مقالات

فصاحة لغة ترامب في الخطاب السياسي أ.د. خضر توفيق خضر -غزة- أكاديمي وكاتب

أ.د. خضر توفيق خضر -غزة- أكاديمي وكاتب

فصاحة لغة ترامب في الخطاب السياسي
أ.د. خضر توفيق خضر -غزة- أكاديمي وكاتب
تُعد اللغة ركيزةً جوهرية للإقناع والتأثير في عالم السياسة والدبلوماسية، فهي الأداة الأساسية لتشكيل الرأي العام وصياغة القضايا وبناء الهويات السياسية. وتعتمد قوة الخطاب السياسي political discourse على براعة الاستخدام اللغوي؛ فالسياسيون الذين يمتلكون أدواتٍ بيانية متعددة يستطيعون ترسيخ سلطتهم، خاصة في المجتمعات الديمقراطية التي تُعلي من شأن الحجة والبيان.
إن الكلمات ليست مجرد أحرف، بل هي محفزات تثير المشاعر وتولد ردود فعل متباينة لدى المتلقي. وهو ما بدا غائباً في الخطابات الأخيرة للرئيس ترامب Trump(مارس 2026) المتعلقة بالحرب على إيران بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ؛ إذ افتقرت تلك الخطابات إلى القوة البلاغية (Rhetoric) التي تعني فن التحدث والكتابة المؤثرة. وبمقارنتها بأسلافه، نجد تبايناً واضحاً؛ فبينما يميل ترامب للتندر، كان باراك أوباما Barak Obama مُولعاً بالمجازات البلاغية لتعزيز الأثر العاطفي ومخاطبة وعي الجماهير من خلال التركيز على قضايا الفرد والمجتمع .
وتُنذر خطابات ترامب، وفقاً لمحللين، بقرب انتهاء العمليات العسكرية ضد إيران، وإن ظل التوقيت والآلية رهن الغموض. لكن متى وكيف ؟ لا أحد يعلم ! . يتجلى في تغريداته عجزٌ عن انتقاء المفردات الدبلوماسية الرصينة، حيث يستبدلها بلغة عاطفية حادة تبني توقعاتٍ مفرطة في التفاؤل؛ فاستخدامه لعبارات مثل ‘قريباً جداً’ (Very soon) يمنح المتلقي شعوراً زائفاً بالحسم السريع. عاطفية ركيكة لبناء التوقعات المتفائلة مثل عبارات ” الحرب انتهت تقريبا ” (very complete ) وستنتهي” قريبا جدا ” ( very soon ), مما سيمنح المستمع شعورا بالإنجاز السريع والحسم وخلق صورة ذهنية للنصر المطلق مثل وصف تدمير القوات العسكرية الإيرانية بالكامل ( wiped out very completely ) ووصف أيضا الحملة العسكرية والحرب الدائرة حاليا بأنها رحلة قصيرة المدى (short term excursion ) مما يُغيّر النظرة للحرب من عمل تدميري إلى عمل بنائي .ولاحظنا بشكل واضح كيفية استخدام لغة التهديد في تصريحات ترامب وخاصة أثناء حرب الإبادة على غزة مستخدما لغة القوة التي لا تقبل التفاوض بل سياسة الأمر الواقع والتنفيذ بقوة . وفي اتصال هاتفي مع الرئيس الروسي بوتن , استخدم لغة ” اعطاء الأوامر ” أو النصيحة الحادة لضرورة انهاء الحرب الدائرة في أوكرانيا فورا ( get it over ) واصفا إياها” بالحرب السخيفة ” , مما يعكس رغبته في فرض رؤيته كقوة عظمى مهيمنة . هذا النمط اللغوي الذي يفرضه كقوة هيمنة، يعيدنا إلى مقولة الروائي والكاتب البريطاني جورج أورويل George Orwell ” لقد صُممت اللغة السياسية لكي تجعل الأكاذيب تلبس ثوب الحقائق ولكي تقتل ما هو جدير بالاحترام ” . هذا ما قدمه أورويل Orwell لنقد لغة السياسة في أواخر النصف الأول من القرن العشرين في رواية Animal Farm” ” مزرعة الحيوان ورواية “1984” الذي يركز فيها على جوانب العلاقة بين اللغة والسلطة من ناحية واللغة والفكر من ناحية أخرى وكيف يمكن استخدام اللغة للقمع والخداع وترسيخ السلطة وبين مفهوم Orwell للغة الجديدة واستخدام مصطلح “اللغة المزدوجة” Double Speak “” والتضليل مثل تسمية معسكرات التعذيب ب “وزارة الحب ” وتسمية وزارة الحرب ب “وزارة السلام”.
وخلاصة القول عند أورويل (Orwell)؛ إن اللغة هي الحصن الأخير للحرية؛ فإذا ما سقطت في يد السلطة، فقدَ الفرد قدرته على تعريف ذاته وفهم واقعه، ليتحول من كائن مفكر إلى مجرد جهاز استقبال للإملاءات.
إن اللغة في سياقها السياسي (Contextual meaning) تتجاوز الكلمات الحرفية إلى ما وراء النصوص؛ حيث يتشكل المعنى بناءً على الزمان والمكان والمشاركين في التخاطب. وفي عالم السياسة اليوم، تظل اللغة هي ‘السلطة الناعمة’ الأكثر فتكاً؛ فمن يمتلك زمام القاموس يمتلك زمام العالم. وكما يقال في مأثورنا الشعبي عن الفصاحة المبكرة: ‘الديك الفصيح من البيضة يصيح’، فالفصاحة السياسية موهبة وأداة، من يفقدها يفقد القدرة على التأثير

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب