تحقيقات وتقارير

ولد الغزواني في باريس في زيارة دولة هي الأولى من نوعها لرئيس موريتاني منذ أكثر من ثلاثة عقود

ولد الغزواني في باريس في زيارة دولة هي الأولى من نوعها لرئيس موريتاني منذ أكثر من ثلاثة عقود

آدم جابر

تكتسب زيارة ولد الغزواني لباريس بُعدًا استراتيجيًا، إذ تندرج، ضمن مسعى دبلوماسي أوسع من جانب فرنسا لإعادة صياغة علاقتها مع أفريقيا، والتي اتسمت في السنوات الأخيرة بمشاعر معادية لباريس.

باريس ـ : بدعوة رسمية من الرئيس الفرنسي، أجرى الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني هذا الأسبوع زيارة دولة إلى باريس، هي الأولى من نوعها لرئيس لبلاده إلى فرنسا منذ أكثر من ثلاثة عقود، حيث استُقبل بحفاوة بالغة في قصر الإليزيه ومقر الجمعية الوطنية من قبل رئيستها، ومبنى بلدية باريس من قبل عمدة المدينة.
خلال استقباله نظيره الموريتاني، قال إيمانويل ماكرون إن موريتانيا شريك أساسي لفرنسا، متحدثاً عن علاقة صداقة وثقة ورؤية واضحة. كما عبر عن تقديره الكبير لما وصفه بـ«مسؤولية» موريتانيا ودورها المحوري في منطقة الساحل التي تشهد اضطرابات عميقة. وأشاد بالنموذج الذي تقدمه نواكشوط، معتبراً أنها تثبت إمكانية انتهاج طريق قائم على الاستقلال الاستراتيجي وتحمل المسؤولية في مواجهة التحديات الأمنية والإنسانية.
وأيضاً شدد الرئيس الفرنسي على وجود إرادة مشتركة لتعزيز التعاون بين البلدين، واصفاً موريتانيا بـ«الشريك الأساسي» لفرنسا في المنطقة.
من جانبه، شدد محمد ولد الغزواني على «عمق ومتانة» العلاقات بين البلدين، مشيراً إلى تقارب المصالح في مواجهة التحديات المعاصرة. واعتبر أن الزيارة تشكل مناسبة مهمة لتعميق الحوار حول مجمل القضايا ذات الاهتمام المشترك، بما في ذلك الوضع الأمني في منطقة الساحل وغرب أفريقيا. كما أوضح أن «الهجرة غير النظامية تشكل تحديا كبيرا تواجهه بلدان المنطقة، لاسيما موريتانيا، التي يفوق الضغط الذي تمثله هذه الظاهرة على بلدنا بكثير قدراتنا الديموغرافية والاقتصادية واتساع أراضينا.»
بعيدًا عن البروتوكول، تشير هذه الزيارة إلى تقارب استراتيجي في سياق إقليمي مضطرب. وهي تأتي في وقت تعرف فيه فرنسا تدهورًا في علاقاتها مع العديد من دول الساحل الرئيسية، ولا سيما مالي وبوركينا فاسو والنيجر، التي تُحكمها الآن أنظمة عسكرية وتخوض عملية قطع العلاقات مع شركائها الغربيين.
تُعدّ موريتانيا من آخر الشركاء الموثوق بهم لباريس في منطقة الساحل، وتبرز كاستثناء في منطقة الساحل المضطربة، في ظل محافظتها على موقف براغماتي مع تعزيز علاقاتها مع شركاء دوليين مختلفين، من بينهم الولايات المتحدة والصين وروسيا.
كما أنها تتميز بشكل خاص باستقرارها النسبي في منطقة تشهد توسعاً للجماعات الجهادية التابعة لتنظيم القاعدة وداعش. ويرتكز هذا الاستقرار على استراتيجية أمنية، تجمع بين التوجه الديني، حيث نفذت البلاد برامج حوار بين الأديان تهدف إلى مكافحة الفكر المتطرف، مع تعزيز الرقابة على دور العبادة في الوقت نفسه؛ والنهج العسكري مع المحافظة على استقلال البلاد التام في إدارة أمنها، وتطوير تعاون تقني وثيق مع فرنسا، لا سيما في مجالات التدريب والاستخبارات والتجهيزات. في الوقت نفسه، قامت موريتانيا بتحديث جيشها من خلال إنشاء وحدات متنقلة مُكيَّفة مع ظروف الصحراء.
وقد مكن هذا النهج الاستباقي نواكشوط، نسبياً، من احتواء التهديدات رغم حدودها الممتدة لأكثر من 2200 كيلومتر مع مالي، إحدى أكثر المناطق اضطرابًا في القارة، وإن كانت الحدود بين البلدين تشهد في الفترة الأخيرة حوادث أمنية، على خلفية إطلاق الجيش المالي عملية عسكرية ضد الجماعات المسلحة. وأعلنت الخارجية الموريتانية قبل حوالي ثلاثة أسابيع عن مقتل مواطنين موريتانيين داخل الأراضي المالية قرب الحدود المشتركة، محذرة السلطات في باماكو من أن المساس بأمن الموريتانيين يمثل «خطا أحمر».
في مواجهة تقدّم الجماعات المسلحة في غرب مالي، تسعى السلطات الموريتانية إلى تكييف جهازها الأمني لمواجهة التهديدات غير المتكافئة. وبالتالي، يُمكن مواءمة التعاون الفرنسي الموريتاني مع العقيدة الفرنسية الجديدة في أفريقيا، التي تُعطي الأولوية للدعم المُرن والمنعزل بدلًا من الوجود العسكري الدائم.
الهجرة والتحديات الإنسانية
تعدّ تدفقات الهجرة أيضاً وإدارتها من التحديات المشتركة بين البلدين، حيث باتت موريتانيا، في السنوات الأخيرة، تلعب دورًا محوريًا في سياسة الهجرة الأوروبية، بحكم وجودها على طريق رئيسي إلى أوروبا. يهدف التعاون مع فرنسا والاتحاد الأوروبي إلى الحد من عمليات المغادرة غير القانونية ومكافحة شبكات التهريب.
وقد عبر عن امتنانه لاستقبال موريتانيا أكثر من 300 ألف لاجئ، مؤكداً دعم بلاده عبر الوكالة الفرنسية للتنمية للمجتمعات المستضيفة، ومشيراً إلى أن الأولوية الراهنة تبقى إنسانية، مع الحرص على الحد من تأثير تدفق اللاجئين على استقرار البلاد.
إلا أن هذا التعاون واجه انتقادات من منظمات دولية تدين انتهاكات حقوق الإنسان ضد المهاجرين. وعليه، يكمن التحدي الذي يواجه باريس ونواكشوط في التوفيق بين فعالية الأمن واحترام المعايير الدولية، لتجنب أن يُضعف هذا التعاون صورتهما على الساحة الدولية.
إلى جانب قضايا الأمن والهجرة، حملت زيارة الدولة هذه للرئيس الموريتاني بُعدًا اقتصاديًا هامًا، في ظل مسعى باريس إلى تعزيز وجودها في قطاعات استراتيجية كالطاقة والبنية التحتية والصيد في موريتايتا، التي تستقطب اهتمامًا متزايدًا نظرًا لمواردها من الغاز البحري، والتي بدأت تُستغل منذ عام 2024 بالشراكة مع السنغال.
وفي سياق تنويع مصادر الطاقة، تُمثل هذه الموارد فرصة استراتيجية للشركات الفرنسية. وعلى الرغم من هذا الزخم، ما يزال حجم التبادل التجاري بين البلدين محدودًا. وبالتالي، فإن هناك رغبة مشتركة في جذب المزيد من الاستثمارات وتنويع الشراكات الاقتصادية.
تكتسب زيارة ولد الغزواني لباريس بُعدًا استراتيجيًا أوسع، إذ تندرج، ضمن مسعى دبلوماسي أوسع من جانب فرنسا لإعادة صياغة علاقتها مع أفريقيا، والتي اتسمت في السنوات الأخيرة بمشاعر معادية لباريس، وتسعى اليوم إلى تعزيز نموذج شراكة قائم على الاحترام المتبادل وسيادة الدول.
وقد أشار الإليزيه في بيانه إلى السياق وتوقيت الزيارة، موضّحا أنها تأتي قبل نحو شهر من انعقاد قمة «أفريقيا إلى الأمام» في نيروبي يومي الـ 11 و12 من أيار/مايو المقبل، والتي تُعدّ رمزاً للشراكة المتجددة بين فرنسا وأفريقيا.
كما أكد أنها (الزيارة) تعكس هذه الرغبة في تعزيز العلاقات السياسية والثقافية والاقتصادية بين فرنسا وموريتانيا، التي تبرز كركيزة أساسية في الاستراتيجية الجديدة لفرنسا حيال أفريقيا، نظرًا لموقعها الجغرافي، واستقرارها، وقدرتها على التفاعل مع مختلف الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية.

«القدس العربي»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب