الصحافه

هآرتس: “سنقرر في غضون أسبوعين”.. ترامب يستأنف “لعبة التضليل” ونتنياهو بلا استراتيجية خروج

هآرتس: “سنقرر في غضون أسبوعين”.. ترامب يستأنف “لعبة التضليل” ونتنياهو بلا استراتيجية خروج

ربما يكون متردداً إزاء العملية التي تقف بشكل متناقض مع ميوله السياسية الأساسية، وربما يستمتع بالاهتمام الكبير الذي يخلقه تردده الدراماتيكي منذ بضعة أيام. ولكن حتى أمس، لم يعلن الرئيس الأمريكي ترامب بشكل واضح عن قراره حول زيادة التدخل الأمريكي في الحرب بين إسرائيل وإيران. إسرائيل تتوسل للأمريكيين للانضمام للهجوم، بالأساس استغلال قدراتها لقصف من الجو المنشأة النووية المحمية في فوردو، بعمق 90 متراً تحت الأرض.

ما زال نتنياهو يبث التفاؤل حول احتمالية إقناع ترامب بالقيام بهذه الخطوة، التي بدونها ستكون نتيجة ضرب المشروع النووي ضئيلة جداً. إذا فشلت جهود الإقناع فربما تعمل إسرائيل وحدها، وهي تعرف بأن الإنجاز سيكون جزئياً فقط. بدون التدخل الأمريكي، ثمة احتمالية لتدهور إلى حرب استنزاف مع نظام متصلب، الذي يعلن الآن أن لا نية للاستسلام لديه.

ترامب عقد في الأيام الأخيرة سلسلة مشاورات مستعجلة، وأكثر من تصريحاته وتغريداته المهددة للنظام في إيران. أرسل الإيرانيون وزير الخارجية عباس عراقجي إلى جنيف لإجراء محادثات مع وزراء خارجية ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، وعبروا عن الاستعداد لاستئناف المفاوضات المباشرة مع الولايات المتحدة. ربما سيبقي الرئيس الأمريكي بضعة أيام أخرى للمحادثات، رغم أنه يعبر عن يأسه من المحادثات. حتى الآن، ثمة إغراء كبير بالنسبة له للانضمام إلى العملية الإسرائيلية التي تبدو ناجعة، لينسب لنفسه الفضل لاحقاً هزيمة إيران في الحرب، أو فرض اتفاق جديد بشروط أكثر تطلباً من ناحيتها. المتحدثة بلسان البيت الأبيض قالت أمس إن “الرئيس سيقرر في غضون أسبوعين” من أجل إعطاء فرصة للمحادثات. هذا لا يبدو كجدول زمني معقول في ذروة حرب، وهو ما يزيد الشك بأن الأمر ربما يتعلق بتضليل. “تعالوا نلقي القنبلة الأكبر ونشاهد ما سيحدث”، كتب راندي نيومان ذات مرة في السبعينيات، وكأنه تنبأ بأيام الرئيس الأمريكي الأكثر غرابة. في الواقع، يفكر ترامب بإلقاء قنابل ضخمة تقليدية وليس قنابل نووية، لكن حتى شاعر عبقري مثل نيومان لم يستطع التنبؤ بواقع يصلي فيه السفير الأمريكي في إسرائيل علناً لدخول ترامب في الحرب، وخيبة أمل الرئيس بسبب العرض العسكري الباهت الذي أجبر الجيش على إقامته بمناسبة عيد ميلاده بأنه أحد الاعتبارات الذي قد يقنعه بالقصف.

يحدث وراء الكواليس صراع شديد بين الصقور والحمائم في الإدارة الأمريكية. الأمنيون القلائل الذين بقوا حول ترامب في ولايته الثانية يسعون إلى القصف، وهكذا أيضاً المستوى العسكري. رجال الماغا (لنجعل أمريكا عظيمة ثانية)، يتمسكون بالمواقف الانعزالية. نائب الرئيس جي دي فانس، من كبار الانعزاليين، اختار مع ذلك الدفاع عن ترامب في تغريدة مطولة في تويتر أول أمس، وأكد أن الرئيس يعارض امتلاك إيران سلاحاً نووياً منذ عشر سنوات، وأنه أجرى مفاوضات مع الإيرانيين بهدف التوصل إلى صفقة، وهو يصمم على منعهم أيضاً من إمكانية تخصيب اليورانيوم لأغراض مدنية. عبر فانس عن ثقته بحكمة ترامب. هذا صراع يحدث خارج منطقة نفوذ إسرائيل، باستثناء نتنياهو وربما الوزير رون ديرمر. العلاقة مع المستوى المهني في البنتاغون ووزارة الخارجية مشوشة، فقد بقي هناك القليل من الخبراء، الذين درجة تأثيرهم على ترامب ضئيلة وربما معدومة.

حتى الآن، إيران تحذر التورط في استفزاز مباشر من خلال مهاجمة القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط؛ لعدم دفع ترامب إلى الرد. ومن الواضح لإسرائيل بأنه بدون انضمام الولايات المتحدة فإنه، تنقصها قدم مهمة في خطواتها الهجومية، خاصة في فوردو. يقدر خبراء أمريكيون بأنه هجوم إسرائيل المشروع النووي أعاد نصف سنة إلى الوراء حتى الآن. هناك خلافات حول أي تأجيل سيحققه قصف فوردو من الجو. المتفائلون يعتقدون أن الأمر يتعلق بتأجيل لسنتين تقريباً. المتشائمون يتحدثون عن بضعة أشهر. هناك خشية من مراكمة الإيرانيين قدرات نووية في أماكن محمية أخرى بعيدة عن أعين الاستخبارات. على أي حال، ثمة فجوة كبيرة بين قدرة أمريكا على اختراق التحصينات بإلقاء قنابل إلى الأعماق وبين قدرة إسرائيل. هذه الفجوة كما وصف لي، تتراوح بين القضاء كلياً على المنشأة وبين خدش أطرافها (صحيفة “الغارديان” البريطانية أعربت أمس عن شكها في قدرة أمريكا، وزعمت بوجود علامات استفهام حول قدرة اختراق هذه القنابل الموجودة لدى الولايات المتحدة).

مقطوعو الاتصال

هذا كان كما يبدو الأسبوع الأكثر قسوة في حياة الزعيم الأعلى الإيراني علي خامنئي منذ ورث الخميني في 1989. الزعيم مضغوط، معزول، فقد معظم رؤساء أجهزة الأمن الذين عملوا معه خلال عشرات السنين، مخضرمو الحرب الطويلة والدموية مع العراق في الثمانينيات. ولكن إسرائيل تقدر في هذه الأثناء بأن خامنئي عنيد ومصمم ولا نية له للتراجع أمام الطلبات الإسرائيلية والأمريكية.

إسرائيل تتسلى أكثر بفكرة إسقاط النظام، مثلما ظهر ذلك بوضوح في خطابات نتنياهو وفي تصريحات مخجلة لوزير الدفاع يسرائيل كاتس، الذي هدد أمس علناً أثناء زيارته في ساحة الدمار في حولون حياة خامنئي وسماه بـ “هتلر العصر”، وقال إن “ديكتاتوراً مثله لا يمكن أن يبقى على قيد الحياة”. إلى جانب أقوال الهراء، من المثير أن وزراء الحكومة يتجولون مرة أخرى في الخارج بدون خوف بعد أن تم منعهم تقريباً من أي اتصال مع جمهور غير مغربل تماماً منذ المذبحة في 7 أكتوبر. من المرجح أنهم يعتقدون أن شعورهم بالنجاح سيخفف غضب الجمهور بسبب الإخفاقات التي جلبها هجوم حماس في بداية الحرب.

شوهد نتنياهو أكثر فأكثر من قبل الجمهور. أمس، خرج إلى ساحة سقوط أخرى في مستشفى سوروكا في بئر السبع، لكنه أظهر مرة أخرى انغلاقاً يدل على ابتعاد كبير بينه وبين المواطنين، حيث قال: “هناك أشخاص قتلوا، كل منا يحمل ثمناً شخصياً… يلغي ابني افنير حفل زفافه بسبب تهديد الصواريخ”، قال، ولم ينس كالعادة مدح بطولة زوجته. رئيس الحكومة ليس الوحيد في الفقاعة، فهيئة الأركان غارقة هي الأخرى في نجاحات الهجوم، ولا تستمع لقلق المواطنين.

دعم الجيران 

في خلاف تام للحرب التي طالت بدون حاجة في قطاع غزة، حصلت إسرائيل على دعم دولي واسع جداً (ليس معلناً دائماً)، لعملياتها في إيران. مع الانتقاد الدولي لحكومة إسرائيل، تعتبر إيران وبحق في المجتمع الدولي عاملاً خطيراً مع نوايا شريرة. إذا نجحت إسرائيل في إبعاد التهديد النووي الإيراني، فهذه بشرى جيدة للأوروبيين، وبالتأكيد للدول السنية في الشرق الأوسط. ثمة جهات رفيعة في الدول الجارة تقول لنظرائها الإسرائيليين عبر قنوات سرية: “فقط استمروا”، بالضبط مثلما فعلوا في الحرب مع حزب الله في 2006 و2024.

هذه الاتصالات يرافقها تقدير كبير للإنجاز العملياتي والاستخباري الإسرائيلي، ولكن أيضاً ترافقها التخوفات: زعماء الدول الجارة لا يريدون أن يجر نتنياهو المنطقة إلى حرب استنزاف دموية أخرى بدون تحقيق نهاية سريعة بعقد اتفاق. والحرب الطويلة قد تعرض مواقع النفط في دول الخليج للخطر، خاصة إذا بدأت إسرائيل بجهد ممنهج لتدمير مواقع مماثلة في إيران. ومن المرجح أن يكون هناك أمران مؤكدان من الآن فصاعدا: زيادة مبيعات أنظمة السلاح الإسرائيلية في الشرق الأوسط وفي أنحاء العالم بعد إثبات نجاعتها ضد إيران. وسيبقى حساب إيران مع إسرائيل مفتوحاً لسنوات كثيرة، على افتراض بقاء النظام في طهران. وسيبقى على كبار المسؤولين الإسرائيليين النظر وراء أكتافهم لسنوات كثيرة في دول كثيرة، ربما باستثناء الولايات المتحدة.

عاموس هرئيل

هآرتس 20/6/2025

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب