مقالات

حكايات في التعلم

حكايات في التعلم
الكاتب: تفيدة الجرباوي

الحكاية ١٣

بين الجذور والأفق

لم تكن علاقة عليا وجود صداقة بدأت بقرار، ولا شراكة تشكّلت بتخطيط. كانت أقرب إلى مسارَين التقيا مراراً، وفي كل مرة اكتسبا معنى جديداً، كما لو أنّ الزمن يمنحهما فرصة للتعارف على مراحل.
بدأ الأمر في الطفولة، حين ضاعت عليا في المدينة، وكان جود، الأكبر قليلاً، من أشار لوالدها إلى مكانها. لم يكن لقاءً يُحتفى به، بل لحظة عابرة بقي أثرها ساكناً في الذاكرة.
في الثانوية، عاد التقاطع من بعيد. درست عليا وجود في مدرستين مختلفتين، لكنهما اجتمعا في امتحان فيزياء موحّد، والتقيا لاحقاً في أكثر من نشاط ومعرض طلابي مشترك، حيث بدأت ملامح اختلاف رؤيتهما للأشياء تظهر بهدوء. وعند إعلان النتائج، كانت علامتاهما في المقدمة. لفت اسم جود انتباه عليا كمتفوّق صامت، دون أن تربطه بعد بذاك الموقف القديم.
اللقاء الحقيقي جاء في الجامعة. في مختبر الفيزياء، لاحظت عليا دقّته وجديته، فاختارته شريكاً في التجارب. هناك، تعارفا كما يتعارف الشركاء الحقيقيون: عبر العمل لا الحديث.
ومع الأيام، اكتمل الخيط… وتلاقى الماضي مع الحاضر بهدوء.
توسّع التعاون بينهما في مشاريع وأنشطة متعددة، تنوّعت بين العلمي والثقافي والرياضي.
كانا يلتقيان في القيم… رغم اختلاف الأسلوب: عليا تميل إلى التنظيم وبناء القرار على منهجية، وجود أكثر مرونة، ينطلق من السياق وينصت لتفاصيل الواقع.
في أحد الأنشطة، شاركا في التحضير لمسرحية طلابية على خشبة مسرح الجامعة.
كانت عليا تتابع تفاصيل التنفيذ بدقة؛ توزيع الأدوار، ضبط المواعيد، وترتيب المشاهد كما كُتبت.
أما جود، فكان يتنقّل بين المشاركين، يستمع لملاحظاتهم، ويقترح تعديلات صغيرة على الحوار أو الحركة، كما لو أنه يرى العرض وهو يتشكّل، لا كما كُتب فقط.
قالت له، وهي تشير إلى النسخة المطبوعة: إذا غيّرنا الآن… قد نفقد تماسك العمل.
أجابها: وإذا لم نصغِ لما يحدث على المسرح… قد يبقى ناقصاً.
توقفت لحظة، تنظر إلى الخشبة حيث كان الممثلون يجرّبون المشهد، ثم قالت: علينا أن نُحكمه قبل أن نغيّره.
ابتسم: وأحياناً نحتاج أن نغيّره… لنعرف إذا كان متماسكاً أصلاً.
لم يكن بينهما خلاف مباشر، لكن كلّاً منهما كان يرى العمل من زاوية مختلفة.
وفي ليلة العرض، لم يكن واضحاً أين انتهى ما خُطّط له… وأين بدأ ما وُلد على الخشبة.
وفي أحد المساقات الجامعية، كتبت عليا مقالاً أدبياً غنياً عن الشاعر بدر شاكر السياب. كان المقال مشحوناً بالصور والوجدان.
أما جود، فاختار شاعراً حكيماً، وكتب بنبرة تحليلية واضحة.
قبل التسليم، اطّلع جود على مقالها، وقال بصراحة: بهذا الأسلوب… سترسبين… أنتِ تبالغين في العاطفة.
ابتسمت عليا، وأغلقت الملف دون جدال.
لكن النتيجة جاءت مختلفة. كانت علامتاهما في المقدمة، ولاحظت الأستاذة تميّز كلٍّ منهما بأسلوبه.
بعد المحاضرة، قال جود، هذه المرة بابتسامة فيها شيء من الاعتراف: يبدو أنني تسرعت في الحكم.
نظرت إليه عليا، وقالت: وأنا لم أعتد أن أشرح لماذا أكتب بهذه الطريقة…
ثم أضافت، بابتسامة أخف: لكن ربما كان عليّ أن أفعل.
قال جود: يبدو أنني لم أدرك سر نجاح أسلوبك.
صمتت عليا لحظة، ثم قالت بهدوء دافئ: وأنا بدأت الآن أفهم ما تراه أنت في أسلوبك.
تبادلا نظرة قصيرة… ولم تحتج إلى تعليق.
بعد التخرج، واصلا دراستهما في جامعات مختلفة في الخارج: هو في القانون، وهي في أحد مجالات العلوم التطبيقية.
التقيا مراراً في مؤتمرات الطلبة السنوية. لم تكن اللقاءات عابرة، بل مساحات لنقاشات معمّقة صقلت الفهم والهوية.
هناك، لم تعد آراؤهما متقاربة دائماً… بل أصبحت أكثر وضوحاً واختلافاً.
في إحدى الاستراحات، جلسا بعد نقاش طويل.
قال جود: سأتخرج بعد عدة أشهر وسأعود إلى وطني. ليس لأنه الطريق الأسهل، بل لأنه الأصح بالنسبة لي.
صمت قليلاً، ثم سأل: وأنتِ… ما مخططاتك لما بعد التخرج؟
تأمّلته عليا، ثم قالت: لديّ عرض عمل لا يقاوم هنا… أفكّر في قبوله؛ فهو فرصة لنشر المزيد من أبحاثي التي تحافظ على البيئة وتحسّن حياة الإنسان.
نظر إليها جود وقال: في بلدك، سيمكّنك علمك من خدمة أهلك الذين هم في أمسّ الحاجة إليه.
ثم أكمل: المعرفة التي لا تعود إلى أهلها… تبقى ناقصة، يا عليا.
قالت: أفهم ما تقصده يا جود… لكنني لا أرى المكان بالطريقة نفسها. ما أعمل عليه قد يصل إلى أشخاص لا أعرفهم، في أماكن لم أصلها. أحياناً، الأثر لا يتحدد بالمكان… بل بامتداده.
قال جود: ومن دون جذور، قد نفقد الاتجاه.
ابتسمت عليا: ومن دون أفق، قد نفقد الإمكانية.…
ساد صمت قصير… وحين عادت عليا إلى الوطن بعد سنوات قليلة، لم تعد تلك النقاشات تبدو لها كما كانت.
لم تتذكر ما قيل حرفياً، لكنها تذكّرت كيف كانت بعض الأسئلة تتأجل… وكيف كانت الإجابة تتغيّر، كلما نُظر إليها من زاوية أخرى.
ابتسمت. وبدا لها أن بعض الأسئلة تتّسع مع الزمن أكثر مما تضيق. ثم وجدت نفسها تفكّر، كما اعتادت… بصوتين.

الايام الفلسطينية

 


 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب