واشنطن بوست: 2025 عام تصاعد الصراعات في ظل حروب غزة وأوكرانيا والسودان

واشنطن بوست: 2025 عام تصاعد الصراعات في ظل حروب غزة وأوكرانيا والسودان
في عام 2025 بلغ العنف المرتبط بالصراعات مستويات قياسية، مع اتساع الحروب وتراجع القيود التي كانت تكبحها، فيما دفع المدنيون الثمن الأكبر من الشرق الأوسط إلى أوروبا وأفريقيا.
وفي تقرير للصحافية سوزانا جورج، ترسم “واشنطن بوست” صورة لـ”الوضع الطبيعي الجديد” في النزاعات العالمية، حيث تتزامن حروب غزة وأوكرانيا والسودان مع بؤر توتر أخرى تزيد المشهد اضطراباً وتُعقّد مسارات السلام.
شهد عام 2025 مستويات مرتفعة من العنف المميت حول العالم، مع اتساع رقعة الصراعات وتراجع القيود التي كانت تكبحها، فيما بات المدنيون على نحو متزايد ضحايا لهجمات تشنها حكومات وجهات مسلحة من غير الدول على حد سواء، وفق بيانات رصد ومتابعة. وفي خضم هذا الاضطراب، ما زالت جهود صنع السلام بالغة الصعوبة، بينما تتجه صراعات ظلت كامنة لسنوات في مناطق عدة إلى الانتشار والتوسع.
وتصف منظمة “بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة” (ACLED)، وهي جهة رصد مقرها الولايات المتحدة، تزامن اندلاع عدة حروب قاسية في الوقت نفسه بأنه أصبح “الوضع الطبيعي الجديد” للصراع العالمي. وتشير المنظمة إلى أن البيئة الأكثر عنفاً تغير طبيعة الحرب نفسها، إذ باتت الحكومات والجماعات المسلحة التي تستخدم القوة “أقل ضبطاً للنفس مما كانت عليه في أي وقت خلال العقود الأخيرة”. وعلى الرغم من أن مستوى النزاعات بقي مستقراً نسبياً، فإنه ظل عند معدلات مرتفعة بعد سنوات من التصاعد المتواصل.
وبحسب بيانات ACLED، أسفر العنف المرتبط بالصراعات خلال 2025 عن مقتل أكثر من 240 ألف شخص حول العالم. وسجلت أوروبا أكبر زيادة في العنف مدفوعة باستمرار الحرب الروسية على أوكرانيا. وفي الشرق الأوسط، ظل العنف عند مستويات مرتفعة رغم دخول عدة اتفاقات لوقف إطلاق النار حيز التنفيذ بصورة متعثرة.
كانت غزة وأوكرانيا والسودان من بين أكثر ساحات القتال دموية خلال 2025. وفي ميانمار، استمرت الحرب الأهلية في الاستنزاف بلا أفق واضح. كما أسهمت “ومضات” صراع في مناطق أخرى في تكريس نمط العنف العالمي المستدام، بينها حرب إسرائيل وإيران في يونيو، وحرب الهند وباكستان في مايو. وشهدت تايلاند وكمبوديا أيضاً اشتباكات، مع عودة العنف بين البلدين إلى الواجهة في أواخر العام.
ويرى إيان بريمر، رئيس ومؤسس “يوراسيا غروب” المتخصصة في المخاطر السياسية، أن عاملاً رئيسياً وراء ارتفاع مستوى الصراع عالمياً هو قرار الولايات المتحدة التراجع عن دورها بوصفها “المنفّذ” لقواعد النظام الدولي القائم على القواعد. وقال بريمر إن “هناك فراغاً أكبر”، بعدما انسحبت إدارة الرئيس دونالد ترامب بشكل أحادي من بعض الهيئات الدولية وقلّصت دعمها لهيئات أخرى.
وأضاف: “من دون ذلك، هناك كثير من الجهات السيئة، ودول مارقة، وفاعلين من غير الدول، يشعرون بأن لديهم قدراً أكبر من الإفلات من العقاب ليفعلوا ما يشاؤون في بيئة كهذه”.
ومع ذلك، فإن صعود مستويات الصراع العالمي يعود إلى ما قبل الولاية الثانية لترامب. فلعقود، أسهمت قوى من غير الدول -من جماعات مسلحة وتنظيمات متطرفة- في دفع النزاعات، من “القاعدة” إلى تنظيم “الدولة الإسلامية” في العراق وسوريا. كما أدت تحولات موازين القوى عالمياً إلى نشر الصراع على نطاق أوسع، مع احتدام تنافس القوى الكبرى عبر أطراف ووكلاء، وفق محللين وجهات رصد.
وفي ولايته الثانية، سعى الرئيس دونالد ترامب إلى بناء إرثه كصانع سلام، في مسعى لنيل جائزة نوبل. ويقول إنه أنهى قائمة متزايدة من الصراعات، إلا أن دوره في بعض هذه الملفات لا يزال محل جدل، أو أن العنف عاد للواجهة من جديد.
أقل ضبطاً للنفس
تُعد الحرب في أوكرانيا الأكثر دموية في 2025، وفق ACLED، إذ قُتل ما يقارب 78 ألف شخص. وتصاعد العنف مع دفع القوات الروسية لانتزاع مزيد من الأراضي على امتداد الجبهة الشرقية، وتكثيف ضربات الطائرات المسيّرة ضد المدن الأوكرانية.
وأطلقت روسيا أسراباً من مئات الطائرات المسيّرة التي بات اعتراضها أكثر صعوبة، وأصابت الهجمات مجمعات سكنية ومباني حكومية وشبكة الطاقة، ما أغرق مناطق واسعة في الظلام خلال أشهر الشتاء الباردة.
وفي بعض الحالات، بدا أن الهجمات الروسية تتزايد في اللحظات التي كانت محادثات السلام تكتسب زخماً. لكن المكاسب الإقليمية المحدودة التي حققتها موسكو في إقليم دونيتسك شرقي أوكرانيا جاءت بكلفة باهظة. فقد كلفها التقدم البطيء خلال 2025 أكثر من 200 ألف جندي بين قتيل وجريح، مقابل السيطرة على أقل من 1% إضافي من الأراضي الأوكرانية.
وفي الشرق الأوسط، الذي ظل منطقة عالية الصراع، دخلت اتفاقات وقف إطلاق نار مهمة حيز التنفيذ في 2025، لكنها غالباً لم تنجح في خفض العنف إلى مستويات متدنية بشكل كامل. فمنذ موافقة إسرائيل على وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر، واصلت تنفيذ ضربات منتظمة ضد أهداف تقول إنها تابعة لـ”حماس”، بينها ضربة الشهر الماضي استهدفت بحسب الرواية الإسرائيلية، أحد كبار قادة الحركة.
أما وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران الذي أنهى حرباً استمرت 12 يوماً في يونيو، فيبدو أنه صمد إلى حد كبير، غير أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يُقال إنه متحمس لشن ضربات إضافية داخل الأراضي الإيرانية، معتبراً أن طهران تعيد بناء برنامجها للصواريخ الباليستية. وقد حذر ترامب إيران هذا الأسبوع من أنه سيدعم مثل هذه الضربات إذا حاولت طهران إعادة البناء.
وفي لبنان، بقي وقف إطلاق النار بين إسرائيل و”حزب الله” سارياً طوال عام 2025، لكن إسرائيل واصلت شن هجمات على الأراضي اللبنانية، بما في ذلك ضربات متعددة استهدفت العاصمة بيروت. ويخشى كثيرون في لبنان أنه بعد أشهر من عنف منخفض الوتيرة، قد يصبح الرجوع إلى حرب شاملة أمراً لا مفر منه. كما يبدو أن مناخ عدم اليقين يعقد جهود الجيش اللبناني لنزع سلاح “حزب الله”، إذ يرفض الحزب تسليم سلاحه على نطاق واسع، قائلاً إن البلاد لا تزال في حالة حرب.
وفي السودان، يُعتقد أن “قوات الدعم السريع” قتلت مدنيين في 2025 أكثر من أي جهة مسلحة غير حكومية أخرى. وبرزت بعض أكثر الاتهامات فداحة بشأن سقوط مدنيين بعد دخول مقاتلي الدعم السريع إلى مدينة الفاشر في أكتوبر. وروى شهود قابلتهم واشنطن بوست تفاصيل عن عمليات قتل جماعي واغتصاب واسع وتعذيب. وفي إحدى الوقائع، وصل ما لا يقل عن 200 طفل غير مصحوبين بذويهم إلى بلدة مجاورة بعد فرارهم من الفاشر، وقال بعضهم إنهم شاهدوا مقتل آبائهم قبل الهرب.
وفي الكاريبي، شهدت هايتي زيادة كبيرة في العنف ضد المدنيين، وفق ACLED، حيث قُتل أكثر من 4,500 شخص نتيجة العنف السياسي. وأشار رصد النزاعات إلى أن أحد العوامل هو زيادة استخدام الطائرات المسيّرة في هايتي، وهي أسلحة قد تجعل صراعاً بالغ الفتك أكثر خطورة على المدنيين.
وبينما قدّم إدخال الطائرات المسيّرة المسلحة مساراً محتملاً لقلب الموازين ضد العصابات العنيفة التي تهدد بالسيطرة على العاصمة الهايتية، خلص تحقيق لـ”واشنطن بوست” إلى أن النساء والأطفال كانوا بين ضحايا ضربات الطائرات المسيّرة في هايتي. ففي سبتمبر، استهدف هجوم بطائرة مسيّرة حفلاً لعيد ميلاد طفل، ما أدى إلى مقتل ثمانية أطفال، بينما تمكن زعيم العصابة الذي كان الهدف المقصود من الإفلات.
وتتوقع ACLED أن تستمر مستويات العنف مرتفعة في أمريكا اللاتينية والكاريبي خلال 2026. ومع تصعيد الولايات المتحدة ضغوطها في المنطقة بما في ذلك ضرب قوارب يُشتبه في ارتباطها بتجارة المخدرات وتعزيز الحضور العسكري في الكاريبي، يُرجح أن تتجه الحكومات إلى تشديد الإجراءات داخلياً، بما يهيئ لمواجهات مع الجريمة المنظمة.
– “القدس العربي”:




