الصحافه

منكرين سياسة التجويع.. الإسرائيليون: نتهم الذكاء الاصطناعي واليمن.. و”موز الأنفاق”

منكرين سياسة التجويع.. الإسرائيليون: نتهم الذكاء الاصطناعي واليمن.. و”موز الأنفاق”

قليلة هي الظواهر التي تعتبر أكثر حقارة من نفي الهولوكوست. المنكرون قالوا إن المحرقة لم تحدث، وإذا حدثت فإن عدد ضحاياها كان قليلاً أو أنه لم تكن هناك غرف غاز. لقد أجروا القياسات وحصلوا على البيانات. الهولوكوست مؤامرة لابتزاز التعويضات والتعاطف. أدين منكروها في جميع انحاء العالم، واعتبروا معادين للسامية. وتم حبس المؤرخ البريطاني دافيد ارفينغ في النمسا وأصبح منبوذاً.
التشكيك أيضاً في أحداث 7 أكتوبر مدان إسرائيلياً، وكل من تجرأ على ذلك وصفوه لاسامياً. عندما قال جورج ووترز بأنه لا توجد أدلة على أعمال الاغتصاب وأن قصة إحراق أطفال في الأفران كانت كذبة إسرائيلية، تعرض للهجوم. مثله آخرون أشاروا إلى المبالغة في رواية إسرائيل.
موجة حقيرة من الإنكار تغرق إسرائيل في الأسابيع الأخيرة. هي من نصيب عدد كبير من الجمهور وتشارك فيها جميع وسائل الإعلام تقريباً. حاولنا التجاهل، والإخفاء، وغض النظر، واتهام حماس، والقول بأنه أمر يحدث في الحروب، وادعينا بأنه لا أبرياء في غزة، حتى وصلت نسبة الجرائم الإنسانية في غزة إلى ذروتها. عندما حل الموت تجويعاً، لم تكن هناك طريقة للنجاة إلا بالإنكار، الذي لا يقل حقارة عن إنكار الكارثة. ويشمل أيضاً إنكار نية الإبادة الجماعية والترانسفير المكشوفة.
هذا الإنكار مشروع في إسرائيل، وهو يمثل الاستقامة السياسية – لا يوجد جوع! لن يتم التشهير بأحد ولن يعاقب بسببه. التجويع في غزة مؤامرة لاسامية – إذا كان هناك جوع فسنتهم حماس. هذا ما يحدث عندما تنفد الذرائع والحلول. وهذا ما يحدث عند التدهور أخلاقياً إلى درجة أننا ننفي الجوع، رغم عرض صور الجائعين. استناداً إلى ماذا؟ وبأي حق؟
هناك 50 نوعاً من إنكارات إسرائيل، وجميعها حقيرة بنفس الدرجة. تتراوح بين غض النظر، والدهشة، والطمس، والإخفاء وحتى الكذب على الذات. كلها لها نفس الهدف، وهو التهرب من التهمة ومواصلة لعب دور الضحية وغناء “كم نحن جميلون”. المنكرون يأتون من كل شرائح المجتمع، بدءاً بالباحثين الإسرائيليين الأربعة الذين ألفوا كتاب “الإبادة الجماعية في حرب السيوف الحديدية”، الذي كشف عورته كل على حدة دانييل بلتمان ونير حسون (“هآرتس”، 25/7)، ومروراً بموزعة صحيفة “إسرائيل اليوم” التي قالت لي أول أمس بثقة إن صور الجوع كلها مأخوذة من “اليمن” أو من “الذكاء الاصطناعي”، وانتهاء بموريا اسرف، عملاقة أرض إسرائيل الكاملة، التي تقوم بإسكات ايمانوئيل الباز – فيلبز وكل المحررين في التلفاز الذين يخفون غزة.
الإنكار يرافق إسرائيل من أيام النكبة الأولى، بالقول إنها لم تكن ولم تحدث إلا في خيال كارهي إسرائيل، واستمر خلال سنوات الاحتلال والأبرتهايد. لا يوجد مجتمع في العالم يعيش في مثل هذا الإنكار الذاتي، بفضل وسائل الإعلام الحر. ولكن ما يحدث في الأسابيع الأخيرة، يسجل رقماً قياسياً في الحقارة. لا يوجد جوع في غزة. هناك شاحنات كثيرة جداً تنتظر. آباء الأطفال الذين يحتضرون، صحتهم جيدة. يوجد فيلم لأعضاء من حماس وهم يأكلون الموز في الأنفاق (تم تصويره قبل نصف سنة، ونشر الآن رجل دعاية الكذب الأول في الدولة، المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي)، يوجد في ذلك ما هو أحقر بكثير من التهرب من التهمة: ازدراء الضحية. احتقار الطفل الذي يحتضر في حضن أمه التي تحمل هيكله العظمي وتبكي. القول لها بأنه لا يوجد تجويع، فهذا احتقار لها وهي تتألم.
طوال سنوات، اعتقدت أنه حتى لو طرحنا جميع الصور الفظيعة على الإسرائيليين فسينفونها. جاء الدليل الآن: صور التجويع تملأ الشاشات وصحف العالم، لكن الإسرائيليين ينكرون. بأي ثقة يقولون إنها كاذبة، وإنه لا يوجد جائعون، وإن هناك موزاً، وإنه تم إدخال ثمانين شاحنة في اليوم. هكذا بالضبط تصرف البروفيسور روبر بورسن من جامعة ليون، الذي قال إنه -حسب حجم غرف الغاز- لم تحدث محرقة.
جدعون ليفي
هآرتس 27/7/2025

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب