مع تشكيك في قدرات ترامب العقلية وضرر اقتصادي عالمي يفوق التوقعات:هل تخرج طهران من الحرب أكثر قوة؟

مع تشكيك في قدرات ترامب العقلية وضرر اقتصادي عالمي يفوق التوقعات:هل تخرج طهران من الحرب أكثر قوة؟
في منتصف الأسبوع، قبيل انتهاء وقف إطلاق النار، وقبل السماح لوفد إيران بالذهاب إلى باكستان، أعلن ترامب تمديد وقف إطلاق النار في الخليج حتى إشعار آخر. وأفادت مصادر في الإدارة الأمريكية لبراك ربيد، من “أخبار 12″، بأنه تمديد محدود، ويتراوح بين 3 – 5 أيام. بكلمات أخرى، ما زال خطر اندلاع حرب خليجية جديدة قائماً، إذ قد يؤدي تعثر المفاوضات إلى اندلاع موجة قتال أخرى في وقت مبكر في الأسبوع القادم.
مع ذلك، يبدو أن بإمكاننا التحدث عن أن ترامب يرغب في إنهاء هذه الحرب والتوصل إلى اتفاق. تكمن الصعوبة في اختلافات جوهرية بين مواقف الطرفين. ورغم أن الرئيس الأمريكي طرح بالفعل ترتيباً محتملاً يتمحور حول إخراج اليورانيوم المخصب وفرض قيود على حق إيران في التخصيب لمدة عشرين سنة (إيران مستعدة لمدة 5 – 7 سنوات). في المقابل، وعد ترامب بالإفراج عن أموال إيران المجمدة في الخارج (20 – 27 مليار دولار)، وهو ماسيوفر دفعة قوية لاقتصاد إيران المتعب. ولكن تصميم النظام في صورته الجديدة والمتشددة على محاولة انتزاع المزيد من التنازلات من الأمريكيين، قد يدفع الرئيس في نهاية المطاف إلى استئناف الحرب، التي يبدو أنه سئم منها.
إلى أن يحدث ذلك، سيبقى الصراع اقتصادياً في جوهره: حصار أمريكي في جنوب مضيق هرمز، رداً على إغلاق الإيرانيين للمضيق نفسه. وقد شاهد الجانبان القوة المدمرة للعقوبات الاقتصادية وتأثيرها التراكمي بعيد المدى على الأسواق. وتزداد التقديرات بالتدريج التي تقول بأن الضرر الحقيقي الذي لحق بالاقتصاد العالمي أكبر بكثير من التوقعات الأولية.
حتى لو تصاعد الصراع أكثر فمن غير المؤكد أن يؤدي إلى عملية برية للجيش الأمريكي على الأراضي الإيرانية. يصعب تصديق أن الرئيس يسعى إلى تكرار تجربة فيتنام أو العراق. كثيراً ما يعود ترامب إلى التهديد باستخدام قوته المفضلة: تدمير البنى التحتية المدنية والاقتصادية بشكل لم يشاهده العالم من قبل. وإذا تحقق هذا التهديد فسيكون التدمير من الجو وبمساعدة إسرائيل. ويسعى نتنياهو باستمرار إلى تحقيق ذلك. من المفروض أن تعيد هذه الخطوة إيران إلى طاولة المفاوضات بشروط أفضل، بعد إثبات التفوق العسكري الأمريكي مرة أخرى. ولكن الصعوبات ستبقى على حالها. فترامب يخوض حرباً لا تحصل على الشعبية في الداخل، ضد خصم عنيد لا يكترث جناحه المركزي بمعاناة الشعب وخسائر بلاده الاقتصادية. وقد أفادت التقارير في هذا الأسبوع بأن القوات الجوية الأمريكية تعاني من نقص حاد في الذخيرة، ما قد يؤثر على قدرتها على بسط نفوذها في ساحات أخرى في أرجاء العالم.
أما لافتة رفع الأعلام الأمريكية إلى جانب الأعلام الإسرائيلية على طول طريق القدس – تل أبيب السريع، التي ظهرت محرجة، فلن تساعد في شيء. ولم يكلف ترامب نفسه عناء زيارة إسرائيل، ولا حتى لتسلم جائزة إسرائيل من رئيس الحكومة. ربما يتعلق الأمر بالحالة المزاجية: فالحرب الممتدة تضعف شعبية الرئيس، حتى إن وسائل الإعلام المحافظة في أمريكا تنشر مقالات تشكك في قدرته الإدراكية والعقلية.
بصراحة، في جولة الحرب هذه يبدو أن الجنرال رافي ميلو، قائد قيادة المنطقة الشمالية، يتم تصويره كضابط لا يمكنه التهرب من قول الحقيقة الكاملة. ومثل قادة القيادات الإقليمية السابقين، يكتشف ميلو أن كل لقاء تقريباً بينه وبين المواطنين يتم تسجيله وتسريبه لوسائل الإعلام. عندها،تسعى وحدة المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي بجهد لطمس التناقض بين الخط الرسمي للحكومة وهيئة الأركان العامة وبين الواقع كما يراه أعلى ضابط في الساحة اللبنانية.
لقد مر تصريح ميلو الأخير مرور الكرام. ففي كلمة ألقاها في مراسم إحياء ذكرى يوم الشهداء في قرية “فراديم” في الجليل، قال الجنرال: “يوجد الآن مئات المقاتلين داخل لبنان ينفذون عمليات عسكرية ويشنون هجمات لإزالة أي تهديد من الشمال. لدينا القوة والعزيمة ونعرف المهمة جيداً، والعدالة حليفتنا”.
النقطة الهامة هنا تتعلق بمئات المقاتلين. حتى الأسبوع الماضي، كان الجيش الإسرائيلي يتحدث عن خمس فرق عسكرية تنتقل على الأرض في جنوب لبنان. كان هذا مبالغة كبيرة؛ ففي الواقع، نادراً ما أدخل الجيش وحدات احتياط إلى لبنان هذه المرة، وتحت قيادة كل فرقة عملت تشكيلات جزئية من فرق القتال التابعة للواء، معظمها من القوات النظامية. بعد وقف إطلاق النار الذي فرضه ترامب، غادر جزء كبير من القوات. وما زال الجيش الإسرائيلي يسيطر على خط من المواقع على التلال الموجودة على بعد 8 – 10 كم شمال الحدود الدولية مع لبنان، بهدف معلن وهو منع الصواريخ المضادة للدروع من إصابة البلدات على الحدود. ولكن حجم القوات وعبء المهمات انخفض بشكل كبير.
لذلك، تم ذكر مئات المقاتلين وليس آلاف أو عشرات الآلاف، كما اعتقد الإسرائيليون خطأ. وهذا بشكل غير مباشر هو أيضاً خلفية عمليات النهب واسعة النطاق في جنوب لبنان، التي كشف عنها ينيف كوفوفيتش في “هآرتس”. عندما تقل النشاطات ويختفي الشعور بالخطر، يجد الجنود الوقت للتورط.
اسألوا المحاربين القدامى في المنطقة الأمنية وحرب لبنان الأولى؛ فقد تفاجأ كثيرون منهم في بداية هذا الأسبوع عندما سمعوا أن الجيش يتفاخر بعملية وحدة “شلداغ” التي انتشرت على سلسلة جبال كريستوفاني، “في عملية خاصة قبل دقائق من وقف إطلاق النار”. في الواقع كان الجيش الإسرائيلي قد سيطر بالفعل على سلسلة الجبال عند سفح جبل الشيخ المتاخم لجبل دوف عدة مرات من قبل. ومشكوك فيه أن تكون هناك أي ميزة خاصة لتلك العملية.
الأمر نفسه ينطبق على ما حدث منذ أن أرسل الجيش الإسرائيلي القوات في بداية آذار. كانت المشكلة الرئيسية في حينه تتعلق بحجم القوات. فالقوات التي دخلت إلى القتال انتشرت بشكل غارات على مستوى كتائب على القرى في جنوب لبنان، لم تسيطر هذه القوات باستمرار على خط دفاع محدد، بل كانت تتحرك في المنطقة وخارجها حسب الحاجة. ويكمن خلف ذلك فهم – لا يقره الرأي العام في العادة – أن الوحدات النظامية ووحدات الاحتياط منهكة، وأنه لا يمكن تكليفها بمهمات طموحة جداً.
عاموس هرئيل
هآرتس 24/4/2026



