مقالات

زيارة ثانية كئيبة: لا حلّ سحرياً لدى ترامب

زيارة ثانية كئيبة: لا حلّ سحرياً لدى ترامب

ريم هاني

على الرغم من الاتساق الكامل في السياسات الأميركية – الإسرائيلية، والذي تعمّق في عهد الرئيس الأميركي الحالي، دونالد ترامب، إلا أنّه لا يمكن تجاهل الظروف «الصعبة» التي تشهدها إسرائيل حالياً، والتي لم تفلح مواقف الولايات المتحدة السابقة في إيجاد أي حلول فعلية لها، ما جعل البعض يجادل بأنّ زيارة بنيامين نتنياهو الأخيرة إلى واشنطن، لن تنتج أي مخارج فعلية لرئيس وزراء الاحتلال، بل هي، وعلى العكس من ذلك، تأتي في خضمّ ظروف أصعب وتباين أكبر بين الطرفين في عدد من الملفات.

وفي هذا السياق، يرد في تقرير نشرته «واشنطن بوست» أنّه عندما كان رئيس الوزراء الإسرائيلي آخر مرة في واشنطن، كان لديه «ما يدعو إلى الابتسام»، ولا سيما أنّ ترامب، «أذهل» آنذاك، العالم بخططه الخيالية للسيطرة على قطاع غزة المدمّر، وتحويله إلى وجهة سياحية فاخرة. وتشير الصحيفة إلى أنّه «في الوقت الذي كان فيه الدبلوماسيون الإقليميون يكافحون من أجل وضع استراتيجية لـ(اليوم التالي) في القطاع، كان طرح ترامب بمثابة هدية لنتنياهو»، جاءت متّسقة مع طموحات اليمين المتطرف الإسرائيلي، ومتجاهلةً أي إمكانية لـ«قيام دولة فلسطينية في المستقبل، أو إعطاء الفلسطينيين حقوقهم».

إلا أن الزيارة الأحدث تأتي في لحظة «أكثر صعوبة»، ولا سيما في ظل التعرفات الجمركية التي فرضها ترامب، بنسبة 17% على الصادرات الإسرائيلية، والتي «فاجأت صنّاع السياسة في تل أبيب»، وبروز مؤشرات أخيراً إلى أنّ البيت الأبيض سيبحث بـ«جدية» إجراء مفاوضات غير مباشرة مع طهران بشأن برنامجها النووي، جنباً إلى جنب ارتفاع منسوب التوتر بين تل أبيب وأنقرة، على خلفية الممارسات الإسرائيلية الأخيرة في سوريا. كذلك، يواجه نتنياهو أزمات متصاعدة في الداخل، بعدما كان من المتوقّع أن يدلي بشهادته، هذا الأسبوع، في محاكمة فساد مستمرة، علماً أنّ رئيس وزراء الاحتلال يكافح للردّ على جملة من الاتهامات التي لم يواجهها أي رئيس وزراء قبله، بما في ذلك تلقّي بعض شركائه أموالاً من قطر.

وفي إشارة إلى أنّه من المستبعد أن «ينتشل» اللقاء الأخير بين ترامب ونتنياهو الأخير من مشاكله الكثيرة، أو أن «يثمر» أي رؤية فعلية لوقف دوامة الحرب المستمرة في المنطقة، يفيد تقرير نشرته مجلة «فورين أفيرز» بأنّه حتى لو توصّلت إسرائيل و«حماس» إلى اتفاق جديد قصير المدى لوقف القتال، فـ«من غير المرجّح أن تشهد غزة سلاماً حقيقياً في أي وقت قريب»، ولا سيما أنّه منذ عملية السابع من أكتوبر، يتمسك نتنياهو بتحقيق هدفين بالتوازي، وهما تحرير جميع الأسرى وتدمير «حماس»، فيما من غير الممكن تحقيق الهدفين معاً؛ إذ إنه حتى في حال «افترضنا أنه من الممكن القضاء على (حماس)، وهي منظمة إرهابية تخوض حرب عصابات، ولا تزال تحظى بدعم شعبي كبير في غزة، فإن القيام بذلك سيستغرق سنوات، فيما لا يمتلك الرهائن الإسرائيليون ترف الوقت»، على حدّ تعبير المجلة.

من المستبعد أن «ينتشل» اللقاء الأخير نتنياهو من «مشاكله» الكثيرة

وعليه، ونظراً إلى أنّ إسرائيل لم تعط الأولوية بوضوح لهدف على حساب الآخر، «فإنها لم تحقق أياً منهما بعد»؛ إذ إنّه وعلى الرغم من أنّ إسرائيل «قتلت معظم كبار قادة (حماس)، بمن فيهم زعيم الحركة في غزة يحيى السنوار»، إلا أنّ «المنظمة لا تزال تمتلك هيكل حكم»، و«يستخدم قادتها الآخرون الأسرى، ومعظمهم من الجنود، كبوليصة تأمين على حياتهم». كما أنّ الحركة لا تزال «بعيدة عن الهزيمة، ويقودها كل من عز الدين الحداد ومحمد السنوار، نحو التعافي»، طبقاً لـ«فورين أفيرز».

وإذ يقدّم الفريق الأميركي، كل بضعة أيام، مقترحات جديدة لإنهاء الحرب، فإنّ الطريق لا تزال مسدودةً أمامها، بينما يتقلب ترامب بين عدم الاهتمام بالمعركة من جهة، وطرح «أفكار خيالية» من مثل «ريفييرا» الشرق الأوسط من جهة أخرى. وبالنظر إلى طبيعة المواقف الأميركية، والمقترنة بجملة من التعقيدات المتزايدة في الداخل الإسرائيلي، ينصح أصحاب الرأي المتقدّم، نتنياهو، بأن يأخذ في الاعتبار «موقف ترامب المتغيّر»، جنباً إلى جنب «مدى قدرة الجيش الإسرائيلي على الشروع في عملية مكلفة وطويلة الأمد في غزة».

إلا أنّه وعلى النقيض تماماً من ذلك، فإنّ إسرائيل تطرح خططاً «طموحة» لإرسال المزيد من القوات بهدف السيطرة على القطاع إلى أجل غير مسمى. وبعدما توقفت إدارة ترامب عن الحديث عن خطة تطهير غزة من سكانها، ظلّ السياسيون الإسرائيليون اليمينيون متمسّكين بـ«القضية»، واستغلوا، على ما يبدو، اقتراح ترامب لبحثها بشكل «أكثر وضوحاً وعلانية». لكنّ مراقبين يحذّرون من أنّه من الناحية العملية، فإن أي مشروع «للهجرة الطوعية» ينطوي على استخدام قوة عسكرية كبيرة لإجبار السكان على المغادرة، كما من شأن إعادة احتلال غزة أن تسفر عن خسائر عسكرية إضافية، وربما مقتل المزيد من الرهائن.

ووفقاً لعدد كبير من استطلاعات الرأي العام، يؤيد حوالي 70% من الإسرائيليين التوصل إلى صفقة مع «حماس» للإفراج عن جميع الأسرى المتبقّين، حتى لو كان ثمن ذلك دفع «تكاليف باهظة»، من مثل إنهاء العمليات العسكرية وإطلاق سراح آلاف السجناء الفلسطينيين من السجون الإسرائيلية. أيضاً، لم تواجه إسرائيل، يوماً، مشكلة في الخدمة العسكرية في أوساط جنود الاحتياط كالتي تعيشها اليوم، ولا «حتى خلال حربها المثيرة للجدل السياسي عام 1982 في لبنان أو خلال الانتفاضة الثانية»، والتي استمرت من عام 2000 إلى عام 2006.

وتردف المجلة أنّه بناءً على ما تقدّم، يجد نتنياهو نفسه، حالياً، مضطراً إلى «اللعب على الحبال»، لا فقط إزاء الجمهور الذي يطالب بالإفراج عن الأسرى المتبقين، ورؤى شركائه السياسيين المتطرفين الذين يطالبون، في المقابل، باحتلال غزة، بل أيضاً حيال ترامب الذي «يرنو إلى مجد»، قد لا يكون نيله متاحاً بغير التوصل إلى اتفاق لتطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل، وبالتالي، إنهاء الحرب في غزة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب