عربي دولي

أفريقيا في عين عاصفة ترامب: الابتزاز وسيلةً لنهب المعادن

أفريقيا في عين عاصفة ترامب: الابتزاز وسيلةً لنهب المعادن

محمد عبد الكريم أحمد

في استلهام، ربّما، لأجواء ما قبل الحرب العالمية الثانية مباشرة، أصدر الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قراراً برفع الرسوم الجمركية على واردات بلاده من قائمة من دول العالم، في ما وصفه بـ”يوم تحرير أميركا”، بغرض تطبيق سياسة حمائية تشبه تلك التي تبنّاها الرئيس الأسبق، فرانكلين روزفلت، مطلقاً عليها “الصفقة الجديدة” في ثلاثينيات القرن الماضي، وذلك للتعافي من آثار الكساد الكبير حينذاك.

وشملت قائمة الدول المستهدَفة، اقتصادات دول العالم الكبرى، من مثل الصين (34%)، والاتحاد الأوروبي (20%)، واليابان (24%)، والهند (27%)، كما شملت دولاً نامية، من بينها أغلب دول القارة الأفريقية (وصلت أعلاها في ليسوتو ومدغشقر إلى 50%)، والتي وجّه القرار ضربة قاصمة لها، كما أنه شكّل دافعاً لحسم خياراتها، في ظلّ نظام دولي يكشف يوماً بعد آخر عن وحشيته وتوظيفه آلة نهب لا تتوقّف عن الدوران.

وفي هذا الوقت، استهلّ مستشار الخارجية الأميركية لشؤون أفريقيا ومبعوث ترامب إلى إقليم البحيرات الكبرى، مسعد بولس، جولةً في القارة (3 الجاري) تشمل جمهورية الكونغو الديمقراطية، ورواندا، وكينيا، وأوغندا، لمناقشة تطوّرات الأزمة في هذا الإقليم، والحلول المقترحة وفق التصوّر الأميركي الذي لا ينفصل عن قرارات ترامب التجارية الأخيرة.

رفع الجمارك وخنق قطاع الصادرات الأفريقية

برّر ترامب قراره رفْع الجمارك المفروضة على واردات الولايات المتحدة من الدول “غير الموقّعة على اتفاقات تجارية خاصة” مع الأولى، بحدّ أدنى قدره 10%، بأنه بمثابة “خطوة نحو إنهاء الممارسات التجارية الجائرة” التي تمارسها دول العالم بحقّ بلاده.

وإذا كان لإجراءاته تلك قدْر من الوجاهة في سياق التنافس المتسارع بين القوى الكبرى للسيطرة على الأسواق العالمية، فإن أفريقيا تمثّل الحلقة الأضعف والأكثر تضرّراً من تلك السياسات؛ إذ بلغ إجمالي التبادل التجاري بينها وبين الولايات المتحدة، في عام 2024، نحو 72 مليار دولار، مثّلت الصادرات الأميركية 32.1 ملياراً منها (بزيادة نسبتها 12% مقارنة بعام 2023)، بينما بلغت الصادرات الأفريقية إلى أميركا، في الفترة نفسها، 39.5 مليار دولار (بزيادة 1.9% مقارنة بعام 2023).

وتتّضح هامشية التجارة الأفريقية – الأميركية عند مقارنتها بتجارة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، والتي بلغت 976 مليار دولار (2024)، مثّلت الصادرات الأميركية منها 370.2 ملياراً؛ والصين التي بلغت 591 ملياراً (2024)، منها 143 ملياراً صادرات أميركية، و439 ملياراً صادرات صينية.

وعلى رغم هذه الهامشية، فإن التداعيات السلبية لقرارات ترامب ستؤثّر بشكل كبير على الاقتصادات الأفريقية، وقدرتها التصديرية، ولا سيما في دول مثل جنوب أفريقيا (التي بلغت زيادة الجمارك في حالتها 31%)، ونيجيريا (14%)، وكينيا ومصر والمغرب (10% لكل منها)، والتي تتربّع على قمّة لائحة شركاء أميركا التجاريين في القارة. كما تمتدّ هذه التأثيرات لتطاول دولاً أفريقية ذات علاقات تجارية محدودة مع الولايات المتحدة، مثل ليسوتو (50%)، ومدغشقر (47%)، وبتسوانا (38%).

يبدو أن واشنطن ستتوّج سياساتها الأفريقية بإلغاء “قانون الفرصة والنمو الأفريقي” AGOA

وعلى سبيل المثال، فإن صادرات ليسوتو إلى الولايات المتحدة، والتي بلغت العام الماضي 237 مليون دولار فقط، تدرّ على الأولى 10% من الناتج المحلي الإجمالي. وعلى هذه الخلفية، توقّع مسؤولون في هذا البلد توقّف بعض الصناعات عن العمل في الفترة المقبلة، مع بدء حركة تسريح للعمالة، إضافة إلى الضرر البالغ الذي تلقّاه قطاع الرعاية الصحية من جراء خطوة إدارة ترامب تعليق عمل “الوكالة الأميركية للتنمية الدولية” في أفريقيا، أخذاً في الاعتبار أن ليسوتو (التي يبلغ عدد سكانها مليونَي نسمة) تمثّل واحدة من أعلى دول العالم في نسبة إصابات مرضى الإيدز من السكان.

ويبدو أن واشنطن ستعمّق سياساتها تلك في أفريقيا، وتتوّجها بإلغاء “قانون الفرصة والنمو الأفريقي” AGOA، الأمر الذي سيضاعف الضغوط على الاقتصادات الأفريقية، تمهيداً لمزيد من الاتفاقات التجارية الثنائية بين الولايات المتحدة ودول القارة، وفق قواعد عمل أكثر تشدّداً وضماناً للمصالح الأميركية.

الاستجابة الأفريقية: براغماتية الأمر الواقع

بادرت أكثر من دولة أفريقية، عقب الخطوة الأميركية الأخيرة، إلى الإعلان عن مساعيها للتواصل مع واشنطن لمعالجة تداعيات هذه الخطوة، وربّما أملاً في نيل “استثناءات”. وكانت جنوب أفريقيا أول المبادرين، ولا سيما أنها تُعتبر أكبر اقتصاد أفريقي متضرّر من خطوة ترامب. وعلى رغم تأكيد الأخير رفع الجمارك على السلع الجنوب أفريقية بنسبة 30% على خلفية فرض بريتوريا جمارك تصل إلى 60% على وارداتها السلعية من الولايات المتحدة، فإن اقتصاديين أكّدوا عدم صحّة ذلك التحليل، وأن متوسط نسبة الجمارك التي تفرضها جنوب أفريقيا على الولايات المتحدة ودول أخرى لا يتجاوز 8%، ومن ثم كان يُفترض أن تطبّق واشنطن رفعاً بقيمة لا تتجاوز 4% فقط، وفق مبرّرات ترامب.

وعبّر الرئيس الجنوب أفريقي، سيريل رامافوسا، عن قلقه إزاء قرار واشنطن، مؤكداً أن الخطوة تمثّل حافزاً لخطط بريتوريا للتفاوض وفق قواعد تجارية جديدة مع أكبر اقتصاد في العالم. ويمكن فهم قلق بريتوريا، بالنظر إلى أن هذه الضربة الاقتصادية المؤلمة تتزامن مع تعاظم احتمالات خروج “حزب التحالف الديمقراطي” (الممثّل للجماعة البيضاء في البلاد والوثيق الصلة بالدول الغربية ومصالحها) من الحكومة التي يقودها “حزب المؤتمر الوطني”، وما قد يعنيه ذلك من اضطراب الوضع السياسي في البلاد.

أما ليسوتو، التي وصفت “فايننشال تايمز” قرار ترامب بخصوصها ورفع الجمارك على منتجاتها بنسبة 50%، بـ”الحرب التجارية المكتملة الأركان”، فيبدو أنها المتضرّر الأكبر، إذ تقوم صناعة النسيج فيها بالأساس، على الاستفادة من قانون “أغوا” (الصادر في عام 2000)، والذي يعفي دولاً أفريقية كثيرة من أيّ رسوم جمركية على قطاعات بعينها. وعلى الفور، بادر وزير التجارة في ليسوتو إلى مخاطبة برلمان بلاده حول تداعيات الخطوة الأميركية، بالتزامن مع حالة ذعر حقيقية في أوساط النقابات والشركات وعمال النقل وغيرهم من المعنيين بقطاع النسيج، والذي يوظّف نحو 30 ألف عامل بشكل مباشر، وآلاف العاملين في القطاعات المعاونة، مثل النقل والتجزئة.

وبدأت حكومة ليسوتو، التي سخر منها ترامب الشهر الماضي واصفاً إياها بالدولة التي لم يسمع بها أحد من قبل، بالفعل، في دراسة سبل التواصل مع واشنطن لمراجعة القرارات.

من جهتها، تواجه نيجيريا، التي رفعت الجمارك على صادراتها للولايات المتحدة (تراوِح بين 10-12 مليار دولار سنوياً) بنسبة 14%، تهديدات “بعد ربع قرن من شراكة قانون الفرصة والنمو الأفريقي – أغوا”، فيما أكّد اقتصاديون نيجيريون أن الضرر سيكون أقلّ حدّة في حال التزام ترامب بقرار سابق لواشنطن بإعفاء وارداتها من منتجات الطاقة الخام (التي تمثّل أغلب قيمة صادرات نيجيريا إلى الولايات المتحدة) من أيّ رسوم جمركية، ودعوا إلى ضرورة إصلاح سياسات نيجيريا الاقتصادية لتعظيم القيمة المضافة لمنتجاتها، والتركيز بشكل أكبر على تحقيق نمو اقتصادي محلي حقيقي.

على أيّ حال، فإن خطوة ترامب تبدو مجرّد حلقة في سلسلة طويلة من خطوات أميركية متوقّعة لفرض ضغوط أكبر على القارة الأفريقية؛ فعلى سبيل المثال، أعلنت الخارجية الأميركية أن جولة مسعد بولس الأفريقية، “تهدف إلى دفع محادثات السلام في شرق الكونغو إلى الأمام، وتعزيز الاستثمارات الأميركية في الإقليم”. ويتّضح من بيان الخارجية، ربط أيّ جهد أميركي في عملية السلام الجارية بخصوص شرق الكونغو (وبالتالي غيره من أزمات القارة المزمنة) بحصول واشنطن على امتيازات غير مسبوقة في قطاعات التعدين في دول الإقليم، ولا سيما في شرق الكونغو.

ويتّسق ذلك مع خلفية بولس، رجل الأعمال اللبناني النيجيري، والذي قضى سنوات طويلة من حياته العملية في نيجيريا، وسبق له، في آذار الفائت، أن أجرى محادثات مع مسؤولين من رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، التي طالب رئيسها فيلكس تشيسيكيدي، إدارة ترامب، في مناسبات متفرقة، بالتدخّل في الأزمة، مع البعث برسائل عنوانها حوافز غير مسبوقة لواشنطن في ثروات بلاده المعدنية. وتبدو جولة بولس الراهنة تتويجاً لدبلوماسية واشنطن للحصول على المعادن الأفريقية بأقلّ تكلفة ممكنة.
الاخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Thumbnails managed by ThumbPress

جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب