الافتتاحيهرئيسي

مجلس السلام في واشنطن و إعادة إعمار غزة بين الواقعية السياسية وإشكالية الشرعية

مجلس السلام في واشنطن و إعادة إعمار غزة بين الواقعية السياسية وإشكالية الشرعية

بقلم رئيس التحرير

شكّل الاجتماع الأول لما سُمّي بـ«مجلس السلام العالمي» في واشنطن، برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومشاركة 47 دولة، محطة سياسية لافتة في مقاربة الحرب على غزة وما بعدها. الاجتماع، الذي حضره الاتحاد الأوروبي بصفة مراقب، لم يكن مجرد منصة خطابية، بل حمل مؤشرات على توجه أمريكي لإطلاق إطار دولي موازٍ يسعى إلى إدارة مرحلة ما بعد الحرب بأدوات تنفيذية خارج المسارات التقليدية.

 

الطرح المعلن يعرّف المجلس كإطار يضم رؤساء ووزراء سابقين وخبراء في إدارة النزاعات، بهدف تقديم حلول «مرنة وسريعة». إلا أن القراءة المتأنية تكشف أن المسألة تتجاوز التهدئة المؤقتة نحو إعادة هندسة شاملة لإدارة قطاع غزة سياسياً وأمنياً واقتصادياً.

 

الخطة التي نوقشت، والتي أُشير إلى اعتمادها بصيغة معدّلة في مجلس الأمن الدولي، تقوم على تشكيل لجنة فلسطينية تكنوقراطية غير فصائلية لإدارة مرحلة انتقالية، مع ترتيبات لنزع السلاح بإشراف مراقبين دوليين، وإنشاء قوة استقرار متعددة الجنسيات لسد أي فراغ أمني. كما تتضمن إنشاء منطقة اقتصادية خاصة لجذب الاستثمارات، مع تأكيد عدم ضم إسرائيل للقطاع أو إعادة احتلاله.

 

من الناحية الاقتصادية، أعلن ترامب عن مساهمة أمريكية قدرها عشرة مليارات دولار، إضافة إلى تعهدات من دول عربية وآسيوية، فضلاً عن مساهمات من مؤسسات دولية. ويعكس هذا التوجه قناعة بأن الاستقرار الاقتصادي يمكن أن يشكل مدخلاً لإعادة بناء السلم الأهلي ومنع تجدد المواجهة.

 

غير أن التجربة الفلسطينية خلال العقود الماضية تشير إلى أن التنمية، في غياب أفق سياسي واضح، تتحول إلى إدارة أزمة لا إلى حل جذري. فإعادة الإعمار لا يمكن فصلها عن معالجة جذور الصراع، وفي مقدمتها مسألة الدولة والحدود والسيادة.

 

على الصعيد الأمني، أُعلن عن استعداد عدد من الدول للمشاركة في قوة استقرار دولية، فيما أكد الأردن ومصر استعدادهما لتدريب الشرطة الفلسطينية الجديدة. ويعكس هذا الدور العربي محاولة لإضفاء بعد إقليمي متوازن على المبادرة، ويمنحها غطاءً سياسياً أوسع، خصوصاً في ظل حساسية الملف الفلسطيني.

 

في المقابل، برزت تحفظات أوروبية واضحة. فقد امتنعت دول مثل فرنسا والنرويج والمملكة المتحدة عن الانضمام، وأعلن الفاتيكان تمسكه بأن تبقى معالجة الأزمات ضمن إطار الأمم المتحدة. هذا التباين يعكس قلقاً من أن يتحول المجلس إلى إطار موازٍ للنظام الدولي متعدد الأطراف، أو إلى منصة ذات طابع شخصي أكثر منه مؤسسياً.

 

كما لم يغب البعد الإقليمي عن الاجتماع، إذ ربط ترامب بين مسار غزة والملف الإيراني، موجهاً دعوة لطهران للانضمام إلى المجلس، ومؤكداً في الوقت ذاته رفضه امتلاك إيران سلاحاً نووياً. هذا الربط يوحي بأن المجلس ليس معنيّاً بغزة وحدها، بل بإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية الأوسع.

 

أما فلسطينياً، فقد تراوحت ردود الفعل بين من يرى في المجلس فرصة لكسر الحصار الاقتصادي وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، ومن يتخوف من تجاوز الإرادة الوطنية أو فرض ترتيبات لا تنبع من توافق فلسطيني جامع. وهنا تكمن معضلة الشرعية: أي صيغة لإدارة غزة لن تكتب لها الاستدامة ما لم تحظَ بقبول وطني واضح وتندرج ضمن مسار سياسي شامل.

 

خلاصة القول إن الاجتماع الأول لمجلس السلام أطلق مساراً تنفيذياً طموحاً لإعادة إعمار غزة، وأرسى إطاراً أمنياً واقتصادياً جديداً، لكنه ما يزال يواجه اختبار الشرعية والقبول الدولي والفلسطيني. فالسلام لا يُقاس بحجم التمويل ولا بعدد الدول المشاركة، بل بقدرته على معالجة جذور النزاع وفتح أفق سياسي عادل ومستدام. وفي هذا الميزان تحديداً سيتحدد مستقبل هذه المبادرة، بين أن تكون بداية مسار جديد، أو محطة عابرة في تاريخ صراع لم يجد بعد تسويته النهائية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب