مقالات

مخيمات طولكرم ونور شمس: معركة الوجود الفلسطيني في مواجهة مشروع الإلغاء

مخيمات طولكرم ونور شمس: معركة الوجود الفلسطيني في مواجهة مشروع الإلغاء

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

لم تعد الأحداث الجارية في مخيمي طولكرم ونور شمس مجرد مواجهة عسكرية عابرة أو أزمة إنسانية مؤقتة، بل أصبحت عنواناً لمعركة سياسية واستراتيجية تدور حول مستقبل القضية الفلسطينية نفسها. فالمخيم الفلسطيني ليس تجمعاً سكانياً عادياً، وإنما يمثل الشاهد الحي على نكبة عام 1948، والتجسيد العملي لحق العودة الذي أقرته الأمم المتحدة في قرارها رقم 194، وهو ما يجعل استهدافه جزءاً من استهداف الرواية الوطنية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني التاريخية والقانونية.

إن حالة الغضب والاحتجاج التي عبّر عنها النازحون من المخيمين في الأيام الأخيرة يجب أن تُقرأ في سياقها الحقيقي؛ فهي ليست موجهة ضد المؤسسات الوطنية أو المسؤولين الذين يحاولون التخفيف من معاناة المواطنين، بل هي صرخة إنسانية ووطنية ناتجة عن أشهر طويلة من النزوح وفقدان المأوى وتراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. إنها تعبير عن حجم الكارثة التي يعيشها الفلسطينيون في ظل استمرار الاحتلال وسياساته.

غير أن الأخطر من المشهد الإنساني هو البعد الاستراتيجي لما يجري. فالتدمير المنهجي للمخيمات وتهجير سكانها لا يمكن فصله عن التحولات الفكرية والسياسية العميقة داخل إسرائيل، وصعود تيار الصهيونية الدينية القومية المتطرفة الذي يمثله اليوم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش وحلفاؤهما.

واللافت أن عدداً من أبرز الكتاب والمحللين الإسرائيليين أنفسهم يرون أن ما يجري اليوم ليس انحرافاً عن المشروع الصهيوني بقدر ما هو امتداد له بصورة أكثر وضوحاً. فقد كتب الصحفي الإسرائيلي جدعون ليفي أن «المسافة بين دافيد بن غوريون وإيتمار بن غفير أقل بكثير مما تحاول المؤسسة الإسرائيلية إظهاره»، معتبراً أن السياسات القائمة على التفوق القومي وتهجير الفلسطينيين ليست ظاهرة جديدة، وإنما تعبير أكثر صراحة عن مسار تاريخي طويل.

أما الكاتب الإسرائيلي رام بروفمان، رئيس المنتدى العلماني في إسرائيل، فقد خلص في دراسة نشرها إلى أن التناقض الذي قامت عليه الصهيونية بين ادعاء العلمانية والارتكاز إلى الأساطير الدينية كان لا بد أن يقود إلى صعود التيار القومي الديني المتطرف الذي نشهده اليوم. وبحسب تحليله، فإن ما يمثله بن غفير وسموتريتش ليس خروجاً عن المشروع الصهيوني، بل محاولة لإزالة ما تبقى من غلافه الليبرالي والإبقاء على جوهره القائم على السيطرة على الأرض وإقصاء الآخر.

وتتجلى هذه الرؤية عملياً في السياسات المطبقة في الضفة الغربية، حيث يجري توسيع الاستيطان ومصادرة الأراضي وفرض الوقائع بالقوة العسكرية، بالتزامن مع عمليات اقتحام واسعة للمخيمات والمدن الفلسطينية. وقد أصبحت ما تعرف في الأدبيات الأمنية الإسرائيلية بسياسة “جز العشب” أحد المرتكزات الأساسية لهذه الاستراتيجية، وهي سياسة تقوم على تنفيذ عمليات عسكرية دورية تهدف إلى استنزاف المجتمع الفلسطيني وإضعاف قدراته ومنع تشكل أي حالة استقرار سياسي أو وطني يمكن أن تتحدى الاحتلال.

وتشير دراسات قانونية متخصصة إلى أن هذه السياسة تتعارض مع قواعد القانون الدولي الإنساني، لأنها تؤدي عملياً إلى استهداف المدنيين وتدمير الممتلكات وفرض النزوح القسري والعقوبات الجماعية. كما أن اتفاقية جنيف الرابعة تحظر على القوة القائمة بالاحتلال نقل السكان قسراً أو تدمير الممتلكات المدنية إلا في أضيق الحدود العسكرية الضرورية، وهو ما يجعل كثيراً من الممارسات الجارية محل مساءلة قانونية دولية.

إن ما يجري في طولكرم ونور شمس وجنين ومختلف مدن الضفة الغربية ليس مجرد إجراءات أمنية، بل هو جزء من مشروع سياسي يسعى إلى إعادة تشكيل الجغرافيا والديمغرافيا الفلسطينية وفرض واقع جديد يجعل إقامة الدولة الفلسطينية أكثر صعوبة. ولذلك فإن الدفاع عن المخيمات الفلسطينية لا يتعلق فقط بالدفاع عن تجمعات سكانية منكوبة، وإنما بالدفاع عن جوهر القضية الفلسطينية وحق اللاجئين وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

ومن هنا، فإن الرسالة الموجهة إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية ودول العالم كافة هي أن استمرار الصمت الدولي لم يعد يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يهدد مصداقية النظام الدولي القائم على القانون والعدالة. فالقانون الدولي لا يكتسب قيمته من النصوص وحدها، وإنما من القدرة على تطبيقه دون انتقائية أو ازدواجية في المعايير.

لقد آن الأوان للمجتمع الدولي أن ينتقل من مرحلة التعبير عن القلق إلى مرحلة الفعل، عبر توفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، ووقف سياسات التهجير والاستيطان، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي، وتنفيذ قرارات الأمم المتحدة التي أكدت حق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وتقرير المصير.

ورغم حجم الدمار والمعاناة، فإن مخيمات طولكرم ونور شمس ستبقى شاهداً على حقيقة لا يمكن محوها بالقوة العسكرية: أن الفلسطيني الذي حافظ على هويته طوال عقود اللجوء والاحتلال لن يتخلى عن حقوقه الوطنية، وأن المخيم سيبقى رمزاً للذاكرة والصمود وحق العودة، مهما تعددت مشاريع الإلغاء والاقتلاع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب