هندسة الوعي الجمعي الإسرائيلي نحو عدو دائم، يبرر الحرب الدائمة ويبقي الائتلاف الحاكم في السلطة. بقلم مروان سلطان – فلسطين 🇵🇸
بقلم مروان سلطان – فلسطين 🇵🇸

هندسة الوعي الجمعي الإسرائيلي نحو عدو دائم، يبرر الحرب الدائمة ويبقي الائتلاف الحاكم في السلطة.
بقلم مروان سلطان – فلسطين 🇵🇸
14.11.2025
—————————————————
أحد الأسباب الرئيسية التي أطالت عمر الحكومة الإسرائيلية اليمينية الحالية هو حالة التوتر والعنف التي سادت المنطقة منذ السابع من أكتوبر. فقد عمل نتنياهو وائتلاف اليمين الاسرائيلي على تسويق فزاعات متعددة للجمهور الإسرائيلي، على الجبهات مع غزة ولبنان وسوريا والمحور الإيراني. وبعد الهدوء النسبي الذي ساد على جبهة غزة عقب وقف إطلاق النار مع غزة، أظهر استطلاع للرأي في إسرائيل تراجع الائتلاف الحكومي وتقدم أحزاب المعارضة، مما دفع اليمين إلى تبني سياسات جديدة تقوم على خلق أخطار وتهديدات وجودية تُبقي الجمهور الإسرائيلي في حالة خوف وقلق دائمين، وهو ما يضمن بقاء الحكومة في سدة الحكم.
وفي هذا السياق، يتجه المشهد الأمني الإسرائيلي نحو مزيج من التهيؤ للتهديد الخارجي والداخلي في آن واحد. فليس ما يجري صدفة، بل هو نتاج استنتاجات استخباراتية وسياسية تهدف إلى ضبط الساحة الداخلية وتحصين المواقع الاستراتيجية للمستوطنات والحدود. وإذا قبلنا افتراضا ، وهذا من غير المعقول في اسرائيل التي تحت غطائها وبصرها تتم عمليات من هذا النوع ادا تمت لتحقيق اهدافها، فان الاعلان عن وجود تهريب واسع أو انتشار أسلحة داخلية، فإن أول العبر هو أن إسرائيل تعمل على أن تكون قادرة على الانتقال السريع من حالة الدفاع إلى الهجوم، عبر استخدام سلاح الجو لضرب نقاط تراها مصدر تهديد أو تجمعات فلسطينية قد تعيق خطوط التواصل، والذي مؤكدا ان نتائجه كارثية اينما تم استخدام سلاح الطيران في الوسط العربي والفلسطيني، بحجة الدفاع عن نفس ، وبمع التهديد الوجودي للدولة الاسرائيلية.
ومن هنا، أعلن الإعلام الإسرائيلي أن سلاح الجو أجرى مناورات عسكرية شملت أهدافًا مدنية في الأغوار على الجانبين الأردني والفلسطيني، كجزء من استخلاص العبر من هجوم السابع من أكتوبر. والهدف المعلن هو تنفيذ وتيرة نيران عالية في حال انهيار القيادة والسيطرة أثناء عملية اقتحام واسعة، وهو تطور يعكس ذهنية عسكرية مهووسة بالسيطرة المسبقة على كل الاحتمالات.
بالتوازي مع ذلك، يواصل الإعلام اليميني الإسرائيلي عبر منابر مثل صحيفة “الصوت اليهودي” نشر روايات عن تهريب أسلحة عبر الحدود المصرية إلى الوسط العربي، وخاصة بين البدو والفلسطينيين في الداخل. وتذهب هذه التقارير أبعد من ذلك، إذ تزعم أن هناك عمليات تهريب نوعية تقلب التوازن الاستراتيجي في المنطقة، وتنقل أسلحة من إيران إلى الضفة الغربية، مدعية أن في الوسط العربي والفلسطيني أكثر من مليون قطعة سلاح.
ويضيف التقرير ذاته أن أكثر من مئة طائرة مسيرة ثقيلة تعبر الحدود يوميًا، تحمل في كل رحلة نحو مئة كيلوغرام من العتاد العسكري، وأنه في عيد رأس السنة العبري وصلت حوالي 150 طائرة مسيرة إلى الحدود. ووفق تقديرات عسكرية إسرائيلية، فإن هذا الحجم من التهريب يؤهل لتشكيل “جيش كامل” في الضفة الغربية، وأن المسلحين الفلسطينيين “جاهزون” لخوض ما تسميه أجهزة الأمن الإسرائيلية “حرب يوم القيامة”.
هذه اللغة التحريضية ليست بريئة؛ فهي جزء من خطاب التعبئة الجماهيرية الذي يغذي الخوف داخل المجتمع الإسرائيلي، ويدفعه نحو القبول بإجراءات قمعية جديدة ضد المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل والضفة. كما أنها تُوجّه رسائل سياسية مبطنة إلى كل من مصر والأردن، مفادها أن عليهما تعزيز التنسيق الأمني تحت طائلة الاتهام بالتقصير في ضبط الحدود.
وفي نهاية المطاف، سواء كانت تلك التقارير حقيقية أم مفبركة، فإنها تمثل مادة سياسية دسمة توظفها الحكومة الإسرائيلية لإثبات أن العرب هم “العدو الداخلي”، ولتبرير توسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية وشنّ عمليات واسعة في المناطق العربية. وبذلك يتحول الشعور بالتهديد الوجودي إلى وسيلة لبسط السيطرة على الأرض وتبرير سياسات التهجير تحت غطاء الأمن. في الجوهر، تسعى إسرائيل إلى إبقاء المجتمع الاسرائيلي في حالة خوف دائم، لأن الخائف لا يسأل عن العدالة، ولا يطالب بالمحاسبة. فكلما ارتفع منسوب القلق الداخلي، ازداد التفاف الجمهور حول السلطة التي تدّعي حمايته. وهكذا يتحول “التهديد الوجودي” إلى سياسة بقاء، لا وسيلة دفاع. إنها إستراتيجية تضمن استمرار السيطرة على الأرض، وتُخفي وراءها مشروعًا أعمق يقوم على إعادة هندسة الوعي الجمعي الإسرائيلي نحو عدو دائم، يحافظ على السلطة الحاكمة ويبرر الحرب الدائمة.





