جارّاً معه الدولة كلها.. هكذا بات نتنياهو يعيش في حالة هرب دائم من سلطات القانون

جارّاً معه الدولة كلها.. هكذا بات نتنياهو يعيش في حالة هرب دائم من سلطات القانون
المرة الأخيرة التي سجل فيها نشاط كهذا في مكتب رئيس الحكومة في الصباح الباكر كانت صباح 7 تشرين الأول في الساعة 6:29 دقيقة عندما أطلقت حماس آلاف الصواريخ نحو إسرائيل، واستيقظ نتنياهو على صوت صافرات الإنذار هو وكل مواطني الدولة. أمس في الساعة 6:53 دقيقة، انحرف مكتب نتنياهو عن عادته ونشر بياناً حول قرار تعيين مرشح مفاجئ، قائد سلاح البحرية السابق إيلي شاربيت في منصب رئيس “الشاباك”.
استغل نتنياهو الثغرة التي أبقتها له المحكمة العليا في قرارها والسماح له بمقابلة مرشحين لرئاسة “الشاباك”. حدث هذا رغم تضارب المصالح الذي فيه رئيس الحكومة – تسريعه لاستبدال بار بسرعة في وقت يجري فيه الأخير تحقيقاً مع رجال مكتب نتنياهو في القضية القطرية.
حتى الظهيرة، تلاشى ترشيح شاربيت، الذي كان مكتبه قد عرضه كحقيقة منتهية في الصباح. الجنرال احتياط استمتع بمكانته الجديدة خمس – ست ساعات قبل الكشف عن القضية التي أعاقت تعيينه. فقد تبين أنه في بداية الاحتجاج ضد الانقلاب النظامي في آذار 2023 شوهد في مظاهرة في شارع كابلان. رئيس الحكومة في الحقيقة عرف ذلك كما يبدو حتى من فترة المقابلات، لكن لم يتم إبلاغ أبناء عائلة نتنياهو بذلك. لقد ثارت عاصفة في الليكود وفي العائلة، وأحيط المراسلون المقربون بظهور مشكلة. وعندما ظهر المبرر وكأنه لا أساس له وأنه محرج، حتى بمفاهيم العصر السخيف، تم تسويق مبرر بديل وكاذب، وهو أن رئيس “الشاباك” الجديد نشر قبل بضعة أشهر مقالاً هاجم فيه ترامب بسبب سياسته المناخية. التعيين كما قيل، لم يكن ليجتاز ترامب.
هذا ادعاء وجد تعزيزاً في أقوال السناتور المقرب من نتنياهو ليندزي غراهام، الذي قال إن تعيين شاربيت قد يخلق توتراً لا حاجة إليه بين إسرائيل والرئيس الأمريكي، وأن الأمر يتعلق بخطوة “أكثر مما هي إشكالية”. ولكنها قصة مضحكة: هل يهتم ترامب بمسألة من سيكون رئيس الجهاز السري القادم في إسرائيل وما الذي كتبه في السابق، وأيضاً إمكانية أن يفكر نتنياهو بأن يسأل الرئيس الأمريكي عن رأيه في موضوع إسرائيلي داخلي.
على أي حال، يبدو أنه تم إلقاء شاربيت تحت إطارات الحافلة، وسيمر يومان – ثلاثة أيام وسيجد صعوبة في تذكر اسمه، لأن لديه مشكلات أخرى، وقبل ذلك تم طرح علامات استفهام حول هذا التعيين. لا تجربة لشاربيت في صفوف هذا الجهاز، الذي خطط رئيس الحكومة لتعيينه رئيساً له، وخلفيته الاستخبارية محدودة، وهو لا يتحدث اللغة العربية. صحيح أن رئيس الحكومة السابق إسحق شمير قال ذات مرة بأن “العرب هم نفس العرب والبحر هو نفس البحر”، لكن المشكوك فيه أنه كان يقصد ذلك. قرار إسقاط قائد سابق لسلاح الجو من أجل إصلاح جهاز “الشاباك” المتضرر، نجح ذات مرة مع عامي أيالون بعد قتل إسحق رابين. يصعب تخيل نجاح مشابه الآن في الظروف الحالية.
في المقابل، ربما أحب البيبيون شاربيت بصفته قائد سلاح البحرية عندما قلل من قضية السفينة التي يتم التحقيق فيها مع حاشية نتنياهو. ومعارفه، بما في ذلك رؤساء الأركان السابقون والسياسيون المشكوك فيهم في الوقت الحالي خصوصاً غانتس وآيزنكوت، مدحوا استقامته ومؤهلاته. ولكن القضية تتعلق بمن عَين وليس بمن عُين. ببساطة، محظور على نتنياهو أن يكون له أي موطئ قدم في تعيينات “الشاباك”، في الوقت الذي تجري فيه حرب علنية ضد رونين بار، وحلقة التحقيق في القضية القطرية تضيق حول الأشخاص في محيطه.
غير مؤهل
في الظهيرة تمت إضافة عامل آخر، حاسم، إلى الدراما المتطورة. فقد اعتقلت الشرطة اثنين من مستشاري رئيس الحكومة، إيلي فيلدشتاين ويونتان أوريخ، للتحقيق. ثم نشرت أسماء شهود آخرين وأشخاص يتم التحقيق معهم، على رأسهم (مفاجأة) نتنياهو نفسه. في هذه الأثناء كشاهد فقط. بشكل غير معقول، الشخص الذي قال إن بإمكانه مواصلة إدارة الدولة التي تحدق بها التحديات والعواصف، في الوقت الذي يواجه فيه لائحة اتهام في ثلاث قضايا، مطلوب منه قطع شهادته في المحكمة المركزية في تل أبيب حتى يواصل الطريق من هناك إلى مكتبه للشهادة في القضية الغضة أكثر.
وسائل الإعلام طبعت هذه الهستيريا، بالضبط مثلما فعلت في السابق بالتنبؤ حول هوية رئيس الجهاز الجديد وتدخل العائلة في التعيينات، ومع العلاقة بين معاناة رئيس الحكومة، السياسية والجنائية، واتخاذ القرارات في الحرب.
الفترة الزمنية القصيرة بين الإعلان عن تعيين شاربيت والاعتقالات والتحقيقات أدت إلى التقدير بأن نتنياهو عرف مسبقا بطريقة معينة ما هو متوقع، وبكر في السيطرة على الرواية التي سُوقت للجمهور بإطلاق بالون اختبار لحرف الانتباه. في وضع الشرطة البائس، الخاضعة لبن غفير، حتى هذا السيناريو يعتبر سيناريو محتمل. اليوم، رغم الحرب، ينوي نتنياهو الذهاب هو وزوجته والحاشية إلى قضاء نهاية الأسبوع في هنغاريا. ربما سيسمع من المهنيين الحقيقيين هناك أفكاراً جديدة حول كيفية محاربة “الدولة العميقة” الفظيعة، التي تحاصره من كل الجهات.
أحياناً، لا يضير قول الحقيقة على بساطتها: نتنياهو وضع نفسه والدولة في وضع صعب، وهو غير مؤهل للإمساك بالدفة. مكتبه يعمل بصعوبة، والشخص الرئيسي أوريخ، المستشار الذي يعتمد عليه نتنياهو كثيراً في الأشهر الأخيرة، وربما الذي يعرف كيفية دفن معظم الأسرار، هو الآن معتقل للتحقيق معه. أوريخ ليس فيلدشتاين؛ فمكانه في سلسلة الغذاء والوصول إلى المعلومات الحساسة أعلى بدرجة كبيرة. حتى الآن، لم يجرب اعتقالاً طويلاً كما حدث مع فيلدشتاين أو مستشارين سابقين لنتنياهو، من بينهم نير حيفتس.
التفكير بما يوافق أوريخ على قوله للنجاة من لائحة الاتهام في القضية القطرية، يمر بالتأكيد في ذهن كل المتورطين. قد يكون نقاش قانوني طويل في مسألة وزن الأدلة وبنود المخالفات نفسها، لكن يجب عدم تجاهل ما تم التحقيق فيه. عملياً، الشرطة و”الشاباك” يفحصان احتمالية حصول أشخاص رفيعين في مكتب رئيس الحكومة على أموال من قطر، سواء مقابل خدمة قاموا بها من أجلها أو (هذا ربما أكثر خطورة) كوسيلة تمويل بديلة لنتنياهو.
يثور في السطر الأخير شك بأن قطر ساعدت في تمويل جهاز حماس الإرهابي، وماكينة السم لنتنياهو. ليس غريباً أن ينشر المكتب بيانات هستيرية أكثر ضد بار والمستشارة القانونية للحكومة.
هذه القضية البائسة والمتطرفة آخذة في التوسع في الوقت الذي ما زال فيه 59 مخطوفاً محتجزين في أنفاق غزة، وثمة خوف على سلامة الأحياء بينهم، أقل من النصف. في الخلفية، يستعد الجيش الإسرائيلي لعملية برية واسعة في القطاع، ولسيناريو مهاجمة المنشآت النووية في إيران. وجميع القرارات في هذه القضايا الحاسمة في يد شخص واحد. في هذه الأثناء، بعد المصادقة على الميزانية واستقرار الحكومة، يعتبر نتنياهو لاعباً سياسياً قوياً تقريباً، وهو في الوقت نفسه في حالة هرب دائمة أمام سلطات القانون.
عاموس هرئيل
هآرتس 1/4/2025