109 أعوام على وعد بلفور.. فلسطين بين إرث الاستعمار واستمرار التهجير والاستيطان

109 أعوام على وعد بلفور.. فلسطين بين إرث الاستعمار واستمرار التهجير والاستيطان
بقلم رئيس التحرير
تحل في الثاني من تشرين الثاني عام 2026 الذكرى الـ109 لصدور وعد بلفور عام 1917، حين وجّه وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور رسالة إلى اللورد ليونيل روتشيلد، أعلن فيها تأييد الحكومة البريطانية إقامة «وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين»، متجاهلاً الحقوق السياسية والوطنية للشعب الفلسطيني، ومكتفياً بالإشارة إليه باعتباره من «الطوائف غير اليهودية».
لم يكن وعد بلفور مجرد رسالة دبلوماسية، بل شكل محطة مفصلية في تاريخ فلسطين، عكست تداخل المصالح الاستعمارية البريطانية مع المشروع الصهيوني، ومهّدت لتحولات سياسية وديموغرافية وجغرافية امتدت آثارها حتى يومنا هذا.
وقد انتقل الوعد إلى مرحلة التنفيذ مع الانتداب البريطاني على فلسطين، الذي أقرته عصبة الأمم عام 1922، وتضمن التزامات بتسهيل إقامة الوطن القومي اليهودي. وفي المقابل، واجه الفلسطينيون هذه السياسات بالاحتجاجات والثورات، وصولاً إلى الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936.
وجاءت نكبة عام 1948 لتشكل النتيجة الأكثر مأساوية لهذا المسار، حيث هُجّر أكثر من 700 ألف فلسطيني من مدنهم وقراهم، ودُمّرت مئات القرى والتجمعات الفلسطينية، وتحولت قضية اللاجئين إلى أحد أبرز ملفات الصراع التي لا تزال تنتظر حلاً عادلاً وفق قرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها القرار 194.
الاستيطان والتهجير.. استمرار تغيير الجغرافيا
بعد أكثر من قرن، لا تزال تداعيات ذلك المسار حاضرة في الضفة الغربية والقدس الشرقية، من خلال التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي واعتداءات المستوطنين وتهجير التجمعات الفلسطينية، إلى جانب مشاريع تستهدف تقطيع التواصل الجغرافي بين المدن الفلسطينية.
ويحذر مشروع E1 الاستيطاني شرقي القدس من تداعيات خطيرة على التواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، وعلى إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة. كما تكشف تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية عن استمرار تهجير تجمعات فلسطينية نتيجة اعتداءات المستوطنين والقيود المفروضة على الوصول إلى الأراضي ومصادر الرزق.
أما في قطاع غزة، فقد أدت الحرب إلى دمار واسع ونزوح جماعي وتدهور غير مسبوق في الأوضاع الإنسانية، مع استمرار احتياجات مئات الآلاف من النازحين للمأوى والمياه والغذاء والرعاية الصحية. ولم تعد القضية مقتصرة على إعادة الإعمار، بل أصبحت مرتبطة بضمان حق الفلسطينيين في البقاء على أرضهم، ورفض أي تغيير قسري في التركيبة السكانية أو الجغرافية للقطاع.
القانون الدولي ومسؤولية المجتمع الدولي
من منظور القانون الدولي، لا يمنح وعد بلفور أي شرعية لمصادرة حقوق الشعب الفلسطيني أو التصرف بأرضه. فحق الشعوب في تقرير المصير مبدأ راسخ في ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.
وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز 2024 عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، وطالبت بإنهائه في أسرع وقت ممكن، ووقف الأنشطة الاستيطانية وإخلاء المستوطنين، كما أكدت التزامات الدول بعدم الاعتراف بالوضع غير القانوني وعدم تقديم المساعدة في استمراره.
إن المسؤولية الدولية لا ينبغي أن تبقى محصورة في بيانات الإدانة والقلق، بل يجب ترجمتها إلى إجراءات عملية لحماية المدنيين، ووقف الاستيطان والتهجير، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات وفق قواعد القانون الدولي.
وفي المقابل، تفرض المرحلة الراهنة على الفلسطينيين استعادة الوحدة الوطنية وتوحيد المؤسسات والقرار السياسي، وتعزيز الصمود، وتفعيل المسارات القانونية والدبلوماسية، بعيداً عن إدارة الأزمات وردود الفعل.
بعد 109 أعوام على وعد بلفور، تبقى الحقيقة أن فلسطين لم تكن أرضاً بلا شعب، وأن الحقوق الوطنية لا تسقط بتغير موازين القوة. إن إنهاء الاحتلال والاستيطان، وتحقيق حق العودة وفق القرار 194، وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، تمثل استحقاقات سياسية وقانونية لا يجوز تجاوزها.
فالتاريخ لا يمنح الشرعية للقوة، والقانون الدولي لا يجيز مصادرة حقوق الشعوب، وفلسطين حق شعب لا يسقط بالتقادم.


