
هناك مقدمات للرحيل…
بقلم حسين عبدالله جمعه
عندما تنضج فكرة ابتعادهم،
يكونون قد فرشوا الطريق منذ زمن
بعلاقاتٍ مستجَدّة، وأماكن مستحدَثة،
يتوهّمون أنّها ستمنحهم بريقًا مختلفًا
وتحرّرهم من أثقالٍ لا يريدون رؤيتها…
والحقيقة أنّهم يهربون لا إلينا ولا منّا،
بل من مرايا تعكس عيوبهم،
ومن صدقٍ لا يُجيدون احتماله.
يبحثون عن عالمٍ جديدٍ يجمّل نقصهم،
وعن انتصاراتٍ زائفة تعوّض هشاشتهم.
ومن قرّر الرحيل… سيرحل.
سيبحث، كما كلُّ هارب،
عن ألف سبب، وألف ذريعة:
همسةٌ يقول إنها أثقلت روحه،
نظرةٌ يزعم أنّها كسرت انسجامه،
كلمةٌ يفسّرها كما يشتهي،
لينسج منها شمّاعة يعلّق عليها قراره المبيّت.
وقد تعلّمنا مع العمر
أنّ الناس متشابهون،
لكننا نغترّ أحيانًا ببعضهم،
نمنحهم صورةً أرقى مما يحتملون،
حتى نفاجأ بأنّ كلّ إخلاصهم
لم يكن إلا لأنانيتهم،
وكلّ وفائهم
لم يكن إلا لمصالحهم.
أما نحن…
نقف حيث تركونا،
نحمل الانتظار بصبرٍ يشيخ معنا،
وفي كل يومٍ نقول:
“ربما يأتون.”
لكن الأيام أقوى من قلوبنا،
والانتظار نفسُه… له نهاية.
فالذي يطول وقوفه يتغيّر،
يهدأ في داخله شيءٌ ما،
ويشتد شيءٌ آخر.
ندرك أننا لسنا مرساة لأحد،
ولا بوابةً مفتوحة إلى الأبد.
ومهما كان القرار صعبًا،
فالتغيير حين يكتمل…
لا يعيدنا إلى ما كنّا عليه.
هناك لحظةٌ في العمر
نتجاوز فيها نقطة اللاعودة،
لا غضبًا،
ولا انتقامًا،
بل نضجًا…
وتقبّلًا بأن من ابتعد باختياره
لن يعود إلينا كما يتمنى،
ولا نحن سنعود إليه كما كنّا.
لا شيء يدوم…
إلا الطيبة والمحبة والوفاء والإخلاص.
أمّا من تتساقط أخلاقه،
فسيتلاشى أثره مهما علا صوته.
ويبقى الجميل فقط
هو ما نحمله في داخلنا
لا ما ننتظره من الآخرين.
حسين عبدالله جمعه
سعدنايل لبنان




