بين جدل «الموكب» وأزمة المعيشة.. المواطن الفلسطيني يريد شفافية في الإنفاق وأولوية للضرورات

بين جدل «الموكب» وأزمة المعيشة.. المواطن الفلسطيني يريد شفافية في الإنفاق وأولوية للضرورات
إعداد وتقرير: المحامي علي أبوحبلة
أعاد الجدل الذي رافق زيارة رئيس الوزراء والوزراء إلى محافظة الخليل فتح نقاش يتجاوز عدد السيارات التي ظهرت في مقاطع متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، ليصل إلى سؤال أوسع يتعلق بأولويات الإنفاق العام في ظرف اقتصادي فلسطيني بالغ الصعوبة.
فقد أوضح مركز الاتصال الحكومي أن الوفد الرسمي انتقل من رام الله إلى الخليل بأربع سيارات فقط، وأن سيارتي أمن انضمتا إليه عند الوصول إلى منطقة بيت لحم، مؤكداً أن السيارات الكثيرة التي ظهرت في بعض المقاطع تعود إلى مؤسسات وهيئات محلية شاركت في الزيارة، ولا تتبع الوفد الرسمي.
ومن الإنصاف التعامل مع هذا التوضيح باعتباره تصحيحاً لمعلومة متداولة، وعدم تحميل الحكومة مسؤولية مركبات لا تتبع وفدها الرسمي. لكن ذلك لا ينهي النقاش؛ لأن القضية الحقيقية ليست عدد السيارات وحده، وإنما كيف ينظر المواطن إلى الإنفاق العام في ظل الظروف التي يعيشها؟
فالوضع الاقتصادي الفلسطيني يزداد صعوبة، والأزمة المالية للسلطة الفلسطينية انعكست على انتظام الرواتب والخدمات والنشاط الاقتصادي. ويشير البنك الدولي إلى أن السلطة واجهت خلال عام 2025 أزمة مالية حادة، مع تراجع الإيرادات وارتفاع المتأخرات، فيما تراوحت دفعات رواتب موظفي القطاع العام في أواخر 2025 بين 50 و60 بالمئة. كما بقيت البطالة في الضفة الغربية مرتفعة عند نحو 28 بالمئة خلال 2025.
وفي المقابل، يشعر المواطن بأن دخله يفقد جزءاً متزايداً من قدرته الشرائية تحت ضغط الضرائب والرسوم والأسعار وتكاليف الكهرباء والمياه والاتصالات والإنترنت والنقل والسلع الأساسية.
وتؤكد بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن أسعار المستهلك في الضفة الغربية ارتفعت خلال أغسطس/آب 2026 بنسبة 1.32 بالمئة مقارنة بالشهر السابق، فيما ارتفعت بعض البنود الأساسية بصورة ملحوظة، ومنها وقود الديزل والخضروات والنقل. � كما تظهر بيانات الجهاز ارتفاعاً كبيراً في تكاليف مجموعات أساسية خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك السكن والمياه والكهرباء والوقود والغذاء.
الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني
وهنا تبرز ضرورة الدقة في المقارنات المتعلقة بخط الفقر الإسرائيلي. فليس دقيقاً القول إن كل شخص يتقاضى 7 آلاف شيقل في إسرائيل يقع تلقائياً تحت خط الفقر؛ إذ يحدد تقرير التأمين الوطني الإسرائيلي خط الفقر لعام 2024 للفرد المعياري بنحو 3547 شيقلاً، ولزوجين بنحو 7095 شيقلاً، فيما يرتفع الخط بصورة كبيرة تبعاً لحجم الأسرة.
ومع ذلك، فإن المقارنة تكشف مفارقة اجتماعية واقتصادية تستحق النقاش: الدخل الفلسطيني أقل بكثير في المتوسط من الدخل الإسرائيلي، بينما يتحمل المواطن الفلسطيني تكاليف خدمات وسلع مرتبطة بالاقتصاد الإسرائيلي أو متأثرة به، من دون أن يتمتع بمستوى الدخل أو الحماية الاجتماعية نفسها.
كما أن دراسة للبنك الدولي حول أثر السياسة المالية والضرائب والتحويلات في الأراضي الفلسطينية وجدت أن النظام المالي المدروس، رغم مساهمته في خفض التفاوت، أدى أيضاً إلى زيادة معدل الفقر الوطني بنحو 8.4 نقاط مئوية، وهو ما يبرز حساسية الضرائب غير المباشرة عندما تقع على دخول محدودة.
من هنا، فإن المواطن لا يريد سجالاً حول عدد السيارات بقدر ما يريد حكومة شفافة في إنفاقها، مقتصدة في النفقات غير الضرورية، وأكثر حساسية تجاه الظروف المعيشية للناس.
الزيارة الميدانية للمحافظات مطلوبة، والاستماع إلى احتياجات المواطنين واجب حكومي، لكن المطلوب أن تترافق هذه الزيارات مع أعلى درجات البساطة والانضباط في المراسم والإنفاق، خصوصاً عندما تكون الخزينة تحت ضغط والرواتب تواجه صعوبات، والمواطن يكافح لتأمين أساسيات الحياة.
المطلوب ليس محاكمة الحكومة بصورة مسبقة، ولا تبرئة أي إنفاق من دون بيانات، وإنما إرساء قاعدة بسيطة: المال العام أمانة، والشفافية حق للمواطن، وترشيد النفقات مسؤولية وطنية.
وبذلك يتحول الجدل من «كم سيارة ظهرت في الفيديو؟» إلى السؤال الأهم: هل تتناسب كل نفقة عامة مع الأولويات الحقيقية للمواطن الفلسطيني في هذه المرحلة؟
وهذا سؤال مشروع، لا يستهدف شخصاً بعينه، بل يعبّر عن حاجة المجتمع إلى إدارة عامة أكثر شفافية، وإلى سياسة مالية تراعي أن المواطن الفلسطيني لم يعد يحتمل مزيداً من الأعباء بينما تتراجع قدرته الشرائية وتتسع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة.



