لستُ بالفعلِ صحفيّاً

لستُ بالفعلِ صحفيّاً
فراس حج محمد| فلسطين
لا أدري على نحو الدقة متى تم وصفي بالصحفي لأوّل مرّة، لم أستسغ هذا الوصف، لأنني بالفعل لستُ صحفياً، ولمعرفتي أنّ الصحفي غيـر الكاتب في المهمة والأسلوب والرسالة، فإن خلا أحياناً الكاتب من الرسالة وتحمُّل تبعات معينة، فإن الصحفي يجب ألا يخلو من الرسالة؛ أيْ الهدف السامي من وراء عمله كله، مجملاً ومفصلاً، أما الكاتب فقد يكون أحياناً مجرداً من الهدف، إذ يكتب لمجرد أنه يمارس هوايته، ويحب صنعة الكتابة، هكذا أفعل، وبهذا وشبيهه يبوح الكتّاب في حواراتهم أو شهاداتهم الإبداعية، فكونك كاتباً يجب أن تظلّ أصابعك عاملة وتكتب، كالزُّمار الذي يموت وأصابعه تلعب، والكاتب أيضاً يموت والقلم بين إصبعيه، حتى لو كانت كتاباتك لا طائل من ورائها، فالكتّاب يكتبون أو يمارسون عملهم يوميّاً، ولا أحد يدفعهم إلى ذلك سوى أن الكتابة كفعل إذا لم تتحقق دوماً، وإن لم تظل الأفكار في “خضّ ورجّ” سيعاني الكاتب يوماً بعد يومٍ من عسر في الكتابة، وسيؤول إلى التوقف، لذلك قالت العرب: “ثلاثة تسهل بالعادة: الكتابة والخطابة والصلاة”.
وعليه، فالصحفي غير الكاتب من هذه الناحية، ومن ناحية أخرى، فالكتابة ليست مهنة، كما تكون الصحافة مهنة للعامل فيها، فأنا لا أتكسّب من الكتابة قاصداً أن تدرّ عليّ مالاً، كما لا يعاني الصحفي من “مأزق الصفحة البيضاء” كما يعاني الكاتب، فكل أمر طارئ يصلح للعمل الصحفي، لكن ليس كل فكرة صالحة لتكون عملاً أدبياً، ولذلك هناك فرق عملي بين “السبق الصحفي” والفكرة الجديدة غير المطروقة، وليست فقط الفكرة المطروقة هي ما يبحث عنه الكاتب إنما الأساليب والتقنيات المبتكرة هي التي تعنيه في كثير من الأحيان.
إنّ الصحفي بحكم عمله في الأخبار، جمعاً وتحليلاً، يكون معنياً بلغة سهلة بسيطة متقشفة، لا يستطرد، ولا يزخرف، ولا يتأنق في الأسلوب، يلتـزم بالحد المقبول من أساسيات الكتابة؛ الصحة اللغوية، واللفظ البسيط، والتركيب المؤدي للمعنى المباشر، هذه هي لغة الصحفي، فلو حاول التأنق بألوان البلاغة لصار أسلوبه منفراً غيـر عذب، إذ إن المطلوب منه ليس هذا، بل عليه تقديم المعنى بأقل لفظ ممكن وبطريقة سهلة. أما الكاتب فهو يتعمد التأنق والتجويد وتوظيف البلاغة وألوانها، ويحاول بكل قدرته الفنية أن يقول للمتلقي ها أنت أمام المعنى الذي تعرفه، ولكن بثوب جميل، ها أنت أمام ما يقوله الصحفي ولكن بطريقة أكثر متعة وأكثر تشويقاً وأقل ألماً. نعم أقل ألماً. لأنها أبعد عن المباشرة، ولذلك ثمّة خوف ناشئ يتولّد في نفوس الكتّاب المشتغلين بالصحافة من أن تجرّهم الكتابة الصحفية إلى لغة أخرى يتنازل فيها الكاتب شيئاً فشيئاً عن أسلوبه الأدبي المتأنق الشفّاف المغموس في البيان والبديع وألوان الجمال البلاغي اللفظي والمعنوي.
تعالوا نرى حادثة ما بزاويتين: الصحفية والأدبية؛ ولنأخذ مثلاً قضية “ريا وسكينة”، تلك القضية التي شاعت في مصر، لامرأتين حقيقيتين كانتا تقتلان الضحية وتسلبان ما معها من مصاغ. هذا خبر صحفي مؤلم جداً، قرئ في صفحة الحوادث في الجرائد المصرية، فتعاطف القراء مع النساء الضحايا، وتوجّعوا لما حل بهنّ، وتشبعوا بكل مشاعر الكره تجاه الجانيتين؛ ريا وسكينة، وسعوا إلى أن يحل بهما الجزاء العادل، بل وأشاعت القصة رعباً في نفوس الناس؛ فربّما كان أحدهم ضحية قادمة.
هذا الحدث المؤلم، عندما تحول إلى مسرحية، اختلطت النواحي التراجيدية بالكوميدية، ووضعت المشاهدين بأجواء بعيدة عن مسرح الجريمة، أبعدت الجريمة الحقيقية عن مسرح العرض، مع أنها لم تتلاشَ نهائياً، ولكن كان للعناصر المسرحية المختلفة وأداء الممثلين دور كبيـر في أننا أحببنا ريا وسكينة المسرحيتين وكرهنا ريا وسكينة المجرمتين. فليس مهمة الأدب البحث عن العدالة، ولكن بلا شك من مهامه التي لا يتنازل عنها هو تحقيق المتعة، ولم يبق في ذهن المشاهد سوى تلك المواقف المضحكة، ويكاد يتذكر ما يشير إليه النص أو العرض من مآسٍ إنسانية.
إن كل الأعمال الأدبية ذات سند واقعي صحفي، ولكنها تأخذ لغة الصحافة إلى ما هو أبعد من حدودها الجُرْمية والقانونية، ولو بحث المرء لوجد ذلك- مثالاً لا حصراً- في أعمال غسان كنفاني، وخاصة “رجال في الشمس” و”عائد إلى حيفا”، وهذا لا يعني أن إحدى اللغتين لغة عليا والأخرى لغة دنيا، بل يعني أن لكل لغة طبيعة خاصة، فإذا دخلت إحداهما على الأخرى أفسدت العمل حتماً، فالعمل الصحفي المكتوب بلغة أدبية أراه عملاً رديئاً، كما أن العمل الأدبي المكتوب بلغة صحفية رديء كذلك، وليعطَ لكل ذي حق حقه.
أنا بالفعل لست صحفياً، وربما كنت كاتباً أصبت شيئاً من اللغة الأدبية هنا أو هناك بما تعلمته من صنوف البلاغة والأسلوب والتروي والتأنق. أما لغة الصحافة فأنا لا أعرفها، بل إنني فاشل فيها فشلاً ذريعاً، ولذلك عندما عرضت عليّ إحدى الصحف الكبرى أن أكون مراسلاً لها في فلسطين اعتذرت بلطف، لأنني أعرف ما عليّ دفعه من ثمن لو قبلت ذلك، على الرغم من أنها ستجلب لي دخلاً إضافيّاً جيّداً، فسأتنازل عن عزلتي أولاً، وأطارد الأخبار، وأقف على الأبواب، وأنتظر الردود والمكالمات، وسأعرّض نفسي لمواقف قد تكون محرجة، وأفقد هيبتي ككاتب مستقل بعيد عن كل الأوساط، وسأضطر إلى اجتراح المجاملات التي لا أتقن صياغتها، وغير هذا وذاك فإنني سأخسر الوقت، وهل أنا مجنون لأخسر هذه المادة الذهبية اللازمة لصنع قصيدة رائقة أو قطعة سردية فاتنة أو مقالة نقدية سابرة؟
والآن سأبوح بسرّ، قد لا يعني أحداً سواي، لكنه ذو دلالة بالنسبة إليّ وأنا أراجع نفسي وأوصافها.
تعود هذه الحادثة التي سأرويها الآن إلى ذلك الزمن الذي كنت فيه “تحريرياً”، أي منتسباً إلى حزب التحرير (الإسلامي)؛ فقد أنشأ الحزب منذ زمن بعيد قبل عام 2008، موقعاً إلكترونيّاً أسماه “الناقد الإعلامي”، وأوكلني مع آخرين مهمة أن أكون إدارياً فيه، وهذه مهمة أكبر من مهمة المشرف، إذ يكون من صلاحياتك أن تحذف الموقع كاملاً أو تغيّـر الأبواب، أو ما شابه، ولكنني فشلت في إدارته، كان الحزب يتغيّا أن يدربنا على العمل الصحفي، وكان يريد أن يضع لبنة لمؤسسة إعلامية صحفية؛ لأنه كان يرى الدولة “على مرمى حجر” أو باللغة الدينية المستعارة من القرآن الكريم “قاب قوسين أو أدنى”، فقد كان يظنّ أن “الدولة الإسلامية” ستقوم في أية لحظة، فجأة، دون مقدّمات، لذلك يجب أن نكون لهذا البازغ سريعاً قويّاً كاسحاً مستعدين جدّاً، وما زال الحزب يعمل بهذه “الحتمية الدينية” إلى الآن.
لم أنجح في تلك المهمة وأُخرجت منها، وأنا غير مبالٍ فعلاً، فقد شعرت بالمهمة تثقلني وتقيدني وتزيد أعبائي، إذ لم تكن تناسبني، وقد جربت نفسي قبل ذلك وأنا في الحزب أيضاً عندما كنت عضواً في “منتدى العقاب” الإلكتروني، كأحد الذين ينشرون، ورفضت استلام أية مهمة إشرافية أو إدارية، حتى تلك الأخبار التي كنت أجمعها من الصحف والمواقع لأنشرها في “القسم السياسي”، كنت أعيد نشرها كما هي، فيرشدنا المسؤولون- أنا ومن على شاكلتي- إلى أنه لا بد من إبداء الرأي عليها، وكأنه يريدنا أن نتعلم التحليل السياسي والتحليل الاقتصادي والاستراتيجيات العسكرية وربطها بوجهة النظر الحزبية، كان يريدنا أن نكون حزبيين وسياسيين ومفكرين واقتصاديين ومخططين عسكريين وصحفيين وإعلاميين، ولذلك لم أكن من الفريق العامل في المكتب الإعلامي للحزب في فلسطين، فكيف أكون وأنا الهارب دائماً من قسم الأخبار لأنكبّ في قسم الأدب ناشراً قصائدي؟ كنت أجد راحتي مع اللغة الأدبية، وأتمدد في تلك اللغة كما يحلو لي، إذ الضوابط الحزبية أقل، والفسحة في هذا القسم أوسع.
لم يكن الحزب يشجع الأدب وقول الشعر، وإن كان ولا بد من ذلك فليكن في الخلافة وقضايا الأمة، مع أنه كان ينشر في أغلب أعداد مجلة “الوعي” قصيدة وأحياناً قصيدتين تتسقان مع الأفكار الحزبية، ولذلك كان الحزب يرى أن التفكير السياسي هو أعلى أنواع التفكير، أما أنا فوجدت بحساسيتي التي لم يفسدها الحزب أن الأدب هو أعلى أنواع التفكير، وقدمت في إحدى المرات كلمة في اجتماعنا الحزبي الشهري بهذا الخصوص، فتم مخالفتي بذلك، ولم أنجح في تمرير قناعتي التي لم أكن أرى أنها مخالفة لقناعة الحزب وأفكاره، إنما هو رأيٌ نما وتتطور على حوافّ الأفكار الحزبيّة، لم ير الحزب- حسب ما فهمت- في الأدب غير أنه هامشيّ، ويمكن الاستغناء عنه، وليس الأدب وحده بل الفنون الأخرى. وكان يحرّم “التمثيل” باعتباره داخلاً في مفهوم الكذب، وعلى الرغم من أنه أو أي فقيه من فقهائه- كما أعلم- لم يحرّموا الموسيقى وكانوا يعتبرونها “مباحاً”، إلا أنه يجب الاهتمام بما هو أولى، وأن ممارسة بعض المباحات هدم للرجولة، ولا يصحّ أن يأتيها “حامل الدعوة”.
لكل ذلك لم أكن في يوم من الأيام صحفياً، ولن أكون. سألت مرة أحد الصحفيين الأدباء، لكونه عضو نقابة الصحفيين وعضو اتحاد الكتاب الفلسطينيين، على هامش أحد مؤتمرات اتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين، كيف يمكن للمرء أن يصبح عضواً في نقابة الصحفيين؟ فأجابني بما أجاب به، فرأيت أن شروط العضوية لا تنطبق عليّ ولن تنطبق. وبما أن هذه الصفة لا يمكن لها أن تنطبق عليّ، فإنني أستغرب جداً كيف يلصقها بي بعض محرري الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية، بل إن أحد المواقع أصدر لي بطاقة تعريفية كاملة بوصف “الصحفي”.
ومن طريف هذا الوصف أننـي أخذت أستعرض مع بناتي ساخراً وممازحاً في جلسة ما الأوصاف التي تُطلق عليّ هنا وهناك، فأخذت أعدّد: أكاديمي، كاتب، شاعر، ناقد، فقالت إحدى بناتي دون سابق إنذار: “وصحفي”، قالتها بطريقة مسرحية ساخرة، فدوّت ضحكتنا على هذه النكتة العفوية.
فهل يا ترى سيرحمني المحررون ويحررونني من هذا الوصف الذي تلبّست به غصباً عني؟ فلا أقوى على هذا الوصف ولا يناسبني، وإن كتبت عشرات التقارير الصحفية الخاصة بالفعاليات الثقافية وإصدار الكتب، وأشرفت زمناً ما على مجلتي الزيزفونة للأطفال، وتلقيت دورة “الصحفي الصغير” التعليمية التربوية، ودربت المعلمين والطلاب على تلك المهارات التي تضمنتها الدورة، ورضيت بأن أكون مسؤول مكتب فلسطين في مجلة الليبي، على الرغم من أنهم أنزلوني من “رتبة مسؤول” إلى رتبة “مراسل”، لكن هذه الصفة لم تكلّفني شيئاً إضافياً، فأقررتها ولم أراجع المحررين في ذلك، ولا أريد أن أتخلّى عنها لاعتبارات أهم من الوصف والتسمية، إضافة إلى أن رئيس تحرير مجلة “سورياز” الصديق دلشاد مراد أكرمـني بجعلي عضواً في “اللجنة الاستشارية للمجلة” مع نخبة من الكتّاب والأدباء والأكاديميين في العالم والوطن العربي، وثمة فارق كبير بين كل هاتيك الأوصاف وبين وصف “الصحفي”، ولذا أعيد وأكرّر الفكرة الأساسية من هذه الكتابة أنني “لست بالفعل صحفيّاً”.



