أصدرت أحكاماً ضد قرارات سعيّد الاستثنائية.. ماذا يعني انسحاب تونس من المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان؟

أصدرت أحكاماً ضد قرارات سعيّد الاستثنائية.. ماذا يعني انسحاب تونس من المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان؟
قررت تونس رسمياً سحب اعترافها بالمحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان، وذلك بعد سلسلة من الأحكام التي أصدرتها هذه المحكمة ضد سياسات الرئيس قيس سعيّد، منذ حله للبرلمان وتفرده بالحكم في 25 يونيو/حزيران 2021. ولم تعلن الحكومة التونسية رسمياً عن إعلان الانسحاب من المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان، بل أخذت الخطوة في سرية تامة، قبل أن تتسرب وثيقة تؤكد خروج تونس من المحكمة الأبرز في إفريقيا.
وتعتبر المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، التي تأسست سنة 2004، هيئة قضائية إقليمية تلجأ لها المنظمات غير الحكومية أو الأفراد الذين لا يجدون الإنصاف داخل بلدانهم، وذلك بغرض تقديم شكاوى. ومنذ وصوله إلى قصر قرطاج، اتخذ الرئيس التونسي قيس سعيّد مجموعة من الإجراءات غير الاستثنائية التي وُصفت بأنها خرق للدستور وتكريس لحكم فردي، أبرزها تفعيل الفصل 80 دون احترام شروطه، تجميد ثم حل البرلمان، والاستيلاء على السلطتين التنفيذية والتشريعية.
كما أصدر الأمر الرئاسي عدد 117، الذي علّق العمل بمعظم فصول دستور 2014، وألغى الهيئات الرقابية، وأتاح له الحكم بأوامر دون رقابة، وهو ما اعتُبر من قبل خبراء القانون والمجتمع الدولي تعليقاً فعلياً للدستور وانقلاباً على النظام الديمقراطي. كما نظم الرئيس قيس سعيّد استفتاء عن الدستور سنة 2022 دون مشاركة حقيقية، وعزل عشرات القضاة دون محاكمات، بالإضافة إلى محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري.
ما هي الأحكام التي أصدرتها المحكمة؟
أصدرت المحكمة الإفريقية بطلان الأمر الرئاسي عدد 117 والمراسيم 69، 80، و109 المرتبطة به، معتبرةً أنها تخالف المادة 13 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، والتي تضمن حق الشعوب في إدارة شؤونهم العامة. وأصدر الرئيس التونسي الأمر الرئاسي 117 في 22 سبتمبر/أيلول 2021 يعلق من خلاله العمل بأبواب دستور 2014، ويعطي الحق للرئيس وضع القوانين من خلال أوامر رئاسية، دون المرور بالبرلمان أو أي مؤسسة تشريعية.
ويعطي الأمر الرئيس لقيس سعيّد الحق في تولي جميع الوظائف التنفيذية وممارسة سلطة وضع السياسة العامة للدولة، وتعيين رئيس الحكومة والوزراء وإنهاء مهامهم دون العودة لأي جهة، وتعيين القضاة وإلغاء الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين. وطالبت المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان أيضاً من قيس سعيّد إرساء المحكمة الدستورية، وفي سبتمبر 2023، دعت المحكمة تونس إلى اتخاذ تدابير عاجلة لضمان الحقوق الأساسية وسلامة عدد من المساجين السياسيين.
وقد خلف انسحاب تونس من المحكمة إدانات من منظمات مثل الرابطة التونسية لحقوق الإنسان وشبكة الحقوق والحريات، التي اعتبرت القرار خرقاً لتعهدات تونس القارية والدولية. كما تم تنظيم وقفات احتجاجية تطالب بالتراجع عن القرار، مقابل ذلك صدرت مجموعة من الإدانات من جهات إفريقية ودولية محذرة من تآكل مؤسسات الرقابة في البلاد.
ماذا يعني الانسحاب من المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان؟
بمجرد إعلانها الانسحاب من بروتوكول المحكمة، لم تعد هناك إمكانية للأفراد في تونس رفع قضايا مباشرة ضد الدولة التونسية أمام المحكمة الإفريقية، باستثناء الدول أو الهيئات الإفريقية الرسمية مثل اللجنة الإفريقية. بمجرد إعلان تونس انسحابها من بروتوكول المحكمة، تفقد هذه الأخيرة سلطتها الرقابية المباشرة على انتهاكات حقوق الإنسان في تونس، وحتى الأحكام السابقة التي أصدرتها المحكمة لن تكون ملزمة سياسياً لتونس بعد الآن.
واعتبر المحامي والباحث في القانون كريم المرزوقي أن “سحب الاعتراف باختصاص المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في قبول دعاوى الأفراد والمنظمات المعنية طبق ميثاق المحكمة هو نكسة جديدة في مسار تخلي الدولة عن التزاماتها الدولية والقارية تجاه تدعيم الرقابة القضائية على احترام قواعد حقوق الإنسان”.
وأوضح المحامي في تصريح خاص لـ”عربي بوست” بأن “تونس تنضم إلى قائمة دول انسحبت لمجرد صدور قرارات قضائية ضدها، وهذا ما يعكس الفشل في إقناع قضاة المحكمة الإفريقية بدفوعاتها، وفي الوقت الذي كان يجب على الدولة تنفيذ القرارات وهي متعددة في السنوات الأخيرة اختارت الهروب للأمام”.
ورأى المرزوقي أن “قرار الانسحاب يظهر أن السلطة اختارت تمريره في جو من التعتيم ودون إعلان رسمي، ما يعكس حجم الحرج منه باعتباره إقراراً مباشراً بعدم احترام الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب”.
ولفت الحقوقي إلى أن هذا الانسحاب سيحول دون قدرة التونسيين على اللجوء للمحكمة لطلب رقابة حول احترام الدولة للميثاق الإفريقي، وبالخصوص احترام الحق في المشاركة السياسية، ومبدأ الفصل بين السلطات، وتوفير ضمانات استقلالية القضاء.
وأشار إلى أن فقه قضاء المحكمة نفسه يدفع نحو مواصلة قبول الدعاوى لمدة عام من تاريخ سحب الاختصاص، ولذلك ربما من المفضل تشجيع مواصلة رفع دعاوى خلال هذه المدة تمسكاً بالحق في اللجوء للقضاء الإقليمي كآلية لدفع الدولة لاحترام الحقوق السياسية والمدنية على وجه الخصوص”.
وقال المتحدث إن المنظمات الحقوقية والشخصيات المعنية مجبرة على اللجوء إلى المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، خاصة في ظل هشاشة وضع القضاء في تونس مع واقع سيطرة السلطة التنفيذية ونسف ضمانات المحاكمة العادلة.