مداخلة بشأن مستقبل التحرر الفلسطيني في ظل التفكك والحرب والتحولات الإقليمية

مداخلة بشأن مستقبل التحرر الفلسطيني في ظل التفكك والحرب والتحولات الإقليمية
يبقى حل الدولة الواحدة ضرورة، ليس لأنه قريب التحقيق، بل لأنه يحدد ما يجب النضال من أجله: فلسطين محررة، ديمقراطية، قائمة على المساواة، وبدون جدران ومعازل، على أنقاض الاستعمار والتجزئة….
لا تنتهي الخيبات، ولا يتوقف الجنون المميت. تعيش المنطقة والعالم وشعوبه حالة من اللامعقول والرعب. ليس ثمن ذلك في الخسارات الاقتصادية، بل في أنهار من الدماء والأرواح المزهقة بلا حدود أو ضوابط. في هذا اللامعقول، الذي أتاح لأشخاص مارقين ذوي سلوك صبياني، الإمساك بفتيل يهدد العالم، كيف يمكن للمظلومين أن يحفظوا توازنهم النفسي، ويفكروا في المستقبل، وأن يحتفظوا بالأمل في الخلاص من هذا العبث المكرر بأبشع صوره؟ من كان يتخيل أن يعتاد العالم على محو جماعة بشرية خاضعة لحصار وحشي منذ عشرين عامًا، هي جزء من شعب سُرق وطنه، وتُواجَه مقاومته لهذه السرقة بوحشية بالغة منذ أكثر من مئة عام؟ ومن ثم تأتي الحرب الإمبريالية على إيران، لتضيف أثقالًا إضافية مهولة في طريق المقهورين والمناضلين باسمهم. فلسطين هي الضحية السياسية الأولى والرئيسية لهذه الحرب العدوانية، التي فشلت في تحقيق الحسم في غزة ولبنان. لا يجوز أن يشكل كل هذا العبث الخارجي، والوجع الناجم عنه، سببًا في تعطيل الانشغال بتخيّل مخارج سياسية، بل حافزًا لتجديد التصدي لهذه المهمة. إن تخيّل رؤية سياسية ومستقبل مختلف ليس ترفًا، بل هو فعل مقاومة، هو تعبير عن التمسك بالحياة.
إن فلسطين، التي تعرضت لأشد أشكال العدوان وحشية منذ نكبة عام 1948 – والمتجسد اليوم في الإبادة الجماعية في غزة، والضم الفعلي العنيف للضفة الغربية – لا يتم فقط تهميشها بفعل الحرب على إيران، بل يجري إزاحتها بشكل متعمد من مركز الاهتمام العالمي عبر عملية منظمة لإعادة التأطير السياسي. تُقدَّم هذه الحرب، من قبل مهندسيها المارقين، باعتبارها مسألة تتعلق بالانتشار النووي أو الدفاع عن النظام الدولي، في حين أنها تخفي وظيفتها الحقيقية ضمن إستراتيجية إمبريالية أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة وترسيخ النظام الإسرائيلي الإبادي كقوة إقليمية مهيمنة.
هذا التأطير ليس عرضيًا، بل هو عملية أيديولوجية ضرورية تسعى إلى فصل العدوان غير القانوني والوحشي على إيران عن ارتباطه العضوي بالقضية الفلسطينية، بالتوازي مع الدفع بمسار سياسي آخر يتمثل في تعميق التطبيع بين نظام الأبارتهايد الإسرائيلي والأنظمة العربية الاستبدادية المهزومة. وتشكل هذه العمليات مجتمعة إستراتيجية متكاملة، هدفها ليس فقط إعادة ترتيب الجغرافيا السياسية، بل دفن الحق الفلسطيني في تقرير المصير بوسائل من بين الأكثر وحشية في التاريخ الحديث.
في الواقع، تقف فلسطين في قلب هذه المواجهة. فقد صرّح وزير أمن نظام الأبارتهايد، يسرائيل كاتس، بعد وقت قصير من اندلاع الحرب، بأن مصير غزة سيتحدد وفق نتائج العدوان على إيران. وهذا ليس مجرد خطاب سياسي، بل اعتراف إستراتيجي: فالحرب على إيران، وكذلك على لبنان ودول عربية أخرى، هي جزئيًا حرب على مستقبل فلسطين. وبالمثل، فإن تصريحات مسؤولين إيرانيين كبار بأن المواجهة تتجاوز الدفاع عن النفس لتشمل الالتزام بالقضية الفلسطينية، تعكس مدى تجذر فلسطين في ميزان القوى الإقليمي.
وبغض النظر عن تناقضات النظام الإيراني وعيوبه، فإن استهدافه المستمر من قبل التحالف الأميركي – الصهيوني لا يمكن فصله عن موقعه السياسي إزاء فلسطين وتحديه للهيمنة الأميركية. وعليه، فإن ما يجري ليس سلسلة صراعات منفصلة، بل مسرح صراع واحد ومتوسع، تكون فيه فلسطين هدفًا مركزيًا وخط صدع حاسمًا. دعكم من أولئك الغارقين في مستنقع التأويل المذهبي، الذين يصطفون موضوعيًا إلى جانب المعتدين.
تفرض هذه الحقيقة إعادة تقييم جذرية للقضية الفلسطينية، ليس كصراع محلي محدود، بل كعنصر مركزي في مواجهة إقليمية وعالمية أوسع. كما تطرح أسئلة ملحّة حول الآفاق الإستراتيجية المتاحة أمام النخب والقوى الفلسطينية في لحظة تتسم باضطراب عميق وحروب توسعية مفتوحة، لا تقف وراءها أطماع جيوبوليتيكية فحسب، بل نبوءات غيبية غاية في الخطورة.
منذ انهيار وهم أوسلو، تخوض النخب الفلسطينية، إلى جانب النشطاء النقديين، نقاشًا متزايدًا حول المسار القادر على استعادة الوحدة الوطنية وبناء توافق حول الرؤية والإستراتيجية. وليس واضحًا ما إذا كنا في حالة مخاض لولادة الجديد، أم أننا أمام عقدة مركبة لا تزال الطريق طويلة إلى فكفكتها. ومع ذلك، يبرز مساران رئيسيان في أوساط النخب الفلسطينية – كلاهما يواجه أسئلة وتحديات صعبة، خاصة في أعقاب الإبادة الجماعية، والآن تتراكم تحديات خطيرة جديدة أوجدها العدوان الإمبريالي على إيران ودول عربية.
المسار الأول هو مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة، بوصفه عودة إلى مشروع التحرر الفلسطيني الأصلي، في مقابل الحلول المفروضة خارجيًا. أما الثاني فيعيد تأطير الصراع ضمن مفهوم الأبارتهايد، مع تبني خطاب حقوقي يؤجل الحسم في الحل السياسي الشامل إلى ما بعد التحرر أو انهيار النظام الصهيوني.
الدولة الديمقراطية الواحدة كأفق استراتيجي
عاد سؤال الدولة الواحدة الديمقراطية إلى مركز التفكير السياسي الفلسطيني بعد القمع الوحشي للانتفاضة الثانية وانهيار وهم “حل الدولتين”. ولم يعد هذا الطرح نظريًا مجردًا، مقتصرًا على نخبة محدودة من النشطاء أو المناضلين المتحمسين، بل توسع ليشمل شرائح جديدة من المفكرين والباحثين والمثقفين الفلسطينيين، وعددًا متزايدًا من اليهود والأجانب، وتتراكم الدراسات والأدبيات الرصينة حول هذا المسار. يرى هؤلاء أن عودة فكرة حل الدولة الواحدة هي استجابة لأزمة بنيوية عميقة، وقناعة بأنه يمثل الحل الأكثر عدلًا واستدامة.
لقد أدى انهيار نموذج الدولتين، وتفكك الحركة الوطنية الفلسطينية، والحرب الإبادية على غزة، إلى فرض مراجعة شاملة للإستراتيجية والأفق السياسي. ومع ذلك، لم يتبلور حتى الآن إجماع بين النخب الفلسطينية حول كيفية التقدم نحو مشروع وطني جديد، مماثل لذلك الذي تبلور خلال إعادة بناء الحركة الوطنية ومنظمة التحرير بعد النكبة – حين تطور برنامج العودة والتحرير إلى رؤية الدولة الديمقراطية العلمانية الواحدة.
في الوقت نفسه، يضيف العدوان الأميركي – الصهيوني على إيران، بالتوازي مع الحرب الإبادية على غزة والعدوان الواسع على لبنان، بعدًا إقليميًا جديدًا قد يعيد تشكيل شروط النضال الفلسطيني. فنتائج هذه المواجهة، سواء أفضت إلى إضعاف إيران أو تعزيزها، سيكون لها تأثير مباشر على إمكانية وتوقيت ومسار أي مشروع سياسي في فلسطين، بما في ذلك مشروع الدولة الواحدة.
من الواضح أن فلسطين، خلافًا للتفسيرات السطحية، تقف في قلب الحرب غير القانونية والوحشية على إيران. فإيران يُنظر إليها من قبل التحالف الإمبريالي كعقبة رئيسية أمام تصفية القضية الفلسطينية وترسيخ الهيمنة الاستعمارية الإسرائيلية الكاملة على المنطقة.
تنطلق هذه المداخلة من فكرة أن حل الدولة الديمقراطية الواحدة ليس حالة نهائية ثابتة، بل أفق إستراتيجي ضمن عملية تحرر ديناميكية، يجب إعادة تقييمها وتطويرها باستمرار في ضوء التحولات الإقليمية والعالمية.
إن الدولة الديمقراطية الواحدة، القائمة على إنهاء الاستعمار وتحقيق العدالة والمساواة والسلام الدائم، باتت جزءًا من نضال عالمي أوسع من أجل نظام دولي أكثر عدلًا. وهذا لا يتجاهل السؤال الأخلاقي والوجودي المؤلم حول إمكانية التعايش بين شعب أصلي مُستعمَر ومجتمع استيطاني إبادي داخل كيان سياسي واحد قائم على المساواة.
ومع ذلك، يرى معظم أنصار هذا الطرح أن هدفه الأساسي هو تحرير الشعب الفلسطيني من نظام استيطاني-أبارتهايدي عنيف، واستبداله بنظام سياسي قائم على المساواة الكاملة بين جميع الأفراد، بغض النظر عن الدين أو العرق.
في نهاية المطاف، يحتاج الفلسطينيون إلى دولة ديمقراطية — لا نظام أبارتهايد إسرائيلي، ولا نظام عربي استبدادي فاسد، ولا نظام من قبيل نظام المقاطعة في رام الله. إن فلسطين محررة، ديمقراطية، ومنزوعة الاستعمار، يمكن أن تشكل نموذجًا متنوعًا ثقافيًا وإثنيًا ودينيًا في المنطقة.
لا تناقض بين الوحدة والرؤية السياسية، بل تكامل ووحدة
ثمة طرح شائع في الخطاب الفلسطيني يرى أن التركيز على الحل السياسي النهائي قد يصرف الانتباه عن الأولويات العاجلة: الوحدة، المقاومة، والبقاء في فلسطين ككل، خاصة في غزة، التي تواجه خطر الإبادة على يد نظام صهيوني يميني متوحش، ديني ومسياني، وفي الضفة الغربية حيث يتمدد ويترسخ المشروع الاستيطاني بعنف غير مسبوق، بشكل صريح ومشترك بين المستوطنين والجيش.
وبحسب هذا الطرح، يجب تأجيل البرامج السياسية إلى ما بعد التحرر. ويرى البعض أن الاكتفاء بالنضال ضد الأبارتهايد كافٍ، دون معالجة الإطار الاستيطاني الأشمل الذي ينتجه، أو أنهم يفترضون أن تفكك البنية الكولونيالية يتحقق تلقائيًا بعد زوال الأبارتهايد. ولهذا الطرح منطقه، المتمثل في سهولة تسويق إطار الأبارتهايد عالميًا وقانونيًا، استنادًا إلى تجربة جنوب أفريقيا، فضلًا عن كونه يمثل إجماعًا فلسطينيًا لا يضطر إلى الخوض في شكل الحلول السياسية بما تنطوي عليه من اختلافات وخلافات. وبالطبع، تقوم حركة المقاطعة (BDS) بدور هام وكبير وتاريخي. وفي رأيي، إنها الجسم الأكثر تمثيلًا للفلسطينيين في ظل التشرذم الداخلي الكارثي. إن حركة المقاطعة تشكل استراتيجية نضالية فعالة، لكنها لا تطرح نفسها كقيادة للحركة الوطنية الفلسطينية، وليست قادرة على إخراج الحركة الوطنية من أزمتها الخانقة، مع أن جزءًا كبيرًا من رموزها ونشطائها البارزين، مثل د. عمر البرغوثي ود. حيدر عيد، يتبنيان حل الدولة الواحدة، بل أصدرا كتبًا حول ذلك. كما أن من أنصار هذا الطرح مفكرين فلسطينيين، مثل إدوارد سعيد وعزمي بشارة، اللذين نظّرا للدولة الواحدة منذ التسعينيات.
لكن هذا الطرح، أي الاكتفاء بخطاب الأبارتهايد، يقوم على خلل واضح.
أولًا، الأبارتهايد وُلد من رحم مشروع استيطاني، أي إنه ليس الأصل، وهذا المشروع الإحلالي غير متوقف كما هو الحال في دول كولونيالية سابقة، بل يتوسع بشراسة ووحشية.
ثانيًا، النظام الصهيوني غير قادر بنيويًا على إصلاح ذاته، وغير قابل بنيويًا على التعايش المتساوي مع الفلسطينيين، وهذا ما يدركه أنصار هذا الخطاب.
ثالثًا، تُظهر التجربة التاريخية أن وضوح الرؤية السياسية ليس عائقًا، بل شرطًا أساسيًا للتعبئة الفعالة. فالرؤية العادلة والواضحة تعزز التماسك الداخلي، وتوسع التحالفات الدولية، وتمنح النضال شرعية أخلاقية، كما توحد الناس حول هدف مشترك. إنها تخرج الناس من حالة الغموض، وتوفر الوضوح، وضوح الهدف النهائي والطريق.
في الحالة الفلسطينية، يوفر حل الدولة الواحدة إطارًا وحدويًا يتجاوز التفكك والتجزئة، ويعيد تعريف فلسطين كوحدة سياسية واحدة، ويعيد صياغة الصراع بوصفه صراعًا ضد الاستعمار الاستيطاني والأبارتهايد والتجزئة القاتلة، لا نزاعًا بين قوميتين متكافئتين. كما أنه يتناغم مع التوجهات الأخلاقية للحركات العالمية التي تتبنى النضالات التقاطعية، وخاصة مع شعار “فلسطين حرة من البحر إلى النهر” الذي طغى على مظاهرات التضامن العارمة في الغرب.
يعكس هذا الطرح، أي الدولة الواحدة، التوافق الوطني الواسع الذي نشأ وساد بين الفلسطينيين في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حين تبنى المجلس الوطني الفلسطيني رسميًا رؤية الدولة الديمقراطية. وقد أسهم برنامج “العودة والتحرير”، ومن ثم طرح الدولة العلمانية الديمقراطية في فلسطين، في توحيد الشعب تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، وتعزيز علاقاتها مع حركات التحرر العالمية. لم يطرح أحد من قادة الحركة الوطنية أو المثقفين آنذاك أن تحديد الحل السياسي يشكل عائقًا للوحدة، أو تعطيلًا لحشد الناس حول الفعل المقاوم، لأن نتائجه الإيجابية كانت بائنة للعيان، إذ تحولت هذه الرؤية إلى فعل على الأرض.
وعليه، فإن تبني حل الدولة الواحدة يمثل إحياءً لرؤية فلسطينية أصيلة، في مقابل الأطر المفروضة خارجيًا مثل “حل الدولتين” التقسيمي الظالم.
ورغم وصفه غالبًا باليوتوبيا، فإنه في الحقيقة مشروع تحرري طويل الأمد يقوم على تفكيك بنى الهيمنة وبناء مجتمع سياسي جديد قائم على المساواة والسلام الحقيقي.
ويعمل هذا المشروع نظريًا على مستويات متعددة:
– بنيوي: تفكيك الأبارتهايد والامتيازات الاستيطانية.
– ديمغرافي: دمج اللاجئين وإعادة تعريف المواطنة.
– أيديولوجي: تفكيك الصهيونية كمنظومة تفوق.
– مؤسساتي: بناء نظام ديمقراطي شامل.
الحرب على إيران والقضية الفلسطينية
تمثل المواجهة مع إيران متغيرًا حاسمًا قد يعيد تشكيل الخيارات الفلسطينية. وثمة إدراك متزايد بأن القوى الإمبريالية عالقة في هذه الحرب، في حين تُظهر إيران صمودًا في ما تعتبره حرب وجود. وفي الوقت نفسه، يملك الشعب الإيراني، الذي يتعرض لمجازر يندى لها الجبين، الحق في العيش بحرية وديمقراطية، وتشكيل مستقبله وطبيعة نظامه، بعيدًا عن التدخلات الاستعمارية والعنصرية والعدوان الخارجي.
السيناريو الأول: فشل العدوان على إيران، الذي سيؤدي إلى:
– تآكل الردع الأميركي-الإسرائيلي.
– تراجع ثقة الأنظمة الخليجية بالحماية الأميركية والتفكير بالخروج من التبعية.
– تعزيز القوى المناهضة للهيمنة الإسرائيلية في المنطقة والعالم.
– إنعاش المساعي لإحياء تكتلات بديلة مثل “البريكس” التي يمكن أن توسع فضاء الحراك الفلسطيني.
– توسيع هامش حركات المقاومة، والتوجه نحو مفهوم أشمل لمقاومة الظلم، ليصبح الشكل الشعبي والمدني الشكل الرئيسي، بعد الاستنتاج المحتمل أن العمل العسكري، أو المقاومة المسلحة، أديا دورهما، واستنفدا طاقتهما، في ظل الدمار والقتل غير المسبوق في مستواه.
في هذا السياق، قد تكتسب القضية الفلسطينية عمقًا استراتيجيًا، ويصبح مشروع الدولة الواحدة أكثر قابلية للتحقق على المدى البعيد.
السيناريو الثاني: نجاح أهداف العدوان، وهو سيناريو مستبعد:
– ترسيخ الهيمنة الاستعمارية الإسرائيلية.
– تهميش القضية الفلسطينية، وتعميق التفكك الداخلي الاجتماعي والسياسي.
– تسارع التطبيع والاستبداد في العالم العربي.
في هذه الحالة، قد تواجه الحركة الفلسطينية عزلة أعمق. ومع ذلك، فإن التخلي عن مشروع الدولة الواحدة سيكون خطأً استراتيجيًا. يجب الحفاظ عليه كأفق تحرري وبوصلة أخلاقية.
هل لا يزال لحل الدولة الواحدة راهنية؟
يطرح هذا السؤال بقوة في ظل الإبادة. كيف يمكن التعايش مع مجتمع استيطاني متوحش يمارس هذا العنف، بل ينتشي به؟
هو سؤال وجيه، ولكن الإجابة: نعم، ولكن بشروط تتمثل في تفكيك المنظومة القاتلة، ومحاسبة المجرمين. فالشعب الفلسطيني لن يختفي، وقد أثبت أنه عصيّ على المحو، رغم كل ما ارتُكب بحقه من إجرام فظيع.
إن صمود هذا الشعب، والإصرار على الحق، قد يدفعان قطاعات من المجتمع الإسرائيلي إلى إدراك استحالة استمرار هذا الواقع، والوصول إلى قناعة بأن هذا المجتمع الاستيطاني لا يمكن أن يواصل العيش على حد السيف، وهو ضحية عملية شطف دماغ وتضليل من قبل قادته.
إذ إن هناك تقديرات داخل المجتمع الصهيوني نفسه تقول إنه إذا لم تُحل قضية فلسطين، ستنشأ أجيال فلسطينية أكثر راديكالية وأكثر تعطشًا للانتقام، وسترفض حتى المصالحة. لكن حصول جولة قادمة أكثر وحشية، لن تطال المستعمر فقط، بل تضيف إلى الشعب الفلسطيني أكلافًا باهظة أيضًا. فالنضال، بطبيعته، له تكلفة باهظة على المقاومين، ولا بد من السعي إلى التقليل منها قدر الإمكان، وتوفير دماء وأرواح غالية. لذلك، يجب فهم الدولة الواحدة كمسار تحرري وإنساني طويل، يمكن الشعب من تحمل التكلفة، ومرن قائم على قيم كونية:
– المساواة والعدالة.
– إنهاء الاستعمار.
– وحدة الأرض والشعب والقضية.
إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية
التحدي الأساسي داخليًا: يتمثل في أزمة التمثيل، ودور السلطة الفلسطينية كوكيل للاحتلال، وعجز المعارضة عن بناء بديل. بتعبير غرامشي: القديم يحتضر، والجديد لم يولد بعد.
إعادة البناء تتطلب:
– إعادة تشكيل مؤسسات تمثيلية جامعة عبر انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني.
– دمج الداخل والشتات في هيئة سياسية تمثيلية واحدة.
– استعادة البرنامج التحرري الشامل، وإيجاد الآلية أو الصيغة التي تمكن عموم التجمعات الفلسطينية من الاضطلاع بدورها في هذا المشروع.
وقد تكون الآلية أو الصيغة الخاصة بدور فلسطينيي الـ48 الأكثر تعقيدًا، والتي تحتاج إلى أعمال المزيد من الفكر والعمل، في ظل اتساع التغول الإسرائيلي ضدهم، والسعي إلى إفراغ ما تبقى من معنى لمواطنتهم، وإطلاق يد الإجرام لتفكيك بنيتهم الداخلية ودفعهم للهجرة.
الخاتمة
ندرك أن ما هو على المحك ليس مجرد مشروع سياسي، بل مستقبل فلسطين، مستقبل وحياة أبنائها وبناتها، والأجيال القادمة. إن إعادة تخيل مستقبل تحرري منزوع من الكولونيالية والفصل العنصري ليس ترفًا، بل ضرورة أخلاقية وسياسية، والنضال ضد نزع الجانب السياسي عن القضية الفلسطينية واختزالها في مسألة إنسانية تُدار من قبل أنظمة مارقة وتجار، وتطوير وعي تحرري حديث، هو ضرورة وجودية.
إن حل الدولة الواحدة ليس فكرة مجردة، بل أفق استراتيجي ضروري. والتخلي عنه يعني فقدان سند استراتيجي في النضال، كما أن طرحه دون استراتيجية يُفرغه من مضمونه. المطلوب: استراتيجية مقاومة شعبية في الداخل، ونضال مدني ومقاطعة في الخارج.
التحدي واضح: مواجهة نظام إقليمي يُعاد تشكيله ضد فلسطين، وبناء حركة وطنية قوية ومتماسكة قادرة على مقاومته.
يبقى حل الدولة الواحدة ضرورة، ليس لأنه قريب التحقيق، بل لأنه يحدد ما يجب النضال من أجله: فلسطين محررة، ديمقراطية، قائمة على المساواة، وبدون جدران ومعازل، على أنقاض الاستعمار والتجزئة.



