الافتتاحيهرئيسي

واشنطن بين حدود القوة ومأزق الاستراتيجية في المواجهة مع إيران

واشنطن بين حدود القوة ومأزق الاستراتيجية في المواجهة مع إيران

بقلم: رئيس التحرير 

تتزايد في الآونة الأخيرة المؤشرات التي تعكس تصاعد القلق داخل دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة بشأن مآلات المواجهة مع ايران ، في ظل تباين واضح بين الخطاب السياسي المعلن والتقديرات الواقعية الصادرة عن المؤسسات الأمنية والاستخباراتية الأمريكية.

فقد أثارت التصريحات الأخيرة التي أدلى بها السيناتور الأمريكي كريس مورفي   بعد مشاركته في جلسة إحاطة استخباراتية مغلقة داخل الكونغرس الكثير من التساؤلات حول مدى تماسك الاستراتيجية الأمريكية في إدارة هذا الصراع. إذ وصف مورفي السياسة الحالية بأنها «غير مترابطة»، مؤكداً أن الولايات المتحدة تسير في «نفق مسدود»، في إشارة تعكس عمق القلق داخل المؤسسات الأمريكية حيال مسار الحرب وتداعياتها.

هذه التصريحات لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد انتقاد سياسي عابر، بل هي تعبير عن نقاش داخلي متصاعد في واشنطن حول حدود القوة العسكرية وجدوى الاعتماد على الخيار العسكري لتحقيق أهداف استراتيجية كبرى، من بينها إضعاف القدرات الإيرانية أو القضاء على برنامجها النووي.

حدود الخيار العسكري

تشير تقديرات متزايدة داخل المؤسسات الأمريكية إلى أن الضربات الجوية، مهما بلغت شدتها، لن تكون قادرة على القضاء الكامل على البرنامج النووي الإيراني. فالكثير من المنشآت النووية الإيرانية تقع في مواقع محصنة ومدفونة في أعماق الأرض، ما يجعل استهدافها عسكرياً مسألة شديدة التعقيد.

وفي هذا السياق، أقر السيناتور مورفي بأن الخيار العسكري الوحيد القادر نظرياً على تحقيق هذا الهدف يتمثل في عملية عسكرية برية واسعة النطاق، وهو خيار يدرك صانع القرار الأمريكي أنه يحمل مخاطر هائلة، سواء من حيث الكلفة البشرية والاقتصادية أو من حيث تداعياته السياسية الداخلية.

وتستحضر هذه الحسابات التجارب السابقة للولايات المتحدة في حروب طويلة مثل الحرب الايرانية العراقية ، حيث أدت تلك الحروب إلى استنزاف اقتصادي وبشري كبير، وخلقت حالة من التردد داخل الرأي العام الأمريكي تجاه الانخراط في صراعات برية طويلة الأمد.

تماسك الداخل الإيراني

في المقابل، تشير تقارير استخباراتية أمريكية نقلتها وسائل إعلام دولية إلى أن القيادة في إيران ما تزال متماسكة إلى حد كبير، وأن مؤسسات الدولة لا تواجه خطراً وشيكاً بالانهيار. كما تشير هذه التقديرات إلى قدرة النظام السياسي الإيراني على احتواء الضغوط الداخلية والحفاظ على قدر من التماسك السياسي والاجتماعي رغم الضربات العسكرية والضغوط الاقتصادية.

ويعكس هذا التقييم إدراكاً متزايداً داخل المؤسسات الأمريكية لطبيعة البنية السياسية والأمنية في إيران، التي تمتلك منظومة مؤسساتية وأمنية تمكنها من التعامل مع الأزمات والصدمات الخارجية، وإعادة ترتيب أوضاعها الداخلية في أوقات التوتر.

تعقيدات الممرات البحرية

ومن المؤشرات الأخرى على تعقيد المشهد ما كشفته تقارير إعلامية عن رفض البحرية الأمريكية طلبات متكررة من شركات الشحن الدولية لمرافقة ناقلات النفط عبر معبر هرمز .

ويعكس هذا الموقف تقديرات عسكرية أمريكية تفيد بأن مستوى المخاطر في هذا الممر البحري الاستراتيجي لا يزال مرتفعاً، وأن أي مرافقة عسكرية قد تؤدي إلى احتكاك مباشر مع القوات الإيرانية، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام مواجهة بحرية أوسع يصعب احتواؤها.

ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة نظراً للمكانة الاستراتيجية لمضيق هرمز في حركة تجارة الطاقة العالمية، إذ يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط في العالم، ما يجعل أي توتر فيه عاملاً مؤثراً في استقرار الأسواق العالمية.

انعكاسات اقتصادية داخلية

على الصعيد الداخلي الأمريكي، بدأت تداعيات الحرب تنعكس على الاقتصاد، حيث شهدت الأسواق حالة من الاضطراب وارتفاعاً في أسعار الطاقة. وقد حذر حاكم ولاية كالفورنيا  من أن التصعيد العسكري أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، الأمر الذي قد يزيد من الضغوط الاقتصادية على المواطن الأمريكي.

وتضع هذه التطورات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب  أمام تحديات سياسية داخلية، إذ إن استمرار الحرب دون أفق واضح قد ينعكس سلباً على الاقتصاد وعلى المزاج العام داخل المجتمع الأمريكي.

مأزق الاستراتيجية الأمريكية

مجمل هذه المعطيات تشير إلى أن واشنطن تواجه مأزقاً استراتيجياً معقداً. فمن جهة، لا يبدو أن الضربات العسكرية وحدها قادرة على تحقيق الأهداف المعلنة، ومن جهة أخرى فإن خيار الحرب البرية الشاملة يبدو مستبعداً في ظل كلفته الباهظة وتداعياته غير المضمونة.

كما أن استمرار الصراع دون أفق سياسي واضح قد يؤدي إلى حالة من الاستنزاف الطويل، وهو سيناريو يحمل مخاطر كبيرة على الاستقرار الإقليمي وعلى المصالح الاقتصادية الدولية.

الحاجة إلى مقاربة سياسية

في ضوء هذه التطورات، يتزايد الحديث داخل الأوساط السياسية والدبلوماسية عن ضرورة إعادة النظر في المقاربة الحالية، والبحث عن مسارات سياسية ودبلوماسية تتيح احتواء الأزمة وتجنب انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.

فالتجارب التاريخية تشير إلى أن الحروب في الشرق الأوسط نادراً ما تنتهي بحسم عسكري واضح، وأن التسويات السياسية تبقى في نهاية المطاف المسار الأكثر واقعية لتحقيق الاستقرار.

وبين اعتبارات القوة ومقتضيات السياسة، تبدو واشنطن اليوم أمام اختبار استراتيجي حقيقي: إما الاستمرار في مسار التصعيد بما يحمله من مخاطر استنزاف طويل، أو الانتقال إلى مقاربة أكثر توازناً تجمع بين الضغط السياسي والدبلوماسية، بما يفتح الباب أمام معالجة الأزمات الإقليمية ضمن إطار تفاوضي يحفظ الأمن والاستقرار في المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب