. وتراجع تسليح أوكرانيا يعني أن الضربات العسكرية الروسية ستكون أكثر قوة وشراسة، مما سيدفع كل من أوكرانيا والاتحاد الأوروبي التفكير في المفاوضات السياسية لإنهاء الحرب، وهو ما بدأ يحدث حيث أعلن الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلنسكي هدنة من جانب واحد خلال الأيام الأخيرة، ويصر على وقف الحرب بعدما تراجع الدعم العسكري الأمريكي. وبدأ أعضاء في الاتحاد الأوروبي يفكرون في هذا الاتجاه، لاسيما بعد توتر العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة على خلفية رفض الأوروبيين المشاركة في الحرب ضد إيران وفتح مضيق هرمز بالقوة، وتهديد الرئيس دونالد ترامب بالانسحاب من الحلف الأطلسي. كما أن روسيا تستفيد من هذه الحرب بمراقبة كيف تعمل الأسلحة الأمريكية الجديدة لاسيما مقاتلة إف 35 وأنظمة الدفاع الجوي مثل ثاد والنسخ الجديدة من صواريخ توماهوك التي يتم إطلاقها من المدمرات الأمريكية في البحر. لأن هذا سيجعل خبراء روسيا في الصناعة العسكرية يطورون العتاد العسكري استنادا إلى ما يتم رصده في هذه الحرب ليكون أكثر فعالية في مواجهة الأمريكي مستقبلا.
ـ «القدس العربي»




