اقتصاد
وقف تعامل البنوك الإسرائيلية مع المصارف الفلسطينية… سلاح مالي جديد يهدد الاقتصاد الفلسطيني والاستقرار الإقليمي

وقف تعامل البنوك الإسرائيلية مع المصارف الفلسطينية… سلاح مالي جديد يهدد الاقتصاد الفلسطيني والاستقرار الإقليمي
إعداد: صحيفة صوت العروبه
لم يعد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يقتصر على الميدان العسكري أو السياسي، بل انتقل بصورة متسارعة إلى ميدان الحرب الاقتصادية والمالية، التي باتت تشكل أحد أخطر أدوات الضغط على الشعب الفلسطيني ومؤسساته. وفي هذا السياق، يكتسب إعلان بنكي “هبوعليم” و”ديسكونت” الإسرائيليين عزمهما وقف خدمات المراسلة المصرفية مع البنوك الفلسطينية أهمية استثنائية، لأنه لا يمثل مجرد قرار مصرفي أو تجاري، بل خطوة تحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية وقانونية قد تقود إلى شلل في المنظومة المالية الفلسطينية برمتها.
إن العلاقة المصرفية بين الجانبين ليست خياراً تجارياً عادياً، وإنما هي نتاج مباشر لبروتوكول باريس الاقتصادي لعام 1994، الذي ربط الاقتصاد الفلسطيني بالنظام المالي الإسرائيلي، وجعل الشيكل الإسرائيلي العملة الأكثر تداولاً في الأراضي الفلسطينية. ومن ثم فإن أي توقف لخدمات المراسلة يعني عملياً تعطيل حركة الأموال، وإعاقة عمليات التسوية المالية، وعرقلة التجارة الخارجية، وتهديد قدرة البنوك الفلسطينية على أداء وظائفها الأساسية.
ويكشف التبرير الإسرائيلي بأن القرار جاء نتيجة “تزايد المخاطر القانونية” عن بعد آخر أكثر خطورة، إذ تسعى إسرائيل إلى تحميل القطاع المصرفي الفلسطيني تبعات الحرب الدائرة، مستغلة البيئة القانونية الدولية التي تشهد تصاعداً في الدعاوى المتعلقة بانتهاكات القانون الدولي، بما يشير إلى محاولة استخدام القطاع المالي كأداة ضغط سياسية على السلطة الفلسطينية.
اقتصادياً، ستكون التداعيات عميقة ومتعددة المستويات. فالمصارف الفلسطينية تعتمد بصورة شبه كاملة على البنوك الإسرائيلية في تسوية المدفوعات بالشيكل، واستقبال وإيداع فائض العملة الإسرائيلية، وتمويل التجارة مع الأسواق الإسرائيلية والعالمية. وفي حال تنفيذ القرار، ستواجه البنوك الفلسطينية صعوبة في تحويل الأموال وتسوية المدفوعات، ما سيؤدي إلى تعطل استيراد السلع الأساسية، وعلى رأسها الغذاء والدواء والوقود ومواد البناء.
كما ستجد المصارف نفسها أمام كميات كبيرة من الشيكل غير القابل للتحويل أو الإيداع، وهو ما سيؤدي إلى اختلالات في السيولة النقدية، ويقيد قدرتها على تمويل القطاع الخاص ومنح التسهيلات الائتمانية، الأمر الذي سينعكس مباشرة على النشاط الاقتصادي والاستثماري.
ولا تقف المخاطر عند هذا الحد، إذ إن توقف خدمات المراسلة سيدفع قطاعات واسعة من الاقتصاد إلى العودة للتعامل النقدي المباشر، بما يؤدي إلى توسع الاقتصاد غير الرسمي، وتراجع الرقابة المالية، وارتفاع مخاطر غسل الأموال والتهرب الضريبي، وهو ما يهدد سلامة النظام المالي الفلسطيني الذي نجح خلال العقود الماضية في المحافظة على مستويات عالية من الامتثال للمعايير الدولية.
أما السلطة الفلسطينية، فإنها ستكون أمام تحديات غير مسبوقة، إذ ستتعقد عمليات دفع الرواتب، وتحويل المستحقات المالية، وجباية الإيرادات، في وقت تعاني فيه أصلاً من أزمة مالية خانقة بسبب استمرار احتجاز إسرائيل لأموال المقاصة، ما يضاعف من الضغوط على المالية العامة، ويهدد استمرارية الخدمات الأساسية.
ومن الناحية السياسية، فإن هذه الخطوة تندرج ضمن سياسة أوسع تهدف إلى تفكيك مقومات الدولة الفلسطينية، عبر إضعاف مؤسساتها الاقتصادية والمالية، وإبقاء الاقتصاد الفلسطيني رهينة للقرار الإسرائيلي. وهي سياسة تتكامل مع الاستيطان، وحجز أموال المقاصة، والقيود المفروضة على الحركة والتجارة، بما يعمق التبعية الاقتصادية ويقوض فرص التنمية والاستقلال الاقتصادي.
أما قانونياً، فإن إسرائيل، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، تتحمل التزامات واضحة بموجب اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، التي تلزمها بعدم اتخاذ إجراءات تؤدي إلى الإضرار بالحياة الاقتصادية والمدنية للسكان الواقعين تحت الاحتلال. كما أن بروتوكول باريس الاقتصادي، رغم ما يثار حوله من انتقادات، لا يجيز استخدام العلاقات المالية كوسيلة للعقاب الجماعي أو الابتزاز السياسي.
ومن هنا، فإن وقف خدمات المراسلة قد يرقى إلى مستوى الإخلال بالتزامات تعاقدية ودولية، خاصة إذا ترتب عليه انهيار قطاعات اقتصادية أو حرمان السكان من الخدمات الأساسية، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام مساءلات قانونية دولية.
إقليمياً، لا تقتصر آثار القرار على فلسطين وحدها، بل تمتد إلى الأردن، الذي يرتبط بعلاقات اقتصادية وتجارية ومصرفية واسعة مع الاقتصاد الفلسطيني، كما أن أي انهيار مالي في الأراضي الفلسطينية ستكون له انعكاسات مباشرة على الاستقرار الاقتصادي والأمني في المنطقة، وهو ما تدركه المؤسسات المالية الدولية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، التي حذرت مراراً من مخاطر انهيار النظام المالي الفلسطيني.
وفي ظل هذه التطورات، تصبح الحاجة ملحة لتحرك دولي عاجل يضمن استمرار قنوات الدفع والتسوية المالية، سواء عبر تمديد الضمانات القانونية للبنوك الإسرائيلية، أو إيجاد آليات مصرفية دولية بديلة، أو ممارسة ضغوط سياسية على الحكومة الإسرائيلية لمنع استخدام النظام المالي كسلاح في الصراع السياسي.
إن الاقتصاد الفلسطيني يقف اليوم أمام اختبار هو الأخطر منذ إنشاء السلطة الفلسطينية. وإذا نُفذ قرار وقف العلاقات المصرفية، فإنه لن يكون مجرد أزمة مالية عابرة، بل نقطة تحول قد تعيد الاقتصاد الفلسطيني عقوداً إلى الوراء، وتدفعه نحو مزيد من الانكماش والتبعية، وتفتح الباب أمام تداعيات اجتماعية وسياسية وأمنية يصعب احتواؤها.
ولذلك، فإن حماية النظام المصرفي الفلسطيني لم تعد قضية اقتصادية فحسب، بل أصبحت قضية سيادة وطنية واستقرار إقليمي، تستوجب تحركاً فلسطينياً وعربياً ودولياً سريعاً، لأن انهيار الثقة بالنظام المالي الفلسطيني لن يدفع الفلسطينيين وحدهم ثمنه، بل ستكون له انعكاسات تتجاوز حدود فلسطين إلى مجمل الإقليم.




