منوعات

مدينة زوارة الليبية لؤلؤة الساحل وبحرها شاهد على تاريخ يمتد لآلاف السنين

مدينة زوارة الليبية لؤلؤة الساحل وبحرها شاهد على تاريخ يمتد لآلاف السنين

نسرين سليمان

طرابلس ـ تتربع مدينة زوارة على الساحل الشمالي الغربي لليبيا، لتكون أكثر من مجرد مدينة ساحلية، فهي شاهدة حية على تعاقب الحضارات، وموطنًا لقبائل أمازيغية أصيلة، وحارسة لتراث عريق يمتد لقرون، بفضل موقعها الاستراتيجي، ومينائها الذي يطل على مياه البحر الأبيض المتوسط الفيروزية.
شكّلت زوارة على مر التاريخ مركزًا تجاريًا وثقافيًا هامًا، وملاذًا هادئًا يجمع بين جمال الطبيعة وعبق التاريخ، هذه المدينة لم تكتف بكونها نقطة على الخريطة، بل هي رواية متكاملة تروي قصة شعب صمد في وجه التحديات، وحافظ على هويته في قلب المتغيرات.
تقع زوارة جغرافيا في منطقة إقليمية تعرف باسم جبل نفوسة، وتحديدًا على بعد حوالي 100 كيلومتر غرب العاصمة طرابلس، و60 كيلومترًا من الحدود التونسية.
موقع زوارة التاريخيّ منحها أهمية جيوسياسية وتجارية كبيرة، وجعلها نقطة عبور رئيسية بين ليبيا وتونس، مما ساهم في ازدهارها الاقتصادي والتجاري بشكل لم يسبق له مثيل. يحدها من الشمال البحر المتوسط الذي يمنحها شواطئ ذهبية ممتدة، ومن الجنوب سهول منطقة جفارة الخصبة التي تعد مصدرًا للمنتجات الزراعية، ومن الشرق مدينة صبراتة التاريخية التي تربطها بها علاقات ثقافية عميقة، ومن الغرب منطقة رأس جدير الحدودية التي تعد بوابة ليبيا إلى العالم الخارجي.
هذا المزيج من التضاريس يمنح المدينة تنوعًا فريدًا، حيث تتناغم فيه أشجار النخيل وأشجار الزيتون مع رمال الشاطئ الذهبية، لترسم لوحة طبيعية ساحرة.
إن هذا الموقع الاستراتيجي لم يكن مجرد صدفة، بل كان عاملًا حاسمًا في تشكيل تاريخها وتحديد مصيرها عبر العصور.

كانت جزءًا من منطقة
تريبوليتانيا الرومانية

يعود تاريخ زوارة إلى العصور القديمة، حيث كانت جزءًا من منطقة تريبوليتانيا الرومانية، ولكن جذورها الحقيقية تعود إلى القبائل الأمازيغية التي استقرت في المنطقة قبل وصول الرومان بقرون طويلة.
وتتمتع المدينة بتاريخ قديم ومعقد يمتد إلى العصر الروماني، حيث كانت تُعرف باسم كأساس، وتشتهر بتصدير الملح وحجر الجير. شاركت زوارة بقوة في مقاومة الاحتلال الإيطالي، خاصة في معركة سيدي سعيد، كما لعبت دورًا مهمًا في الثورة الليبية عام 2011.
وأقام الإقريطيون في سواحل خليج سرت الكبير والصغير مع القبائل الأمازيغية، واندمجوا معهم وباتوا أمازيغ، ويرجح أن كلمة زواغة مشتقة من نفس الأصل لكلمة الأمازيغ، ويعنون بها الأشراف الأحرار.
واعتبر ابن خلدون زواغة وزوارة قبيلتين متآخيتين تنتميان لبني سمكان، وهم من فروع زناتة أكبر القبائل البربرية.
وقد ظلّ النظام القبلي موجوداً في أواخر العصر الوسيط، حتى فضّل الأهالي الانحياز إلى السواحل، ما أدى إلى نشأة قريتي زوارة الصغرى والكبرى.
إنّ قرية زوارة الصغرى تميّزت بكونها قرية ذات نخيل كثيف وماءٍ عذب، إلا أنّها تعرّضت للخراب بسبب الهجمات المتتالية للقراصنة الأوروبيين الذين أتوا إليها بهدف التزود من الملح الموجود فيها، وقد عاش سكانها في ضنك العيش لفترة بسبب هذه الهجمات ولم يتبقَ فيها فيما بعد إلا بعض السكان الذين امتهنوا النخاسة كمصدر للرزق، وسرقة الناس من القوافل التجاريّة وقوافل الحجيج التي تمرّ من هناك، حتى أصبحت القوافل تتحاشى المرور من هذه المنطقة.
ولقد لعبت دورًا مهمًا في مقاومة الغزو الإسباني في القرن السادس عشر، حيث قدم أهلها دروسًا في الشجاعة والبسالة. وبعدها، أصبحت المدينة تحت الحكم العثماني، وشهدت خلال هذه الفترة ازدهارًا تجاريًا بفضل موقعها الذي جعلها حلقة وصل بين دول الشمال والجنوب.
وعندما بدأ الاستعمار الإيطالي لليبيا في مطلع القرن العشرين، شهدت المدينة مقاومة شرسة من أهلها، حيث كانت مركزًا للعمليات العسكرية ضد الغزاة، واستطاع سكانها الحفاظ على هويتهم الثقافية والاجتماعية في وجه محاولات الطمس الإيطالية.

ثرواتها النفطية وقاعدتها الجوية

بعد استقلال ليبيا، نمت زوارة وتطورت لتصبح واحدة من أهم المدن الليبية، ليس فقط بفضل مينائها، بل أيضًا بفضل ثرواتها النفطية وقاعدتها الجوية التي تخدم المنطقة الغربية وتزيد من أهميتها الاستراتيجية.
وشهدت هذه المنطقة معارك طاحنة قبيل سقوط القذافي، وسقط أكثر من 55 شاباً وجرح 700 آخرون، ويمكن رؤية صورهم في كل مكان.
وتم تحرير المدينة في منتصف آب/أغسطس 2011، ولا تزال آثار المعارك واضحة على الجدران المرصعة بآثار الرصاص، وبعض البنايات المدمرة جزئيا.
وتقول روايات رسمية إن سكان المدينة الأمازيغية التي تبعد عشرات الكيلومترات عن الحدود التونسية قد خاضوا أهم المعارك الليبية في التاريخ الحديث، وتتمثل في معركة سيدي سعيد ضد الاستعمار الإيطالي في موقعة أبي كماش قبالة جزيرة فروة.

معقل الثقافة الأمازيغية

إن ما يميز مدينة زوارة ويجعلها فريدة من نوعها هو كونها معقلًا للثقافة الأمازيغية، حيث يتحدث معظم سكانها اللغة الأمازيغية (تمازيغت) إلى جانب اللغة العربية بطلاقة، هذه الهوية الثقافية تتجلى بوضوح في كافة جوانب الحياة اليومية، من الاحتفالات والمناسبات الاجتماعية إلى الحرف اليدوية والمأكولات التقليدية.
ففي الأعياد والمناسبات، مثل عيد الفطر وعيد الأضحى، يحتفل السكان بطقوس خاصة، حيث ترتدي النساء الزي التقليدي الملون، وتقام ولائم كبيرة يشارك فيها كل أفراد المجتمع، تعبيرًا عن روح التكافل والترابط.
كما يحتفل السكان برأس السنة الأمازيغية، وهو عيد تقليدي قديم يرمز إلى بداية العام الزراعي الجديد، حيث يتم تحضير أطباق خاصة ويجتمع الأهل والأصدقاء لتبادل التهاني.
وللنساء الزوارية زي تقليدي فريد يعرف باسم «الحولي» أو «تاملحافت»، وهو عبارة عن قطعة قماش مزخرفة بألوان زاهية، تلف حول الجسم بطريقة مميزة تعكس الأناقة والبساطة، أما الرجال، فيشتهرون بزي خاص يسمى «الأهون»، وهو عبارة عن سروال وفوقه قميص فضفاض، ويعكس هذا الزي طبيعة المنطقة ومناخها ويمنحهم شعورًا بالراحة.
كما يشتهر المطبخ المحلي بأطباق فريدة تعكس المكونات المحلية الطازجة، ومن أشهر هذه الأطباق الكسكسي، والذي يتم تحضيره بطريقة خاصة ويُقدم مع الخضار واللحم، ويعد طبقًا رئيسيًا في كل المناسبات.
كما يشتهرون بطبق «البازين» الذي يُعتبر رمزًا للمائدة الليبية بشكل عام، وطبق «العصيدة»، بالإضافة إلى أطباق الأسماك الطازجة التي يتم صيدها من البحر مباشرة.
إلى جانب ذلك، تُعد الأغاني الشعبية والأهازيج جزءًا لا يتجزأ من الثقافة الزوارية، حيث تُستخدم في الأفراح والمناسبات الاجتماعية، وتتميز هذه الأغاني بإيقاعاتها المميزة وكلماتها التي تتغنى بالطبيعة، والحب، والتاريخ، وتُعتبر وسيلة لحفظ التراث الشفهي وتناقله عبر الأجيال.

ميناء زوارة البحري

وتزخر مدينة زوارة بالعديد من المعالم التي تستحق الزيارة، في مقدمتها ميناء زوارة البحري الذي ليس مجرد ميناء تجاري، بل هو قلب المدينة النابض بالحياة، حيث يمكن للزوار الاستمتاع بمشاهدة قوارب الصيد التقليدية وأصوات الصيادين وهم يمارسون عملهم اليومي، وشراء الأسماك الطازجة من السوق.
وتُعرف زوارة بشواطئها النظيفة والممتدة، مثل شاطئ القرط وشاطئ الزوارة، وهي وجهات مثالية للاسترخاء والسباحة وممارسة الرياضات المائية.
وعلى الرغم من أن القصبة القديمة لم تعد كما كانت في سابق عهدها، إلا أن بقاياها لا تزال تروي قصصًا عن ماضي المدينة العريق، وتلهم الزوار للتخيل كيف كانت الحياة في تلك الأيام الخوالي.
وقبالة سواحل زوارة، توجد مجموعة من الجزر الصغيرة غير المأهولة، التي تُعرف بجمالها الطبيعي، وهي وجهة مثالية للرحلات البحرية والغطس، حيث يمكن للمغامرين استكشاف الحياة البحرية الغنية في المنطقة.

مواقع أثرية

يقع في مدينة زوارة غرب منطقة بيسيدا أبوكماش تحديدًا موقع أثري ساحلي على الشاطئ بجانب مكان يسمى «تاورمت» يعود إلى الفترة بين القرن الأول والثالث الميلادي، وقد عثر بجانبه على قطعة نقدية تعود للقرن الثاني قبل الميلاد.
وحسب الباحث وائل فطيس فإن الموقع يتكون من سور طويل، وهو عبارة عن بقايا لجدار بُني من حجارة ضخمة الحجم في نهايته من الجهة الشرقية مبنى مربع الشكل يرجح أنه كان أساسات لغرفة واسعة الأرجاء.
كما يقابل الجدار من ناحية البر بناء بُني من حجارة ضخمة جدًّا وجدرانه خشنة يحتوي على كميات ضخمة من البقايا الفخارية.
وتعتبر حجارة هذا المبنى طبيعية من حجر الكلس الموجودة بالقرب من الموقع، وهو ما يفسر بحسب الباحث ضخامة أحجار البناء ودليل على ثراء المنطقة وأهميتها.
كما ذكرت منطقة أمركان الأثرية بزوارة في عدد من المصادر التاريخية، ومنها كتاب «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» للشريف الإدريسي، حيث ذكر أن هناك منطقة اسمها قصر أمركية، ويقصد بها أمركان الحالية، كما ذكرت عند بعض الجغرافيين، باسم مرسى أمركية، حيث كانت المنطقة شاهدة على حركة تجارية كبيرة في القرن الرابع والخامس قبل الميلاد إلى القرن العاشر الميلادي إلى غاية الثالث عشر.
وتؤكد الروايات والمصادر والشواهد التاريخية على أن منطقة أمركان ساهمت بتطور المناطق القريبة منها، وبمحاذاة هذه المنطقة يوجد قصر مليته وهو معلم أثري أيضًا قريب من هذه المنطقة.
كما يعتبر مرفأ أمركان الذي كان الأكبر في المنطقة الغربية، نقطة تجارية هامة في البحر المتوسط، والذي عثر فيه على أكبر كنز نقدي في العالم، حيث عثر في عام 1929على حوالي 20 ألف قطعة نقدية فضية من العملة الرومانية قبالة هذا المكان.
ومن الأماكن التي يتهافت عليها محترفو الغوص مدينة تببود الأثرية الأمازيغية التي غرقت في مياه المتوسط قبل ثمانية آلاف عام وتبعد مسافة 300 متر عن شاطئ تيبودا، والذي يبعد بدوره حوالي أربعة كيلومترات غربًا عن زوارة المركز، والغوص بعمق ثمانية أمتار والتجول تحت الماء بالقرب من شواطئ مدينة زوارة في أقصى الغرب الليبي، ليس وحده ما يغري الغواص، لزيارة ذلك المكان مرارًا وتكرارًا، فالغواص المحترف يجذبه الغموض والجمال الذي يلف المدينة الأمازيغية المفقودة تحت الماء منذ 8000 سنة.
وأكدت وجود هذه المدينة صور التقطها مركز أبحاث أمريكي سنة 2010 باستخدام الأقمار الاصطناعية، وذلك بعد أن أعطى لهم إحداثيات المكان الباحث الليبي شوقي معمر المختص في مجال استكشاف المخابئ والكهوف، عندما ذهب إلى الولايات المتحدة لغرض تحضير رسالة الدكتوراه.
واسم تيبودا أمازيغي قديم مشتق من كلمة بودي التي تعني الحصان الصغير، وكانت المدينة في الأزمنة الغابرة مستوطنة متأثرة بالحضارة القفصية القديمة، اشتهر ميناؤها بتصدير الملح وزيت الزيتون الذي تنتجه منطقة زوارة.
التعرف على معالم المدينة الغارقة يكون بالغوص بعمق ثمانية أمتار والتجول تحت الماء بالقرب من شواطئ مدينة زوارة في أقصى الغرب الليبي.
كم سينبهر الزائر بالجمال والغموض الذي يلف المكان وبمنظر الأعشاب الصخرية التي تزين صخور المدينة وتلك الأقواس المفتوحة على بعضها بعضا، المسماة بالقجقوج فضلا عن وجود الجرار والقناديل والأعمدة التاجية الملقاة على الأرض تشير وبجلاء إلى وجود تجمعات سكانية استوطنت المكان في ذاك الزمن الموغل في القدم.
كما أن أرضيات الفسيفساء الموجودة على الشاطئ المقابل لهذه المستوطنة تدل على وجود منازل فخمة وفلل كان يقطنها سكان أثرياء هم غالبا من التجار تعود للحقب التاريخية الحديثة كالعصر الفينيقي والروماني.
والاستنتاج العلمي حول أسباب غرق تلك المستوطنة يفيد، طبقا لشوقي، بحدوث تسونامي قبل ثمانية آلاف عام ضرب جزءاً كبيراً من ساحل ليبيا، نتج عن ثوران بركان في جزيرة سيشيليا، هذا البركان ألقى ما مساحته عشرة كيلومترات من الحمم في البحر الأبيض المتوسط، الأمر الذي سبب في موجة مد وصل ارتفاع أمواجها من 30 إلى 40 متراً دمرت السواحل المطلة على البحر المتوسط، ولم تنحسر تلك المياه حتى اليوم.
وتنقل مواقع محلية عن الباحث في علم التراث والحضارات يوسف حلمي قوله إن أرضيات الفسيفساء الموجودة على الشاطئ المقابل لهذه المستوطنة تدل على وجود منازل فخمة وفلل كان يقطنها سكان أثرياء هم غالباً من التجار، وهي تعود للحقب التاريخية الحديثة كالعصر الفينيقي والروماني.
ويؤكد حلمي بأن هذه المستوطنة كانت متأثرة بالحضارة القفصية، وذكرها قبل التاريخ هيرودوت الذي قال أنها كانت معمرة بالاتيفيجيون الأمازيغ الموجودين في المنطقة، من الماية شرقي مدينة الزاوية إلى جزيرة جربة بتونس.
وقال هيرودوت أنهم كانوا يتواجدون في نتوء البحر أيضاً (يقصد جزيرة فروة) وأنهم كانوا يأكلون اللوتس.
وتظل مدينة زوارة وجهة فريدة تجمع بين أصالة الماضي وجمال الحاضر، فبفضل موقعها المميز، وتاريخها العريق، وتقاليدها الأمازيغية الأصيلة، تبقى زوارة لؤلؤة مضيئة على الساحل الليبي، تدعو الزوار لاكتشاف كنوزها المخفية، والتعرف على كرم أهلها، هي مدينة لا تُنسى، بكل ما فيها من جمال طبيعي وثقافي، وتستحق أن تُروى قصتها للعالم.

«القدس العربي»:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب