مضيق هرمز والصراع الأمريكي الإيراني: عندما تتحول القوة إلى ورقة تفاوض..

مضيق هرمز والصراع الأمريكي الإيراني: عندما تتحول القوة
إلى ورقة تفاوض..
علي أو عمو
يمر الصراع الأمريكي الإيراني بمرحلة شديدة التعقيد، بعدما
تجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة إلى حرب اقتصادية
ودبلوماسية مفتوحة، تتداخل فيها العقوبات والحصار وأمن
الطاقة والممرات البحرية، بينما تترقب عواصم العالم ما ستؤول
إليه الأزمة مع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك..
ولم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري في قلب الخليج، بل تحول
إلى إحدى أهم أوراق الضغط في المواجهة بين واشنطن
وطهران. فكل طرف يحاول استخدام نقاط القوة التي يمتلكها لرفع
كلفة المواجهة على الطرف الآخر، في وقت تتزايد فيه المخاوف
من أن يدفع الاقتصاد العالمي ثمن هذا الصراع..
من الضغط العسكري إلى الخنق الاقتصادي.
تتحرك الإدارة الأمريكية وفق مقاربة تقوم على رفع سقف
الضغط تدريجياً، أملاً في تحويل القوة العسكرية والاقتصادية إلى
أوراق تفاوضية تفرض على طهران تقديم تنازلات في الملفات
التي تعتبرها واشنطن أساسية…
وفي هذا السياق، وسّعت الولايات المتحدة عقوباتها على قطاع
الطيران الإيراني، في خطوة تستهدف تضييق الخناق على قدرة
إيران الاقتصادية وعلى صِلاتها بالعالم الخارجي..
ولا تستهدف واشنطن النفط والقطاع المالي فقط، وإنما تحاول
توسيع دائرة الضغط لتشمل قدرة إيران على التواصل الجوي
والتجاري مع الخارج..
وتعكس هذه السياسة طبيعة العقوبات الثانوية الأمريكية، التي
تجعل الشركات والمؤسسات الأجنبية أمام معادلة صعبة: إما
التعامل مع إيران وتحمل مخاطر العقوبات الأمريكية، أو
الانسحاب من السوق الإيرانية حفاظاً على مصالحها المالية
والتجارية..
هرمز… ورقة إيران الأكثر حساسية
في المقابل، تمتلك إيران ورقة جغرافية واستراتيجية يصعب
تجاهلها: مضيق هرمز..
فالمضيق يمثل أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، وأي
اضطراب في حركة الملاحة فيه لا يقتصر تأثيره على إيران
ودول الخليج، بل يمتد إلى أسواق النفط والنقل والتأمين
والاقتصاد العالمي بأكمله..
وهنا تظهر مفارقة أساسية في الأزمة: الولايات المتحدة تملك
تفوُّقاً عسكرياً ومالياً واسعاً، بينما تمتلك إيران قدرة جغرافية
على التأثير في واحد من أهم ممرات الطاقة في العالم..
ومن ثم، فإن المعركة لا تدور فقط حول من يملك القوة الأكبر،
وإنما حول قدرة كل طرف على استخدام نقاط القوة التي يمتلكها
لرفع تكلفة استمرار المواجهة..
ترامب بين الضغط والتفاوض.
تسعى الإدارة الأمريكية إلى الجمع بين الضغط والتفاوض بدلاً من
اعتبارهما مساريْن متناقضيْن..
فالضغط الاقتصادي والعسكري يمكن أن يكون وسيلة لتحسين
شروط التفاوض، بينما يصبح الحديث عن التفاوض في الوقت
نفسه وسيلة لمنع الأزمة من الانزلاق إلى حرب مفتوحة يصعب
التحكم في نتائجها..
وقد أبقى الرئيس دونالد ترامب الباب مفتوحاً أمام إمكانية الحوار
مع القيادة الإيرانية، في الوقت الذي يستمر فيه الضغط على
طهران، وهو ما يعكس محاولة لإبقاء المسار الدبلوماسي قائماً
بالتوازي مع التصعيد..
لكن المشكلة لا تكمن فقط في وجود قنوات للحوار، وإنما في
غياب الثقة والاختلاف العميق حول مضمون أي اتفاق نهائي،
سواء تعلق الأمر بالبرنامج النووي الإيراني أو بالنفوذ الإقليمي
أو بأمن الممرات البحرية..
هل تستطيع واشنطن إجبار طهران على الخضوع؟.
هنا تكمن أصعب حلقات الأزمة.
تراهن واشنطن على أن استمرار العقوبات والحصار والضغط
العسكري سيؤدي مع مرور الوقت إلى إنهاك الاقتصاد الإيراني،
وبالتالي دفع القيادة الإيرانية إلى قبول اتفاق بشروط أكثر
صرامة..
لكن هذا الرهان لا يضمن بالضرورة النتيجة التي تريدها الولايات
المتحدة..
فإيران قد تتعرض لضغوط اقتصادية شديدة، لكنها في الوقت
نفسه تمتلك أوراقاً للرد، أبرزها موقعها الجغرافي وقدرتها على
التأثير في أمن الملاحة والطاقة، فضلاً عن إمكان استمرار
المواجهة غير المباشرة في المنطقة. وقد تلجأ إلى مضيق باب
المندب كورقة ضغط إضافية..
ولهذا تبدو الأزمة أقرب إلى حرب استنزاف متبادلة؛ فواشنطن
تحاول إنهاك إيران اقتصادياً وعسكرياً، بينما تحاول طهران رفع
تكلفة استمرار الضغط الأمريكي إلى مستوى يجعل التسوية أكثر
جاذبية من استمرار الحرب…
أزمة هرمز ليست أزمة أمريكية إيرانية فقط..
المشكلة الأخطر أن مضيق هرمز لا يعني الولايات المتحدة
وإيران وحدهما..
فأمن المضيق مرتبط مباشرة باقتصادات دول الخليج، وبالدول
الآسيوية والأوروبية المستوردة للطاقة، وبأسعار النفط والنقل
والتأمين، وبالتالي بالأسعار التي يدفعها المستهلك في مختلف
أنحاء العالم..
ولهذا تحاول واشنطن حشد دول المنطقة والقوى الدولية حول
فكرة أن حماية الملاحة وأمن الطاقة مصلحة مشتركة..
لكن دول الخليج تجد نفسها في وضع بالغ الحساسية؛ فهي تريد
استمرار الملاحة وتدفق الطاقة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن
تتحول أراضيها ومنشآتها إلى ساحات إضافية للحرب..
أما القوى الاقتصادية الكبرى في آسيا وأوروبا، فإنها تواجه
معادلة أكثر تعقيداً: المحافظة على علاقاتها مع واشنطن، وفي
الوقت نفسه حماية إمدادات الطاقة ومصالحها الاقتصادية..
وهكذا يتحول مضيق هرمز إلى قضية دولية تتجاوز حدود
الصراع بين دولتين.
الأمم المتحدة أمام اختبار جديد..
يتزامن هذا التصعيد مع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة،
الأمر الذي يضع المنظمة الدولية أمام اختبار جديد..
فالأمم المتحدة تستطيع توفير منصة للحوار والوساطة وطرح
المبادرات، لكنها تواجه في القضايا الكبرى قيوداً ناتجة عن
تركيبة مجلس الأمن وحق النقض الذي تتمتع به الدول الخمس
دائمة العضوية..
وهذا لا يعني أن المنظمة الدولية عديمة التأثير، لكنه يكشف
حدود قدرتها عندما تتعارض مصالح القوى الكبرى بصورة
مباشرة..
ومن هنا فإن الأزمة الأمريكية الإيرانية لا تكشف فقط حجم التوتر
في الشرق الأوسط، وإنما تطرح سؤالاً أوسع حول قدرة النظام
الدولي الحالي على إدارة النزاعات الكبرى عندما تكون إحدى
القوى المتصارعة دولة عظمى تتمتع بنفوذ عسكري واقتصادي
هائل.
الاقتصاد العالمي هو الخاسر الصامت..
وسط هذا الصراع، يبقى الاقتصاد العالمي طرفاً لا يملك قرار
الحرب ولا قرار السلام، لكنه يتحمل جزءاً كبيراً من التكلفة..
فكلما طال أمد اضطراب الملاحة في الخليج والبحر الأحمر،
ارتفعت مخاطر النقل والتأمين والطاقة، وتزايدت الضغوط على
الاقتصادات المستوردة للنفط..
والأخطر أن استمرار الأزمة لفترة طويلة قد يحول اضطراب
الطاقة من مشكلة مؤقتة إلى عامل يضغط على التضخم والنمو
والاستثمار في عدد كبير من الدول..
وهنا تتجاوز تداعيات الصراع حدود واشنطن وطهران، لتصل في
النهاية إلى حياة المواطن العادي، من أسعار الوقود والنقل إلى
أسعار السلع والخدمات.
الخلاصة..
الصراع الأمريكي الإيراني لم يعد مجرد مواجهة حول البرنامج
النووي الإيراني، ولا مجرد معركة للسيطرة على مضيق هرمز.
إنه صراع أوسع حول النفوذ والأمن الإقليمي والنظام الاقتصادي
الدولي وشروط أي تسوية مقبلة.
تحاول الولايات المتحدة استخدام تفوقها العسكري والمالي
لفرض ضغط يجعل إيران أكثر استعداداً للتفاوض، بينما تحاول
طهران استخدام موقعها الجغرافي وأوراقها الإقليمية لمنع تحويل
هذا الضغط إلى استسلام سياسي.
وبين الاستراتيجيتين يقف العالم أمام معادلة شديدة الخطورة:
كلما ارتفع سقف الضغط، ارتفعت أيضاً احتمالات سوء الحسابات
والانزلاق إلى مواجهة أوسع.
لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط: من يستطيع الضغط أكثر؟
بل أصبح: من يستطيع تحويل القوة التي يمتلكها إلى تسوية
تحفظ مصالحه، من دون أن يدفع المنطقة والعالم إلى حرب أطول
وأكثر كلفة؟..
علي أو عمو
كاتب من المغرب



