وثيقة مُحدّثة للأمن القومي: «شرطيّ العالم» يبحث عن دور جديد

وثيقة مُحدّثة للأمن القومي: «شرطيّ العالم» يبحث عن دور جديد
في وثيقته الجديدة للأمن القومي، حدّد دونالد ترامب مجالات اهتمام الولايات المتحدة في القارة الأميركية، محذّراً الدول الأوروبية من «زوال حضاري» نتيجة الهجرة، ومبقياً في الوقت ذاته على الصين منافساً رئيساً.
جرياً على عُرف دأبت عليه كلّ إدارة أميركية تدشّن عامها الأول، أخرجت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، استراتيجيتها الخاصة بالأمن القومي. وبدا لافتاً في الوثيقة الاستراتيجية الجديدة، التشديد على تقليص التدخّلات العسكرية الخارجية المباشرة بغية التركيز على قضايا داخلية كالهجرة، فيما برزت أيضاً بنود أخرى حملت طابعاً «معاكساً» للمزاج الأميركي الاستراتيجي العام على مدى عقود، خصوصاً على مستوى الشرق الأوسط وأوروبا. كذلك، بدت بعض البنود مطابقة لتوقّعات سابقة بتصاعُد زخم المنافسة الصينية – الأميركية على مناطق النفوذ، إضافة إلى نبوءات «أرباب» اليمين الأميركي وطروحاتهم الفاشية عن «سيادة العرق» و»فوبيا المهاجرين».
وإلى جانب ما تقدّم، حملت وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأميركية الجديدة، الواقعة في 33 صفحة، «سوء طالع» واضحاً لحلفاء واشنطن الأوروبيين؛ سواء لأوكرانيا، على خلفية ما لحظته من تعهُّد بعدم توسعة حلف «الناتو»، وهو ما قد يقضي على آمال كييف التي تخوض بالوكالة حرب الحلف مع موسكو، على أمل الانضمام إلى مظلّته الأمنية؛ أو بالنسبة إلى باقي البلدان الأوروبية، بسبب ما اشتملت عليه الوثيقة من أدبيات أحزاب اليمين في القارة العجوز. ومن بين أبرز تلك الأدبيات، التحذير ممّا وصفته الاستراتيجية بـ»الزوال الحضاري» لأوروبا نتيجة الهجرة، والدعوة إلى «تنمية المقاومة» في وجه الحكومات حتى لا «يتحوّل غير الأوروبيين، في غضون عدّة عقود على أقصى تقدير، إلى أغلبية في عدد من الدول الأعضاء في حلف الناتو»، في إشارة إلى عدم رضى الإدارة الأميركية عن سياسات الهجرة المُتّبَعة من قبل الاتحاد الأوروبي، وخشية البيت الأبيض ومؤيّدي سياساته داخل أميركا وخارجها من تغيُّر النُّظم السياسية والتركيبة الاجتماعية في أوروبا.
وفي إشارة بدت موجّهة إلى منافسين استراتيجيين كبار، وفي طليعتهم روسيا والصين، أكّدت الوثيقة أن الولايات المتحدة معنيّة بالعمل على «منع المنافسين من خارج نصف الكرة الغربي من القدرة على نشر قوات أو إمكانات مهدّدة أخرى، أو امتلاك أصول استراتيجية حيوية أو السيطرة عليها». أمّا في ما يتعلّق بالقارة الآسيوية، فقد أبقت الوثيقة على تصنيف الصين «قوّة منافسة» للولايات المتحدة، وإنْ بدت أكثر مَيْلاً إلى حصْر الصراع معها في الإطار الاقتصادي؛ إذ شدّدت على أهمية «موازنة علاقة أميركا الاقتصادية مع الصين»، و»استعادة الاقتصاد الأميركي لاستقلاليته»، وذلك ضمن معايير تستند إلى مبدأَي «المعاملة بالمثل»، و»الإنصاف». وكمؤشّر إلى التوجّه إلى زيادة الأعباء على الحلفاء، أوكلت الوثيقة «دوراً أمنيّاً أكبر» إلى حلفاء واشنطن الآسيويين، كاليابان وكوريا الجنوبية، ولا سيما في قضيّة تايوان؛ كما شجّعت الهند على «الإسهام في أمن منطقة المحيطَين الهندي والهادئ».
الانعطافة الكبرى في «العقيدة الجديدة»، تمثّلت في الإشارة إلى أن البيت الأبيض بصدد تحديث «مبدأ مونرو»
وفي حين بدت الوثيقة، التي دعت إلى تخفيف حجم التركيز على منطقة الشرق الأوسط، وكأنها تجترّ جوانب مألوفة من الخطوط العريضة لسابقاتها، ومن ضمنها التشديد على أهمية الحفاظ على حرية الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، في موازاة منع المنطقة من أن تصبح مصدراً لـ»الإرهاب»، وإدراج بند تقليدي مقتضب جوهره «ضمان أمن إسرائيل»، فضلاً عن «توسيع اتفاقات أبراهام لتشمل المزيد من دول المنطقة والعالم الإسلامي الأوسع»، فقد ظهر لافتاً فيها ذكر سوريا كـ»نقطة قلق» يتطلّب دمجها الإقليمي المزيد من التعاون بين الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا والدول العربية. كذلك، نوّهت الوثيقة بـ»تراجع نفوذ إيران» – بفضل الجهد العسكري الأميركي – الإسرائيلي المشترك – التي لطالما سادت النظرة إليها كغريم للمصالح الأميركية الطويلة الأمد في المنطقة؛ كما أشارت إلى تزايد استقلال الولايات المتحدة في مجال موارد الطاقة، مع ما يعنيه هذا الأمر من مدلولات حول تراجع أهمية الشرق الأوسط، ولا سيما كمورد طاقة حيوي للاقتصاد الأميركي، وذلك بفعل تبعات تغيّر خريطة إنتاج الطاقة واستهلاكها عالميّاً. وإذ من شأن التطور المذكور أن يجعل المخاوف «الجوهرية» الأميركية المُزمنة حول النفط «أقلّ إلحاحاً»، فهو لا يعني انعدام الحاجة إلى ضمان عدم وقوع موارد الطاقة الشرق أوسطية في أيدي «أعداء» واشنطن و»منافسيها» الدوليين.
ومن بين العلامات الفارقة في الوثيقة أيضاً، ما تحمله من نَفَس نقديّ لسياسات الإكراه العسكري والسياسي حيال بلدان المنطقة، ومن ضمنها دول «الخليج الفارسي»، وذلك تحت ذرائع نشر الديمقراطية، في إشارة إلى سياسات عدد من الإدارات الأميركية السابقة، وخاصة إدارة جورج دبليو بوش. وعليه، تنادي العقيدة الأمنية الجديدة لواشنطن بأن تنأى الأخيرة بنفسها عن «شكل الحروب القديمة التي استمرّت لعقود»، و»أسفرت عن تكاليف كبيرة» – ولا سيما حربَي العراق وأفغانستان -، وتُولي الاهتمام لـ»تشجيع الإصلاحات التي تظهر بشكل طبيعي محلّي من دون فرض نماذج خارجية».
وبحسب محلّلين، فقد أظهرت الوثيقة رغبة إدارة ترامب في تجنّب القيام بدور عسكري كبير أو مباشر في الشرق الأوسط، مع الحفاظ على وضعيتها كقوّة كبرى مهيمنة على المستويَين الإقليمي والدولي، من خلال علاقات مصالح واستثمارات مالية وتكنولوجية مع دول الإقليم.
أمّا الانعطافة الكبرى في «العقيدة الجديدة»، فتمثّلت في الإشارة إلى أن البيت الأبيض في صدد تحديث ما يعرف بـ»مبدأ مونرو»، وهو إعلان أصدرته الولايات المتحدة عام 1823، يعتبر أميركا اللاتينية منطقة محظورة على النفوذ الأجنبي. ويقتضي التحديث إدخال ملحق إضافي على المبدأ المذكور، سيحمل اسم «ملحق ترامب»، وينصّ على أن الولايات المتحدة ستسعى إلى الوصول إلى موارد ومواقع استراتيجية في القارة اللاتينية، وذلك بقصد ضمان بقاء دول المنطقة «مستقرّة بشكل معقول، ومحكومة على نحو جيد، بما يكفي لمنع الهجرة الجماعية إلى الولايات المتحدة»، وفق ما تزعمه الوثيقة.
الاخبار اللبنانية



