الصحافه

لوفيغارو: بوعلام صنصال.. سجين رهينة التوترات بين باريس والجزائر

لوفيغارو: بوعلام صنصال.. سجين رهينة التوترات بين باريس والجزائر

باريس- تحت عنوان “سجين رهينة التوترات بين باريس والجزائر”، قالت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية إن قضية الكاتب الفرنسي-الجزائري بوعلام صنصال تُجسّد عمق التوتر القائم منذ سنوات بين باريس والجزائر، لا منذ 16 نوفمبر فقط (تاريخ اعتقاله في الجزائر)، كما يذكّر السفير الفرنسي السابق لدى الجزائر، كزافييه دريانكور.

 سعيد سعدي: النظام الحاكم في الجزائر بات اليوم متأثرًا بشكل كبير بأفكار “الإخوان المسلمين”، الرئيس الجزائري يستلهم نموذجه من تركيا أردوغان، التي روّضت المجتمع بالدين

وأوضحت “لوفيغارو” أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون راهَنَ، منذ وصوله إلى السلطة عام 2017، على تحسين العلاقات مع الجزائر، مقدّمًا العديد من المبادرات الرمزية، خاصة في ملف الذاكرة، لكنها لم تُقابل بأية استجابة فعلية، حسب تعبيره.
وفي النصف الثاني من ولايته، غيّر ماكرون توجهه نحو المغرب، واعترف، صيف العام الماضي، بـ “مغربية” الصحراء الغربية، في خطوة مثّلت قطيعة مع مواقف الرؤساء الفرنسيين السابقين الذين حافظوا على نوع من التوازن بين الجزائر والمغرب. “هذا الموقف أثار غضب السلطات الجزائرية”، يضيف الدبلوماسي السابق، كزافييه دريانكور.
لكنّ جذور العداء الجزائري تجاه فرنسا تعود، وفق تحليل المعارض الجزائري سعيد سعدي، إلى البنية الأيديولوجية للنظام الحاكم في الجزائر، الذي بات اليوم متأثرًا بشكل كبير بأفكار جماعة “الإخوان المسلمين”، على حد قوله، مضيفًا أن: “الرئيس الجزائري يستلهم نموذجه من تركيا أردوغان، التي روّضت المجتمع بالدين.

الجزائر تحوّلت إلى جمهورية إسلامية، تسير مؤسساتها اليوم وفق نهج فرع الجماعة في الجزائر، وهي حركة مجتمع السلم (حمس)”. وقد تأسست هذه الحركة عام 1990، وتتبنى بشكل صريح الفكر الإخواني القائم على تطبيق الإسلام السياسي، وأصبحت فاعلًا محوريًا في الحياة السياسية، بل شاركت في تشكيل الحكومات المتعاقبة.
وقد دعت حركة “حمس” إلى اعتبار الشريعة مصدرًا من مصادر التشريع، واتبعت في سبيل ذلك “إستراتيجية مبنية على كراهية فرنسا بشكل مهووس”، بحسب سفير باريس السابق لدى الجزائر العاصمة، دريانكور، معتبراً أن التحالف بين الإسلاميين والسلطة يُفسَّر بـ ”الرغبة في القضاء على التأثير الفرنسي، لا سيما الثقافي واللغوي”.
وتابعت “لوفيغارو” القول إنه، منذ عام 2020، وبتأثير مباشر من حركة “حمس”، التي اقترحت آنذاك تجريم استعمال اللغة الفرنسية في المؤسسات، تتواصل حملة تهميش هذه اللغة في الجزائر. ويقول سعيد سعدي: “الإخوان المسلمون يعملون حاليًا على محو اللغة الفرنسية، لأن كل ما كُتب وفُكّر فيه في الجزائر الحديثة، صيغ بالفرنسية. ومن خلال القضاء على الفرنكوفونية، هم يعيدون كتابة السرد الوطني من جديد”.

في هذا السياق، تحوّل بوعلام صنصال، الذي يكتب بالفرنسية، إلى ضحية هذا المسار. ويضيف سعدي: “استغل الإخوان المسلمون اعتراف إيمانويل ماكرون بسيادة المغرب على الصحراء الغربية لإشعال فتيل التوتر بين باريس والجزائر. وقد اختاروا توقيت التصعيد بعناية”.

الدفاع عن صنصال كان محفوفًا بالمخاطر: التنديد باعتقاله بوصفه تعسفيًا كان يمكن أن يؤدي إلى تشديد الحكم ضده.
محاميه الأول، فرانسوا زيمراي، والذي وصفه النظام الجزائري بـ ”الفرنكو-صهيوني”، حاول اعتماد التهدئة، قائلاً في تصريح لمجلة “لكسبرس” الفرنسية في شهر أبريل الماضي: “لم نرد أن يتحول الدفاع عنه إلى سلاح ضده”. لكنه لم يحصل على تأشيرة لدخول الجزائر واللقاء بموكله. خلفه، المحامي بيار كورنو-جانتي، تمكّن من السفر إلى الجزائر لحضور جلسة النطق بالحكم في الاستئناف.
ومضت صحيفة “لوفيغارو” مُشيرةً إلى أن السلطات الجزائرية لم تتجاوب مع قرار البرلمان الأوروبي، في شهر يناير الماضي، المطالب بإطلاق سراح صنصال، كما تجاهلت نداءات لجنة الدعم التي ناشدت الرئيس الفرنسي باستخدام “أوراق الضغط” المتاحة له، من بينها إعادة النظر في اتفاقية عام 1968 بين البلدين أو إلغاء التأشيرات الدبلوماسية. تجاهلت السلطات الجزائرية أيضًا احتجاجات عدد من المثقفين والسياسيين الفرنسيين، الذين اعتبروا أن فرنسا تتخلى عن كاتب فرنسي يذوي في سجون الجزائر. وقال أرنو بينيديتي، رئيس لجنة دعم بوعلام صنصال: “الحياد المفرط لم يُثمر شيئًا. على السلطات الفرنسية أن تعيد النظر جذريًا في موقفها”.
داخل فرنسا- تواصل “لوفيغارو”- أثار مصير صنصال القلق لدى جزء فقط من الطبقة السياسية. فباستثناء “الحزب الاشتراكي”، التزم معظم القوى اليسارية- خاصة “فرنسا الأبية”- الصمت في الأيام الأولى بعد اعتقاله. ومنذ الحكم عليه بالسجن خمس سنوات وغرامة باهظة، ما يزال داعموه يأملون في إطلاق سراحه. وعبّر وزير الداخلية برونو روتايو، في عدة مناسبات، عن “أمله الكبير” في عودته إلى فرنسا. وفي شهر أبريل، تحدث البعض عن قرب الإفراج عنه. غير أن الأمور ساءت لاحقًا، حين طردت الجزائر 15 دبلوماسيًا فرنسيًا، وردّت باريس بإعلان “رد تدريجي”. وفي الأثناء، تقدّم صنصال بطلب استئناف، ما زاد من تعقيد الموقف القانوني المرتبط بالتوتر الدبلوماسي.

سعدي: الإخوان المسلمون يعملون على محو اللغة الفرنسية، لأن كل ما كُتب وفُكّر فيه في الجزائر الحديثة، صيغ بالفرنسية. ومن خلال القضاء على الفرنكوفونية، هم يعيدون كتابة السرد الوطني من جديد

عُقدت جلسة الاستئناف في 24 يونيو الماضي. ورفض صنصال، المُنهك جسديًا، المحامين الذين عيّنتهم له السلطات الجزائرية. وقال أمام المحكمة: “لا يحق لكم محاكمة كتبي. الدستور يضمن حرية التعبير والضمير، ومع ذلك أنا هنا”. وعلّق أرنو بينيديتي قائلًا: “كان قويًا في دفاعه، لكنه منهك. إنه يعرف النظام أكثر من أي أحد. وكان واضحًا أنه لا يثق إطلاقًا في العدالة الجزائرية”.
وكان من المقرّر أن يعرض على الجمعية الوطنية الفرنسية، الأسبوع الماضي، مقترحًا من اليمين يدعو لتعليق اتفاقية عام 1968 مع الجزائر، لكن تم سحب المقترح بناءً على طلب المحامي زيمراي، الذي رأى أن “الخوض في هذا النقاش في الوقت الحالي كان سيؤدي إلى إدانة صنصال”.
وقد تحقق السيناريو الأكثر ترجيحًا. تقول “لوفيغارو”: تثبيت حكم السجن لخمس سنوات ضد بوعلام صنصال. فهل يصدر بحقه عفو رئاسي؟ تتساءل الصحيفة الفرنسية، موضّحة أنّ فرضية أن يكون يوم الخامس من شهر يوليو الجاري، عيد الاستقلال الجزائري، فرصة لذلك؛ حيث يُصدر الرئيس تقليديًا عفوًا عن بعض السجناء.
ويقول أرنو بينيديتي: “الأمل موجود، لكن علينا أن نتحلى بالحذر، فالجزائريون لا يمكن التنبؤ بتصرفاتهم”. أما المعارض سعيد سعدي فيضيف: “كل شيء ممكن. لقد فهمت الرئاسة الجزائرية أنها انساقت بعيدًا في التصعيد بتأثير من “الإخوان المسلمين”، وأن أجندتها السياسية لا تتطابق بالضرورة مع أجندة الجماعة”.
ويرى سفير فرنسا السابق لدى الجزائر دريانكور أن: “الجزائر اليوم معزولة دوليًا، على خلاف مع المغرب وفرنسا ومالي والنيجر.. دبلوماسية الرئيس تبون تدفع البلاد نحو الحائط”.
وإذا تم إطلاق سراح صنصال، فهل يكون ذلك نتيجة لتنازلات فرنسية؟ يجيب سعيد سعدي: “ليست قضية عدالة، بل قضية رهائن”.
ويتفق دريانكور: “في حال صدر عفو، ستسارع الرئاسة الفرنسية إلى الإشادة بخصال تبون الإنسانية، ما يسمح له بتقديم العفو كإنجاز شخصي”.

“القدس العربي”:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب