فلسطين

مجزرة عتّيل و«طوق سكوتش».. صفحة دامية من ذاكرة الثورة الفلسطينية الكبرى

مجزرة عتّيل و«طوق سكوتش».. صفحة دامية من ذاكرة الثورة الفلسطينية الكبرى

تقرير من ذاكرة التاريخ

إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة

في شمال محافظة طولكرم، تحتفظ بلدة عتّيل، الواقعة في منطقة الشعراوية، بذاكرة مؤلمة تعود إلى سنوات الثورة الفلسطينية الكبرى (1936–1939)، حين شهدت المنطقة حملات عسكرية بريطانية ارتبطت بالملاحقة والاعتقالات وهدم المنازل. ومن بين الأحداث التي بقيت حاضرة في الرواية الشعبية ما عُرف باسم «طوق سكوتش»، نسبة إلى قوات بريطانية شاركت في العمليات العسكرية بالمنطقة.

عتّيل في قلب الثورة

شكّل الموقع الجغرافي لعتّيل، وصلتها بقرى الشعراوية ومدينة طولكرم، عاملًا مهمًا في تاريخها الاجتماعي والسياسي. وخلال الثورة الفلسطينية الكبرى، برزت البلدة ضمن المناطق التي شهدت نشاطًا للمجموعات الثورية الفلسطينية ومواجهات مع قوات الانتداب البريطاني.

وفي مواجهة الثورة، لجأت سلطات الانتداب إلى حملات التفتيش والاعتقال، وفرض الحصار على قرى وبلدات، وهدم منازل في إطار إجراءات استهدفت الحد من نشاط الثوار وملاحقة المساندين لهم. وتربط روايات محلية بين هذه السياسات والأحداث التي شهدتها عتّيل، والتي تحولت مع مرور الزمن إلى جزء من الذاكرة الوطنية للبلدة.

«طوق سكوتش».. رواية الحصار والضحايا

تتحدث الروايات المتوارثة في عتّيل عن تطويق البلدة وإغلاق منافذها، واحتجاز الأهالي، وإجراء عمليات تفتيش رافقتها أعمال عنف وتخريب للممتلكات. كما تتناقل الذاكرة المحلية روايات عن جمع الرجال في المدرسة، والنساء والأطفال في المسجد، وعن تضرر عدد من المنازل وانتهاك حرمة أماكن العبادة.

وتورد بعض المصادر المحلية أن عدد المنازل التي دُمّرت بلغ 23 منزلًا، فيما تتضمن روايات أخرى ادعاءات بشأن اعتداءات طالت نساء. غير أن هذه التفاصيل تحتاج إلى مزيد من التحقق بالرجوع إلى الوثائق الأصلية والشهادات المستقلة، حفاظًا على الدقة التاريخية، وعدم التعامل مع الروايات المتباينة باعتبارها حقائق محسومة.

شهداء عتّيل.. أسماء تستحق التوثيق

تتداول مصادر فلسطينية محلية أسماء أشخاص قُتلوا خلال الأحداث، من بينهم محمد الحسين الناصر، وعوض محمد التقي، وصفية زوجة محمد خليل شكري، وعبد الرحيم الفالح، وذيب عمر آسيه، ورشيد أو رشاد محمد رشيد.

وتختلف الروايات المتاحة في عدد الضحايا وبعض الأسماء وتفاصيل الوقائع، الأمر الذي يستدعي مراجعة سجلات الوفيات والوثائق البريطانية والصحف الفلسطينية الصادرة آنذاك، إلى جانب شهادات العائلات وأبناء البلدة. فتوثيق أسماء الضحايا ليس مجرد استعادة للماضي، بل واجب تجاه العائلات وحق للأجيال المقبلة في معرفة تاريخها.

لا يتوفر وصف للصورة.

بيان الثورة وحرمة المقدسات

تكتسب الحادثة بُعدًا إضافيًا في الروايات التي تشير إلى بيان منسوب إلى ديوان الثورة العربية الكبرى في فلسطين، مؤرخ في 21 كانون الأول/ديسمبر 1938، دعا إلى إضراب احتجاجًا على ما وصفه بانتهاكات طالت الدين والعرض والمصحف الشريف في عتّيل.

وتستدعي هذه الإشارة مراجعة أصل البيان والتحقق من نصه وتوقيعاته وتاريخ صدوره، لما يمكن أن توفره الوثيقة من دليل على كيفية تفاعل قيادة الثورة مع الأحداث، ومكانة الاعتداء على المقدسات في الخطاب الوطني الفلسطيني آنذاك.

اختلاف التاريخ.. والحاجة إلى أرشيف موثوق

تختلف المصادر المحلية في تحديد تاريخ الحادثة؛ إذ تورد روايات تاريخ 6 كانون الثاني/يناير 1938، فيما تربط روايات أخرى الأحداث بحملة عسكرية وقعت في 6 و7 كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه. وهذا الاختلاف لا ينتقص من أهمية الذاكرة المحلية، لكنه يؤكد ضرورة إخضاع تفاصيلها للبحث والمقارنة بين الوثائق.

إن إنشاء أرشيف تاريخي لعتّيل، يجمع الصور والوثائق والرسائل القديمة وشهادات كبار السن وسجلات العائلات، من شأنه أن يسهم في تثبيت الوقائع، وتمييز ما تؤيده الوثائق مما بقي في نطاق الرواية الشفوية.

نحفظ الذاكرة ونوثّق التاريخ

إن قصة «طوق سكوتش» جزء من تاريخ عتّيل خلال مرحلة شديدة الاضطراب من تاريخ فلسطين. وحفظها مسؤولية ثقافية ووطنية تتطلب الجمع بين احترام ذاكرة الأهالي والالتزام بمنهج البحث التاريخي القائم على التحقق والتوثيق.

فالتاريخ لا يُصان بتكرار الروايات وحدها، بل بجمع الشهادات ومقارنتها بالوثائق، وحفظ أسماء الضحايا وحقوق عائلاتهم، ونقل الحقيقة إلى الأجيال القادمة بأمانة ومسؤولية.

ملاحظة توثيقية: يستند هذا التقرير إلى روايات محلية ومادة تاريخية منشورة، مع الإشارة إلى اختلاف المصادر في تاريخ الحادثة وعدد الضحايا وبعض تفاصيلها. وتبقى هذه المسائل بحاجة إلى تحقيق أرشيفي مستقل قبل اعتمادها بصفتها وقائع نهائية.

إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب