
وثيقة عربية عن روسيا القيصرية: ماذا رأى الطنطاوي؟
إبراهيم مشارة
تعد رحلة الشيخ محمد عياد الطنطاوي (1810/1861) إلى روسيا في النصف الأول من القرن التاسع عشر إحدى أهم الرحلات إلى الآخر (أوروبا أو الغرب المتقدم)، وهي تشبه من وجوه عدة رحلة الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي (1801/1873) إلى باريس، التي أثمرت كتابه الشهير» تخليص الإبريز في تلخيص باريز». لقد رغب محمد علي باشا والي مصر في الاستفادة من النظم الأوروبية، ومن العلم والمدنية، فأوفد بعثة طلابية من أربعين طالبا للدراسة في فرنسا، لاقتباس ثمرات هذه المدنية في العلم والتمدن والآداب والفنون، وأوفد الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي إماما لهذه البعثة، غير أن الشيخ فتنته هذه المدنية وأعجبته باريس فألقى الجبة والعمامة، وتهندم بهندام أوروبي وأتقن اللسان الفرنسي ورصد مظاهر التمدن الفرنسي، وآيات الحضارة في كتابه الآنف الذكر، ولم يكتف بذلك، بل ترجم عيون الأدب والثقافة الفرنسية إلى اللغة العربية، إيمانا منه بأن التثاقف والانفتاح على الآخر والحوار معه، والاقتباس عنه بلا عقدة سبيل النهضة الوحيد. بينما كانت رحلة الشيخ محمد عياد الطنطاوي، بناء على رغبة الروس أنفسهم لتدريس العربية وآدابها في مدرسة الألسن الشرقية، واستجاب الشيخ وأقام هناك مدرسا للعربية وآدابها إلى وفاته بالشلل، حيث دفن في بترو بورغ أو سان بطرسبورغ كما تسمى اليوم عام 1861.
كان الشيخ محمد عياد الطنطاوي محل تقدير المستعرب الروسي الشهير كراتشوفسكي، الذي ألف في سيرة حياته وجهوده العلمية كتابا شهيرا، كما تبادل رسائل مع العلامة أحمد تيمور باشا الذي كان بدوره مقدرا لجهود الطنطاوي في تاريخ علم المشرقيات، وكتب عنه مقالا لافتا النظر إلى قيمته في علم المشرقيات، وفي الرسالة التي بعث بها كراتشوفسكي، إلى أحمد تيمور صورة لقبر الطنطاوي في بترو بورغ. ولد محمد عياد الطنطاوي في قرية نجريد من أعمال طنطا، لكنه نسب إلى قرية مرحوم بسبب اشتغال والده ببيع القماش والصابون والبن هناك، وقد تلقى تعليمه الأول في مرحوم، فحفظ القرآن الكريم وتلقى مبادئ العربية والدين هناك، ثم انتقل إلى طنطا لمزاولة تعليمه، وأخير حط الرحال في الأزهر الشريف ودرس على يد شيخ التنوير وشيخ الأزهر كذلك وأستاذ الطهطاوي الشيخ حسن العطار (1766/1835) وفي الأزهر اتجه أكثر إلى دراسة الآداب العربية، بسبب من ميوله الفطرية الأدبية، وربطته هناك صداقة برفاعة رافع الطهطاوي، وبعد إتمام دراسته في الأزهر درس على يد الشيخ محمد عياد الطنطاوي بعض المستعربين والدبلوماسيين ومنهم الروسي موخين، الذي كان يعمل مترجما للسفارة الروسية في إسطنبول، ولما علم حاجة مدرسة الألسن الشرقية إلى معلم لتدريس العربية وآدابها اقترح الشيخ محمد عياد الطنطاوي لعلمه بعمق ثقافته الأدبية وغزارة علمه في العربية وخصائصه النفسية، التي تقبل الآخر المختلف، وتتحاور معه في سماحة نفس ورحابة صدر، وقد وافق محمد علي على إرساله إلى بترو بورغ بصفته مدرسا في مدرسة الألسن الشرقية، وطلب منه تعلم الروسية ليعلم مدى التقدم العلمي والاجتماعي هناك، وكان قد شغل محمد علي الشاغل اللحاق بالمدنية الحديثة.
وصل الطنطاوي إلى بتروبورغ عام 1840مدرسا بمدرسة الألسن الشرقية وعاد إلى مصر في إجازة بعد أربع سنوات ليصطحب معه زوجته علوية وابنه أحمد للعيش معه هناك، كما انتقل للتدريس في الجامعة حينا آخر وهناك درس على يده كثير من رواد الاستعراب، أشهرهم الفنلندي فالين صاحب كتاب «صور من شمالي جزيرة العرب في منتصف القرن التاسع عشر»، وكان محط تقدير الروس وإعجابهم بعلمه وإخلاصه وانفتاحه على الآخر وسماحة نفسه، بل اندماجه في الجو العام، فقد عرف عنه الترحال في البلاد الروسية وحضور الحفلات الرسمية والشعبية، وهو المتقن للغة الروسية والعارف بثقافتها وعادات وتقاليد الروس، وقلده القيصر وسام ستانيسلان ووسام حنه، وهما من أرفع الأوسمة في الدولة الروسية. لكن الشيخ محمد عياد الطنطاوي في ذروة عطائه، وفي قمة نشاطه أصيب بالشلل وراح يذوي كالورقة شيئا فشيئا حتى أدركته رحمة الله فتوفي عام 1861.
يعد كتابه «تحفة الأذكياء بأخبار بلاد الروسيا» كتابا مهما في تاريخ الدولة الروسية في عهد القياصرة، كما هو إطلالة ثرية على عاداتها وتقاليدها وآدابها، وطبائع الروس وأخلاقهم، وجغرافيتهم وأصلهم وبيئتهم القاسية والجميلة في آن واحد، وصلاتهم بغيرهم من الشعوب، كما هو صرخة للعرب بضرورة الإسراع في التمدن على غرار المجتمعات الأوروبية، بتحديث النظم السياسية وتكريس الفكر العلمي والإصلاح الاجتماعي، وإدماج المرأة في المجتمع تعليما وتربية وتمكينا من المشاركة في النهضة، وتكريس الحريات الأساسية للإنسان أسوة بما شاهده هناك، فإذا كان الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي رائد التنوير من أوروبا الغربية، فإن الشيخ محمد عياد الطنطاوي رائد التنوير من أوروبا الشرقية، وقد جاء في رسالة بعث بها إلى صديقه الطهطاوي: (أنا مشغوف بكيفية معيشة الأوروبيين وانبساطهم وحسن إدارتهم وتربيتهم، خصوصا ريفهم وبيوته المحدقة بالبساتين والأنهار، إلى ذلك مما شاهدتم قبلي في باريز، إذ بتربورغ لا تنقص عن باريز في ذلك، بل تفضلها في أشياء كاتساع الطرق). وكتابه الآنف الذكر، لا يقل أهمية عن كتاب الطهطاوي «تخليص الإبريز في تلخيص باريز».
فقد كان هدف محمد عياد الطنطاوي من وضع كتابه عن روسيا، وضع مدنية وتقدم الروس أمام أولي الأمر، سواء في مصر أو الدولة العثمانية، وقد أشار إلى ذلك في المقدمة (والله أسال أن يكون هذا التعليق مقبولا عند السدة العلية والعتبة الخاقانية، وأن ينظر إليه العلماء الأعلام بعين الإنصاف، وأن يحودوا عن سبيل الاعتساف، فما قصدي إلا التبصير وإن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب). وكأن كتابه جاء تقريرا مطولا يهدف إلى التنوير والإصلاح، أسوة بكتاب الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي، ولكن لم يكتب لهذا الكتاب الأثر المنشود والشهرة الواسعة مثل كتاب الطهطاوي، فقد كانت رحلة الطهطاوي بناء على رغبة جارفة من محمد علي لاقتباس النظم والعلوم الغربية، واللحاق بالأمم المتقدمة، وقد رحل الطهطاوي إلى بلد تقدم وصار قدوة لغيره في النظم السياسية والدستورية والحريات الأساسية والإخاء الاجتماعي والتقدم العلمي، وهو فرنسا، وكانت مظاهر التمدن تلك محل رصد وتنويه الشيخ الطهطاوي في كتابه الذي كان معروفا ويتدارسه الدارسون، وهو يعد دستور الحداثة وإنجيل التنوير، كما أن الطهطاوي عاد إلى مصر، وطبق أفكاره التنويرية والإصلاحية على أرض الواقع، بإنشاء دار الترجمة ومدرسة الألسن، وتعريب الوقائع المصرية، وإعداد المناهج التربوية، بينما كانت رحلة الشيخ الطنطاوي إلى بلاد آخذة في التقدم، وكانت حاجتها إليه أكبر من حاجته إليها، فقد رغبت روسيا في تدريس اللسان العربي وإعداد مترجمين ومستعربين ودبلوماسيين، لمد جسور التواصل والتعاون وتبادل المصالح مع العالم العربي، وكان كتابه «تحفة الأذكياء» محفوظا في دور الكتب الأوروبية، لم تصل إليه إلا صفوة من الباحثين عن المخطوطات، والعارفين بجهود الشيخ محمد عياد الطنطاوي التنويرية، ولم تكتب له العودة إلى مصر لمباشرة الإصلاح أسوة بالطهطاوي، فقد عاش في روسيا ومات هناك. ومهما يكن فإن كتابه يعد وثيقة أدبية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وشاهدا على العلاقات الروسية العربية والاستراتيجية الفكرية والدبلوماسية التي كرسها القياصرة في التعاطي مع العالم العربي، فقد كانوا ينظرون إليه نظرة تقدير واحترام، ويريدون بناء جسور تعاون وتثاقف وتبادل مصالح مع العالم العربي، في حين كانت فرنسا وبريطانيا تسعيان إلى السيطرة والاستعمار.
كما كان كتاب الشيخ الطنطاوي وثيقة تاريخية عن أثر الفكر العربي في التأثير على حركة الاستشراق، وكان من طلاب الطنطاوي لفيف من المستعربين لعل من أهمهم فالين. والكتاب في فصول وأبواب عدة تناول فيها منشأ الروس وبتربورغ وفضل بطرس الأكبر (1672/1725)في إنشائها والعمل على تمدين روسيا وجعلها قوة عظمى، وجهود كاترين الكبيرة، أو العظيمة كما تسمى، التي حكمت من سنة 1762 إلى سنة 1796 وعادات الروس وأخلاقهم وأديانهم وملابسهم وعاداتهم وخطوطهم وتقدمهم في العلوم والفنون، مع مقدمة أبان فيها عن دواعي تأليف الكتاب ثم تطرق لخط سير الرحلة من الإسكندرية إلى إسلامبول فأدويسا فكييف وصولا إلى بتروبورغ، أما المنهج في التأليف فعلى طريقة القدماء في سرد النادرة والطرفة والأشعار التي كان ينظمها، حسب الموقف، خصوصا في مواطن التغزل والإعجاب بمظاهر الحياة في الفنون والتمثيل والرقص ومظاهر الطبيعة الجميلة وبرودة الطقس والثلج، مما هو من خصائص هذه المدينة الكبيرة، وكان يعقد مقارنات بين مصر وروسيا في مظاهر التمدن والنظام ودور المرأة ويدعو في غير مواربة إلى ضرورة الإسراع بالإصلاح للحاق بالمجتمعات المتقدمة، خصوصا في الأخذ بالعلوم والفنون والآداب ودور المرأة في النهضة الاجتماعية مما رآه حسنا في تلك البلاد، يجدر بالعرب الأخذ به للخروج من بوتقة التخلف إلى التمدن الحديث والمشاركة الفعالة في الحضارة الحديثة دون التفريط في الأصول حسب رأيه.
كاتب جزائري




