مقالات

القضية الفلسطينية: سبعة عقود من النضال… لماذا لم يتحقق الاستقلال بعد؟

القضية الفلسطينية: سبعة عقود من النضال… لماذا لم يتحقق الاستقلال بعد؟

بقلم  علي او عمو.

لقد شهد العالم في القرن العشرين موجات متلاحقة من التحرر الوطني، حيث نالت عشرات الشعوب استقلالها بعد أن
عاشت سنوات بل عقودًا تحت وطأة الاستعمار الأجنبي. ورغم تفاوت التجارب التاريخية والسياسية، فإنّ القاسم
المشترك بينها كان الكفاح، والتضحيات الجسيمة، والإصرار الشعبي على الحرية والكرامة.
لكن في حالة الشعب الفلسطيني، تبقى المعضلة قائمة رغم مرور أكثر من سبعة عقود من النضال المتواصل، منذ إعلان
قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي سنة 1948، حيث لا تزال فلسطين الدولة غائبة، وشعبها موزّع بين الداخل المحتل،
والضفة الغربية، وقطاع غزة، وملايين اللاجئين في الشتات.
نضال طويل… ونتائج محدودة:
منذ النكبة، خاض الشعب الفلسطيني جميع أشكال المقاومة: من المسلحة إلى الدبلوماسية، من الانتفاضات الشعبية إلى
الحراك الدولي. ونجحت القضية الفلسطينية في كسب تأييد واسع من الشعوب والمنظمات العالمية، وأصدرت الأمم
المتحدة العديد من القرارات التي تنصّ على حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، وعودة اللاجئين، وإنشاء دولتهم على
حدود 1967.
لكن على أرض الواقع، لم يتحقق شيء من هذا. بل على العكس، توسّعت المستوطنات الإسرائيلية، وتضاعفت جدران
العزل، وزاد الحصار والانقسام الفلسطيني الداخلي، بينما تتعزز هيمنة إسرائيلية تزداد تطرفاً في التعامل مع الحقوق
الفلسطينية.
ما سبب تعنّت إسرائيل؟:
هناك عدّة أسباب عميقة ومعقدة تفسّر هذا الرفض المستمر من طرف إسرائيل للاعتراف بالدولة الفلسطينية:
1. العقيدة الصهيونية والتوسع الجغرافي.
المشروع الصهيوني قام منذ بدايته على أساس "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، وهو مفهوم إقصائي لا يعترف
بوجود الفلسطينيين كشعب أصيل له حقوق وطنية. بل إنّ جزءاً كبيراً من التيارات السياسية الإسرائيلية، خاصة
اليمينية، تؤمن بأنّ الضفة الغربية (التي يسمّونها "يهودا والسامرة") هي جزء من "أرض الميعاد"، وبالتالي لا يمكن
التخلي عنها لإقامة دولة فلسطينية.
2. التفوق العسكري والدعم الدولي:
إسرائيل تمتلك تفوقًا عسكريًا هائلًا، وتُعتبر من أقوى الجيوش في الشرق الأوسط. هذا التفوق مكّنها من فرض وقائع
على الأرض دون خوف من ردّ فعل دولي حقيقي. كما أن الدعم الأمريكي والغربي شبه المطلق لإسرائيل، سياسيًا وماليًا
وعسكريًا، يجعلها مطمئنة إلى قدرتها على مواصلة سياساتها دون ثمن حقيقي.
3. الانقسام الفلسطيني الداخلي:
لا يمكن إنكار أن الانقسام بين حركتي فتح وحماس، وتعدد مراكز القرار الفلسطيني، أضعف الموقف التفاوضي وشتّت
الجهد الوطني. كما أن غياب مشروع سياسي موحّد ومؤسسات ديمقراطية فلسطينية قوية، أضعف قدرة الفلسطينيين
على فرض حقوقهم أمام المجتمع الدولي.

4. غياب إرادة دولية حقيقية:
رغم كل الإدانات والقرارات الأممية، فإن المجتمع الدولي يفتقر إلى الإرادة السياسية الحقيقية لفرض حلّ عادل. تتعامل
كثير من الدول الكبرى مع القضية الفلسطينية بمنطق المصالح، وتغض الطرف عن الجرائم الإسرائيلية، ولا تمارس
ضغوطًا حقيقية لإجبار إسرائيل على احترام القانون الدولي.
5. الاستراتيجية الإسرائيلية في كسب الوقت:
تتبع إسرائيل سياسة مدروسة تقوم على كسب الوقت عبر المفاوضات الطويلة والتوسع الاستيطاني المتواصل، ما
يجعل أيّ فرصة لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة أكثر صعوبة مع مرور الزمن. هذا الوضع خلق واقعاً جديداً على
الأرض، يُصعّب من تطبيق أي حلّ عادل ومنصف.
هل من أمل في التغيير؟:
رغم هذا المشهد القاتم، لا تزال هناك نافذة أمل. فصمود الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، وإصراره على التمسك
بحقوقه، مع تنامي التعاطف العالمي خاصة بين الشعوب، والضغوط المتصاعدة على إسرائيل من الحركات الحقوقية
الدولية، كلّها مؤشرات على أن القضية الفلسطينية لا تزال حيّة.
لكنّ الاستقلال لن يتحقق دون:
_وحدة وطنية فلسطينية حقيقية.
_مشروع سياسي واضح ومتماسك.
_تعبئة عربية وإسلامية ودولية جادة.
_كسر احتكار الرواية الصهيونية في الإعلام والمنتديات الدولية.
خاتمة:
لم يحصل الشعب الفلسطيني على استقلاله بعد، لا بسبب ضعف نضاله، بل بسبب قوة المنظومة التي تعادي حقه في
تقرير المصير. إسرائيل لا ترفض فقط إقامة الدولة الفلسطينية، بل تسعى لطمس الهوية الفلسطينية بكاملها. لذا فإن
استمرار النضال هو الخيار الوحيد، مهما طال الزمن، لأن إرادة الشعوب، وإن تأخرت، لا تُقهر.

كاتب من المغرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب