من القنيطرة إلى دمشق… غضب سوري على وقع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين

من القنيطرة إلى دمشق… غضب سوري على وقع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين
منهل باريش
اتسعت رقعة التظاهرات في سوريا، فيما خصّصت غالبية خطب صلاة الجمعة للحديث عن تطورات الأوضاع في غزة، وقانون إعدام الأسرى في مؤشر على تصاعد حضور القضية في الخطاب الديني والشعبي.
تزامن التصعيد الإسرائيلي في ريف القنيطرة، خلال الأيام الأخيرة، مع اتساع رقعة الاحتجاجات في مدن سورية عدة، في مشهد وضع ملف الأسرى الفلسطينيين وغزة في صدارة التفاعل السوري، بين الشارع والبيانات والمواقف السياسية.
وشهد ريف القنيطرة الجنوبي، يوم الجمعة، تطورات لافتة تمثلت في استهداف مباشر من قبل الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، في ظل تحركات عسكرية غير مسبوقة على طول الشريط الحدودي.
وأفادت مصادر محلية بمقتل الشاب أسامة فهد الفهد، البالغ من العمر 17 عاماً، إثر استهداف سيارته بقذيفة دبابة إسرائيلية في منطقة الزعرورة قرب بلدة الرفيد جنوبي محافظة القنيطرة، ما أدى أيضاً إلى إصابة عدد من الأشخاص، وسط توجه سيارات الإسعاف إلى المكان لنقل الجرحى.
وبحسب مراسلين محليين، تزامن هذا الاستهداف مع تحركات مكثفة للآليات العسكرية الإسرائيلية، ولا سيما الدبابات، في محيط القرى الحدودية، في مشهد وُصف بأنه غير مسبوق من حيث الكثافة.
وفي أول موقف رسمي سوري، دانت وزارة الخارجية والمغتربين «بأشد العبارات» ما وصفته بـ«الجريمة التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي»، والمتمثلة في استهداف سيارة مدنية بقذيفة دبابة في قرية الزبورة بريف القنيطرة، ما أسفر عن استشهاد مدني.
واعتبرت الخارجية السورية أن الاعتداء «يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني»، ويعكس استمرار «السياسات العدوانية التي تستهدف المدنيين»، مطالبة المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته واتخاذ إجراءات فورية لوقف الانتهاكات المتكررة.
وفي موازاة ذلك، أعاد الجيش الإسرائيلي إغلاق عدد من الطرق الحيوية في ريف القنيطرة الجنوبي، بينها الطريق الواصل بين قريتي الأصبِح وكودنة، إضافة إلى طريق رويحينة المؤدي إلى الأراضي الزراعية غرب القرية، وكذلك طريق أم العظام ـ الشولي في ريف القنيطرة الغربي، عبر إقامة سواتر ترابية.
وترافقت هذه الإجراءات مع وصول تعزيزات عسكرية إضافية إلى المنطقة، شملت دبابات وآليات ثقيلة، وسط حالة من التوتر والخوف بين الأهالي، ومخاوف من اتساع رقعة التطورات الميدانية في الجنوب السوري.
وخلال الأسبوع، شهد ريف القنيطرة، بشقيه الشمالي والجنوبي، تطورات ميدانية متدرجة، عكست تنامياً في وتيرة التأزم على امتداد الشريط الحدودي مع الجولان المحتل، في ظل تحركات عسكرية إسرائيلية مكثفة ترافقت مع احتجاجات لافتة.
فمنذ مساء الثلاثاء وحتى ليل الأربعاء، حلّق الطيران الحربي والطائرات المسيّرة التابعة للجيش الإسرائيلي بكثافة في أجواء المنطقة، بالتزامن مع إطلاق قنابل مضيئة فوق عدد من البلدات القريبة من الحدود، ما أدى إلى إنارة السماء بشكل غير مسبوق، وسط حالة من القلق والترقب بين السكان.
ولاحقاً، سُجل توتر أمني في ريف القنيطرة الأوسط، حيث أُطلقت قنابل مضيئة في محيط سد أم العظام، تزامناً مع إطلاق نيران من قاعدة العدنانية القريبة، في مؤشر على تصاعد النشاط العسكري. وبحسب مراسلين محليين، لم تُسجل إصابات، غير أن حالة من الاستنفار والحذر سادت القرى المحيطة، مع استمرار التحليق العسكري.
وبالتوازي، شهد ريف القنيطرة تحركات احتجاجية، حيث توجه متظاهرون نحو المناطق المحاذية للشريط الحدودي، تنديداً بالسياسات الإسرائيلية، ولا سيما المتعلقة بالأسرى الفلسطينيين، مرددين هتافات غاضبة، بينها: «يا جولاني ويا حبيب.. اضرب، اقصف تل أبيب».
من الجامع الأموي إلى ساحات المدن
وامتدت الاحتجاجات إلى مدن سورية عدة، حيث شهدت حلب واللاذقية ودمشق ودرعا وقفات ومظاهرات حاشدة، عبّر المشاركون خلالها عن رفضهم لقانون إعدام الأسرى الذي أقره الكنيست الإسرائيلي.
وردد المحتجون شعارات منددة بالسياسات الإسرائيلية، من بينها: «وينك يا صلاح الدين.. دبحونا في فلسطين»، في تعبير عن اتساع حالة الغضب الشعبي والتضامن مع الفلسطينيين.
وشهدت دمشق ومحيطها مظاهرات في مخيم اليرموك ومخيمات سبينة ودنون وجرمانا والحسينية، فيما خرجت تحركات مماثلة في مدينة حلب، بما في ذلك ساحة سعد الله الجابري وجامعة حلب، إلى جانب دعوات للتظاهر في مدن أخرى مثل حماة واللاذقية.
ورفع المتظاهرون لافتات تدعو إلى نصرة الفلسطينيين وإلغاء القرار، مؤكدين الروابط الدينية والقومية بين الشعبين، ومشددين على مركزية المسجد الأقصى في الوجدان العربي والإسلامي، في حين استحضر بعض المشاركين تجارب الاعتقال في سوريا، في إسقاط مباشر على معاناة الأسرى الفلسطينيين.
وفي يوم الجمعة، اتسعت رقعة التظاهرات في سوريا، فيما خصّصت غالبية خطب صلاة الجمعة للحديث عن تطورات الأوضاع في غزة، وقانون إعدام الأسرى الذي أقره الكنيست الإسرائيلي، في مؤشر على تصاعد حضور القضية في الخطاب الديني والشعبي.
وشهدت العاصمة دمشق أبرز هذه التحركات، حيث انطلقت تظاهرات من محيط الجامع الأموي، وردد المشاركون هتافات داعمة للمقاومة، في تعبير عن حالة الاحتقان والتضامن مع الفلسطينيين.
كما نُظّمت وقفة تضامنية في ساحة الأمويين وسط دمشق، رفع خلالها المشاركون شعارات تندد بالسياسات الإسرائيلية وتدعو إلى نصرة غزة والأسرى.
من زاكية إلى درعا..
السلاح يدخل على خط الغضب
ولم يتوقف التفاعل عند الساحات، بل انتقل أيضاً إلى أوساط تحمل السلاح، مع ظهور بيانات مصورة لمسلحين محليين حملت رسائل تتجاوز الاحتجاج إلى التهديد الصريح.
وفي هذا السياق، خرجت كتيبة من الفرقة 60 في حلب، ليل الخميس، في مظاهرة راجلة تهتف ضد إسرائيل وتتوعدها، فيما تظاهر، يوم الجمعة، مقاتلون من الفرقة 54، في مؤشر على أن موجة الغضب من قضية الأسرى وغزة لم تعد محصورة في المجال الأهلي والمدني، بل امتدت أيضاً إلى تشكيلات عسكرية محلية.
وفي تطور متصل، تداول ناشطون عبر وسائل التواصل الاجتماعي تسجيلاً مصوراً يعود لمجموعة من أبناء مدينة زاكية في ريف دمشق، ظهروا فيه ملثمين، باستثناء شخص واحد كان مسلحاً، حيث وجّه أحد المتحدثين رسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حذّر فيها من استمرار ما وصفه بـ«العدوان على الأراضي المقدسة»، مطالباً بالإفراج عن الأسرى، ومتوعداً بالتصعيد في الجنوب السوري وإعلان المواجهة في حال عدم التراجع.
وفي التسجيل ذاته، قدّم متحدث ثانٍ نفسه على أنه من أبناء المدينة، معلناً «اتحاد» المشاركين ووقوفهم إلى جانب الفلسطينيين، في كلمة بدت معدّة مسبقاً، شدد فيها على ما وصفه بواجب نصرة الأسرى، وتضمنت دعوات إلى «النفير العام» ومناشدات للمسلمين في مختلف أنحاء العالم للتحرك.
وفي متابعة للتحقق من التسجيل، تقصّت «القدس العربي» هوية الأشخاص الظاهرين فيه، وتبيّن أنهم من أبناء مدينة زاكية، ومن مقاتلي «لواء العاديات» السابق، وهم معروفون لدى الأهالي في المنطقة.
كما تواصلت الصحيفة مع الناطق للبيان المصور، مجد نور الدين، وهو ناشط محلي، حيث أكد صحة البيان المنسوب للمجموعة، محذّراً في الوقت ذاته من «استثمارات مغرضة» تقوم بها بعض الجهات المحسوبة على «حزب الله» اللبناني، على حد تعبيره.
وعزا نور الدين، في اتصال مع «القدس العربي»، صدور البيان إلى ما وصفه بـ«الحمية والنخوة والغيرة على الدين والعرض والأراضي المقدسة»، إضافة إلى التضامن مع غزة والأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، الذين يواجهون خطر الإعدام بموجب القانون الجديد.
وفي السياق نفسه، أصدر مسلحون ملثمون بيانات في الطيبة قرب الكسوة بريف دمشق، وآخرون في جب الصفا بريف درعا، توعدوا فيها إسرائيل ورئيس حكومتها بنيامين نتنياهو، وطالبوا بالإفراج عن الأسرى.
حماس تحيي التحركات السورية
وفي هذا المناخ، التقطت «حماس» الإشارات السورية سريعاً، وتعاملت معها بوصفها تطوراً سياسياً وشعبياً يتجاوز حدود التضامن العابر.
فقد وجّه المتحدث باسم كتائب «القسام»، الجناح العسكري لحركة «حماس»، أبو عبيدة، تحية إلى الشعب السوري وجماهيره، على خلفية المظاهرات التي شهدتها عدة مناطق دعماً للمقاومة الفلسطينية ونصرةً للمسجد الأقصى والأسرى.
وقال أبو عبيدة، في منشور عبر قناته على «تليغرام» مساء الأربعاء، إن التحية تأتي «من قلب غزة العزة، ومن بيت المقدس وأكنافه»، موجهاً كلامه إلى «شعب سوريا الأبيّ، وجماهيره التي خرجت تهتف للمقاومة، ونصرة للأقصى والأسرى».
وأضاف أن «صوت» المتظاهرين وصل إلى غزة، معرباً عن فخره بهذا التحرك، ومؤكداً أن الآمال «معقودة بعد الله على الجماهير وعلى كل الأحرار»، ومشدداً على ثقته بأن «جماهير الأمة ستلتحم يوماً وتشق طريقها لتحرير المسرى والأسرى».
وفي موازاة ذلك، دعت حركة «حماس» جماهير الشعب الفلسطيني، إلى جانب شعوب الأمة العربية والإسلامية، والأحرار حول العالم، إلى ما وصفته بـ«النفير العام»، وتنظيم مسيرات غضب وفعاليات تضامنية خلال أيام الجمعة والسبت والأحد المقبلة، دعماً للمسجد الأقصى وتضامناً مع الأسرى الفلسطينيين.
وأكدت الحركة، في بيان صحافي، أن هذه الدعوة تأتي في ظل تصاعد الانتهاكات بحق المسجد الأقصى واستمرار إغلاقه، إلى جانب تشديد الإجراءات بحق الأسرى، بما في ذلك إقرار قانون الإعدام، في خطوة اعتبرتها تصعيداً خطيراً يستدعي تحركاً شعبياً واسعاً.
قانون الإعدام وإدانات فلسطينية وعربية ودولية
وكان الكنيست الإسرائيلي قد صادق نهائياً، مطلع الأسبوع الجاري، على قانون يقضي بفرض عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين، في خطوة أثارت إدانات عربية ودولية وتحذيرات من تداعياتها على الأوضاع في الأراضي الفلسطينية.
وأدانت وزارة الخارجية الفلسطينية القانون، واعتبرته «جريمة وتصعيداً خطيراً» في سياسات الاحتلال، مؤكدة أنه يأتي ضمن تشديد الإجراءات العقابية بحق الفلسطينيين.
وصوّت أعضاء الكنيست، في 30 آذار/مارس الماضي، بأغلبية 62 صوتاً مقابل 47، لاعتماد الإعدام شنقاً كعقوبة افتراضية بحق سكان الضفة الغربية الذين تدينهم المحاكم العسكرية بارتكاب ما تصفه إسرائيل بـ«أعمال إرهابية مميتة».
وبالتوازي مع ذلك، تواصل السلطات الإسرائيلية إغلاق المسجد الأقصى بشكل كامل منذ أواخر شباط/فبراير الماضي، ما حال دون إقامة صلاة عيد الفطر فيه للمرة الأولى منذ احتلال القدس الشرقية عام 1967، وسط استمرار الرفض الإسرائيلي لإعادة فتحه رغم الضغوط الدولية.
وقالت «منظمة العفو الدولية» إن إقرار القانون يعد «استعراضًا علنيًا للوحشية والتمييز»، محذرة من أنه قد يفتح الباب أمام تسهيل استخدام عقوبة الإعدام ضد الفلسطينيين، ومطالبة المجتمع الدولي بممارسة «أقصى الضغوط» لإلغائه فوراً.
تكشف هذه التطورات عن تداخل غير مسبوق بين التطورات الميدانية في الجنوب السوري والاحتجاجات المتسعة نصرةً لغزة والأسرى، في مشهد مفتوح على مزيد من التوتر والاحتمالات.



