تحقيقات وتقارير

نقاشات أردنية تبحث عن خلاصات: ما يحصل يشبه «بلع السكين»

نقاشات أردنية تبحث عن خلاصات: ما يحصل يشبه «بلع السكين»

بسام البدارين

عمان ـ : الأسباب التي تحول دون التنديد أردنيا وعربيا بما يسميه المزاج الشعبي عموما «العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران» قد تتوفر له أسس موضوعية وسياسية وأخرى عملياتية.
فكرة تلك الأسباب أن بروتوكولات الدفاع الجوي لكل الدول العربية وخصوصا تلك التي استهدفتها طهران بالصواريخ مرتبطة عملياتيا بحزمة برامج عسكرية الطابع مع الأمريكيين.
وجود سلاح أمريكي في ذراع أي دولة بالعالم وفقا للخبير العسكري الجنرال قاصد محمود ينطوي على «بعض القيود» التقنية والسياسية لاحقا.
ذلك عمليا صنف من التعقيدات العملياتية التي تردع برأي الناشط السياسي محمد الحديد، اتخاذ مواقف سياسية علنية ضد أي تصرفات عسكرية أمريكية حتى وإن خالفت أو تعاكست مع مصالح الدول التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية.
لا يعرف الرأي العام عموما مستوى التعقيدات العملياتية والارتباطات دفاعية الطابع التي تجبر بعض الدول وتحديدا العربية على اتخاذ مواقف سياسية في بعض المراحل الصعبة والمعقدة.
وما فهمته «القدس العربي» من الفريق محمود في التحليل الأبعد..»تلك التعقيدات تلازم عمليا الارتباط بالسلاح الأمريكي».
المسألة هنا غير مرتبطة بإسرائيل ولا يتوجب أن تكون كذلك بقدر ما هي مرتبطة بسلسلة بروتوكولات واتفاقيات تنظم عمل القواعد والقوات العسكرية الأمريكية في المنطقة.
والمعنى هنا أن الدول التي تستضيف القواعد وسلاحها أمريكي في أفضل الأحوال تستطيع الاحتجاج فقط والصراخ إن أرادت على توريطها في حرب مع دولة إقليمية كبيرة مع إيران فقط في الغرف المغلقة.
عملياتيا وبعد ثبوت تلقي ضربات نيابة عن الأمريكيين، الواضح والملموس هو أن الفرصة غير متاحة لا لإصدار بيانات تصف ما يحصل بأنه عدوان أو تظهر تعاطفا من أي وزن مع الإيرانيين وهو ما لاحظه مخاطبا السفراء العرب في موسكو وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف عندما سأل عن أسباب عدم صدور بيان عربي يستنكر «قصف مدرسة إيرانية».
التصور أن الصراخ متاح فقط خلف الستائر بالرغم من القناعة التامة بأن حكومة اليمين الإسرائيلي المتطرفة في تل أبيب هي التي جرت وتجر المنطقة إلى مثل هذا التصعيد حاليا ومرحليا.
ما يقدره الناشط الحديد أن استضافة قواعد عسكرية أمريكية بموجب بروتوكولات لم تستشر الشعوب فيها أساسا ولا تتميز بأي شفافية أصبح أقرب إلى سيناريو ابتلاع السكين في الحنجرة العربية.
إخراج هذه السكين صعب خصوصا في توقيت الحرب، والاعتراض على وجودها مقتصر على القوى غير الفاعلة أو النخب والمجتمعات غير مطلوب منها لا التوازن ولا التخطيط الإستراتيجي.
ومن هنا يحاجج التيار الإسلامي الأردني مثلا بأن إقامة قواعد عسكرية للأمريكيين لم يخدم الأمن القومي الوطني الأردني خلافا لأن تلك القواعد برأي النائب صالح العرموطي مخالفة للدستور في الواقع واتفاقياتها لم تخضع لنقاشات وشرعنة مجلس النواب أو من يمثلون الشعب.
الأرجح أن التشكيك بنوايا الأمريكيين العسكرية في المستوى الرسمي أو النخبوي أو الشعبوي لا يفيد في تغيير الوقائع والحيثيات.
الحرب التي عاقبت بموجبها إيران بعض الدول العربية تبدل في كل المعطيات على حد تعبير الحديد، وتنتج أساسا لاحتمالات الصدام بين أجندة إسرائيل والولايات المتحدة ومصالح الدول العربية والأردن بينها.لا بل صدام مباشر مع فكرة أمن واستقرار المنطقة في ظل مغامرات تنجر لها الولايات المتحدة حتى توفر الحماية لليمين الإسرائيلي المتطرف الذي يتقدم علنا بخطط توسعية إسمها إسرائيل الكبرى، تشمل السيطرة التامة على «دول الخليج» وفقا للأكاديمي الأردني الدكتور غازي ربابعه.
بلع السكين هنا توصيف قد لا تعوزه الدقة والموقف محرج لأن بعض العواصم العربية في النتائج دفعت ثمن ليس خصومتها مع إيران بل استضافة قواعد عسكرية أمريكية في أراضيها.
ولأن طهران في لحظة انفعال ورد فعل بعد قتل المرشد الأعلى وأكثر من 40 قائدا، وجدت في القواعد العسكرية على الأراضي العربية موقعا يمكن استهدافه بما في ذلك قاعدة موفق السلطي في الأردن.
لذلك وبسبب تعقيدات غرف العمليات وما تؤسسه من وقائع وتطلبه من التزامات أصبح الصراخ ضد إيران والأمريكيين معا هو اللهجة المعتمدة.
الموقف في نقاشات الأردنيين عموما حرج وواشنطن تريد إخضاع طهران بتحريض من تل أبيب والعواصم العربية دفعت الثمن بعدما تكسرت قواعد اللعبة في قراءة السياسي الأردني الدكتور ممدوح العبادي، حيث اكتشف الجميع بأن الحضور العسكري الأمريكي لا يوفر الحماية للأنظمة العربية وما أنجزته طهران في الحرب هو أنها تؤشر بخمسة أصابع على الأقل على مثل تلك الرسالة.
تعقيدات الحرب العملياتية لا يبدو انها بصدد الانحسار والتراجع قريبا خصوصا إذا ما تحولت الحرب إلى مفتوحة تماما وأخفقت فلسفة خفض التصعيد.
المفارقات الملغومة موجودة بكثافة في غرف العمليات، فأوساط القرار في العواصم العربية لا تثق بالإيرانيين، والأمن القومي العربي قد ينكشف لهم إذا ما خرجت القواعد العسكرية الأمريكية من اللعبة، فيما الاستسلام للمنطق الإسرائيلي أيضا أقرب إلى خيار انتحاري سياسيا والأسوأ أن الرهان على برتوكولات البنتاغون لم يعد يضمن الأمن.
خفض التصعيد هو التقنية الوحيدة التي تتضمن وقفة تأمل ومراجعة بدون صواريخ…هذا حصرا ما يركز عليه الخطاب الأردني.

«القدس العربي»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب