الإعلام السوري… وعندما وقع سامح حسين في مستنقع أفكاره لينتهي به الأمر إلى المهزلة!

الإعلام السوري… وعندما وقع سامح حسين في مستنقع أفكاره لينتهي به الأمر إلى المهزلة!

سليم عزوز
لست متفائلاً مع ما نسب لوزير الإعلام السوري الجديد، من ربط بين الحصار على سوريا وتأسيس الإعلام السوري الرسمي، فالأمر يجعلنا نتذكر تجربة الحكم المصري بعد الثورة، من عدم وعيه بأهمية الإعلام وخطورته، ومن لسعته الشوربة ينفخ في الزبادي!
وستكون طامة كبرى لو كان هذا التصريح من باب المناورات السياسية، لأنه سيكون مبنياً على تصور خاطئ من أن الغرب سيكون حريصاً على أن تؤسس سوريا إعلامها الرسمي، أو الحكومي، أو القومي (سمه ما شئت)، لأن الغرب أسس لفكرة الإعلام الخاص، واكتشفنا بالتجربة أننا نريد أن نزرع أشجاراً مستوردة في غير تربتها، وأن نستورد تجربة غير ملمين بتفاصيلها، حيث الغاطس منها أكبر من الظاهر، والسيطرة على الإعلام من جانب الأنظمة الغربية له وسائله غير المنظورة، ولا أعرف لماذا لم يدهشنا جهاز الرقابة العسكرية على أخبار الحرب الإسرائيلية على غزة؟!
في مرحلة من مراحل عمري المديد بإذن الله، كنت مع إلغاء منصب وزير الإعلام، لأنه ارتبط بالأنظمة المستبدة، ومع خصخصة الإعلام الرسمي والصحف القومية، فلا أمل إلا مع الإعلام الخاص، خير ما اهتدى اليه الغرب، لكن تبين لي أن أنظمة بعد الثورة كانت بحاجة إلى وزراء إعلام ليسوا «كمالة عدد» كما فعلت الأنظمة الجديدة، وبحاجة لإعلام الدولة، والنظر إلى الخطر الذي يمثله الإعلام الخاص، الذي اخترق هذه الدول، ولم يكن إعلاماً يخصها، ولكنه كان بتمويل خارجي من أعداء الثورة في الإقليم وخارجه، ولم تكن الأنظمة تدرك، لضعفها، مفهوم الحرية المسؤولة، التي لا تسمح بمثل هذه الاختراقات الخارجية، التي ساهمت في تدمير الربيع العربي ثم انتهينا إلى أن نغني ظلموه، ولو طبق القانون الطبيعي لما حدث هذا الهرج والمرج، لكن الأنظمة الجديدة مع ضعفها، وربما لضعفها، لم تعرف الحدود الفاصلة بين الحرية والفوضى!
من التأمل إلى المراجعات: هكذا كانت نهاية الإعلام المصري
لا أنكر أن بداية تأملي في الأمر، قبل الوصول لمرحلة المراجعات، كان قبل الثورة، وأنا أتابع تجربة الصحافة الخاصة، ولم يكن التمويل الأجنبي بعيداً عنها، وقد لا تكمن المشكلة في التمويل، ولكن ما فعلته احداها في البنية التحتية للصحافة المصرية، بإفساد موزعي الصحف بالهدايا والجوائز والرشى، لضمان عرض المطبوعة في المقدمة، ثم افساد أقسام التوزيع لعدم الاهتمام بتوزيع الصحف الأخرى، وكانت البداية باستثناء صحيفة المؤسسة التابع لها قسم التوزيع، ثم إلغاء الاستثناء، فينبغي أن تكون الصحيفة الخاصة في المرتبة الأولى من حيث الاهتمام والعرض، وهو المسكوت عنه!
وبسبب الغواية ضُرب ماسبيرو، حيث اتحاد الإذاعة والتلفزيون، بواسطة أبنائه، عندما استغلوا علاقاتهم بمصادرهم، التي كونوها بسبب عملهم في الاتحاد، والذهاب بالإعلانات إلى القنوات الخاصة، مقابل نسبة أعلى من قيمة الإعلان، وعدم الوعي بخطورة ما يحدث، أو أن القيادات المنوط بها المتابعة كانت ضالعة في ذلك، تم تركهم يعملون في المبنى ويستغلون علاقتهم بدلاً من حملهم على الاجازة أو الاستقالة للالتحاق رسميا بالقنوات الخاصة، كان هذا جزءا من فشل تمويل الإعلام الرسمي، والذي ترهل، وصار شبيها بتحية كاريوكا برقصها في فيلم «خلي بالك من زوزوا»، بعد أن أصبحت من القواعد من النساء!
أتذكر مقولة قديمة للكاتب الناصري والنقابي المعروف محمود المراغي، عندما قال إنه جلس يفكر في أمر حرية إصدار الصحف، ووجد أن كل الطرق ستصل إلى تمكين رجال الأعمال من ذلك، وكان هذا في بداية التسعينيات وكتبت أرد عليه: وماذا في ذلك؟
بيد أن الرجل الذي بدأ حياته محرراً اقتصادياً، كان يعرف ماذا تعني ملكية رجال الأعمال للإعلام؟ ولا حرج في ذلك، لكن وفق قواعد واضحة، تمنع السيطرة، والاحتكار، وتمنع الافساد، والأمر لا يحتاج إلى اختراع الذرة فالقوانين الطبيعية تكفي لذلك، لكنها لا تطبق، أو لأن جهات الاختصاص ضعيفة!
ولا بد من تقوية إعلام الدولة الوطنية، ليكون لكل الآراء، ويكون عنواناً للموضوعية، ونقل الحقيقة، وفي غيابه، فإن الإعلام المعادي يستغل الفراغ لترويج الأكاذيب بدون رد!
وعندما يعتبر وزير الإعلام السوري الجديد حمزة المصطفى أن تأسيس اعلام الدولة السورية مما يهتم الغرب به فهذا عدم إدراك لطبيعة الأشياء، وعندما يؤجل تأسيسه نظرة لحين ميسرة، فإن الخوف من ألا يتركه الإعلام المعادي لحين توفر الموارد!
كل هذا ولم يتطرق الوزير للدراما السورية، وهي واحدة من الصناعات الثقيلة ولا تحتاج دمشق إلى الكوادر ولا تنقصها الخبرة، ولا يجوز لها أن تبدأ من حيث بدأ النظام المصري الذي يصور لنا الأمر الآن كما لو كان اختراعاً توصلت له البشرية حديثاً، بعد عشر سنوات من العك الدرامي!
فسوريا قبل الثورة كانت لها تجربة واعدة، بدأت في التفوق على الدراما المصرية، وهو ما رصدته في حينه في هذه الزاوية، ثم تعرضت لانتكاسة بسبب ما جرى، وإذا عاد وزير الإعلام الجديد إلى هذه المرحلة وبنى عليها، فسوف يختصر على نفسه الوقت والجهد، أما مع الاستغراق في التفكير والتأمل، فقد ينتهي به المطاف إلى الدعوة لعقد مؤتمر عام للبحث في ماهية الدراما، كما الحاصل الآن في المحروسة!
تمنياتي القلبية للوزير بالتوفيق.
سامح حسين: عندما يقع الإنسان في مستنقع أعماله
أعتقد أن الوصف اللائق بالفنان سامح حسين هو أطول عنوان لفيلم عربي «عندما يقع الإنسان في مستنقع أفكاره فينتهي به الأمر إلى المهزلة»، وهو الاسم الذي لم يفشل في انتزاع ابتسامتي في كل مرة أتذكره فيها، وإن كان الفيلم نفسه جيداً من وجهة نظري، وهي وجهة نظر لا ألزم بها أحداً، فخذوا عيني شوفوا بيها!
هذه هي المرة الثانية التي أراهن على سامح حسين، وأخسر الرهان، فكان رهاني الأول بعد متابعتي لمسلسل «راجل وست ستات»، الذي شارك فيه مع أشرف عبد الباقي، وانتصار، وممثلة أخرى نسيت اسمها!
وقد راهنت عليه بأنه فنان واعد، وسيكون في المستقبل نجماً كبيراً يشد إليه الرحال، ليمثل الجيل الوارث لجيل عادل إمام وسعيد صالح والقدير يونس شلبي، لكن شاهدت له مسلسلاً رمضانياً بعد سنوات قليلة، قام فيه بدورين مرة واحدة، شريراً في دور وطيباً في دور آخر، لعل القوم اعتقدوا أنه يمكن أن يكون بديلاً لإسماعيل ياسين في أحد أفلامه.
وفشل المسلسل والذي خيل لي أن أحداً غيري لم يشاهده، فلم أقرأ شيئاً عنه، ولم يكن موضوعاً للحوار مع الأصدقاء والأهل، وكثير من الأعمال الفاشلة يبدو لي أني شاهدتها وحدي، لأن من عادتي أنني لو بدأت في متابعة عمل، فلن أتركه حتى آخر حلقة، مع التأكد من فشله في الحلقات الأولى، وكأني ارتكبت ذنباً أكفر عنه، فلا أرتاح إلا بعد أن أسلم العمل جثة هامدة، ويتأكد لي موته!
وشعرت بخسارة الرهان، ربما لأنه من رشحه لهذه البطولة المطلقة، استعجل عليه، وكانت أمامه سنوات طويلة في شخصية مماثلة لرمزي في «راجل وست ستات»!
عندما تصور سامح أنه عميد الأدب العربي
وخسرت رهاني مرة أخرى عندما أسس قناة له على «يوتيوب»، يقدم فيها بعض النصائح البسيطة، ليجذب الملايين إليه ببساطته، وعدم تكلفه، ولأن لديه قبولاً لهذه البساطة، وهو نجاح مذهل، دفع أهل الحكم لتوظيفه لصالحهم، فيكرمه رئيس الهيئة الوطنية للإعلام مع وزير الأوقاف (مال الوزير بالموضوع؟ لا أحد يعلم)، ثم يكرمه وزير الأوقاف في غياب رئيس الهيئة، ثم يضمه الجنرال للحاشية، ويطلب منه الكلام فاذا به يتحدث كما السيسي، ويتقرب اليه بالنوافل، ويتخلى عن بساطته، ويتحدث كما لو كان أحد منظري المرحلة، إنه – يا إلهي- يكرر خطأ بطولته في المسلسل إياه! الذي من الطبيعي أن أنسى اسمه!
وأزمة الفتى أنه لم يدرك أن الذين اندفعوا يشتركون في قناته، فعلوا لبساطته وأنه نفر مسكين، وليس لأنه زكي نجيب محمود ولاستقلاله، وليس لأن ابن السلطة، ولأنه يعبر عن جانب من الفنانين أحالتهم السلطة للتقاعد، وظل عشر سنوات متعطلاً، فبحث عن وسيلة للعيش الكريم، للدقة هم كانوا يغيظون السلطة بهذا الاحتشاد، لكنه ذكرني بنواب مستقلين في انتخابات البرلمان المصري سنة 2005، فلما فازوا لاستقلالهم واستبعاد الحزب الوطني لهم، انضموا للحزب الوطني!
وليس مطلوباً من سامح حسين أن يكون معارضا لسلطة تتقرب منه، لكن كان عليه أن يكون في ذكاء عادل إمام فيضع مسافة بينه وبينها، فإن وجد نفسه في المسافة صفر، قال كلاماً في حدود أنه فنان بسيط، وليس بحسبانه عميد الأدب العربي، ولأنه ليس طه حسين فكان كالمنبت الذي لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى!
«عندما يقع الإنسان في مستنقع أفكاره، فينتهي به الأمر إلى المهزلة».
صحافي من مصر