الصحافه

“برطعة الشرقية”.. أن تعيش الاحتلال والعنصرية: ستُمنع من العودة أو تُغرّم أو…

“برطعة الشرقية”.. أن تعيش الاحتلال والعنصرية: ستُمنع من العودة أو تُغرّم أو…

عميت تيروش

العيادة المتنقلة التابعة لجمعية “أطباء من أجل حقوق الإنسان” تذهب مرتين في الأسبوع لتقديم العلاج للفلسطينيين في قرى مناطق الضفة الغربية. لهذه العيادة إطار ثابت: الالتقاء في الطيبة عند الساعة 9:15، والسفر في حافلة صغيرة مكتظة بالصناديق البلاستيكية المليئة بالأدوية والمعدات، واجتياز جدار الفصل من خلال حاجز في الطريق إلى قرية في الضفة. وبعد بضع ساعات على عمل العيادة وبعد تناول وجبة الغداء، العودة إلى الحاجز على أمل العبور فيه بدون تفتيش وتأخير. هذا هو الروتين.

السبت الماضي كان مختلفاً. خرجنا من الطيبة كالعادة وسافرنا شمالاً نحو وادي عارة. ثم دخلنا إلى قرية برطعة. الطريق طويلة وأنا أنتظر الحاجز، ولكنه لا يأتي. لا يوجد أي جندي أو لافتة تحذير. بعد عشرين دقيقة سفر في القرية، وصلنا إلى الهدف. نزلنا من الحافلة الصغيرة، وعلى مدخل المبنى الذي وصلنا إليه كتبت كلمات بالعربية، “دولة فلسطين، مدينة برطعة”. هل هذا هو الأمر؟ شرق أوسط جديد؟ دولتان لشعبين مع حدود مفتوحة؟

الواقع أقل سحراً بكثير. ولفهم ذلك، يجب العودة إلى تاريخ المكان. برطعة قرية أقامتها عائلة كبها في منتصف القرن التاسع عشر. بعد انتهاء حرب 1948 تم تقسيم القرية على أساس وادي المية الذي يمر بالأساس إلى برطعة الغربية، التي بقيت داخل أراضي إسرائيل، وإلى برطعة الشرقية التي تم ضمها للأراضي الأردنية. بعد احتلال الضفة الغربية في 1967 انتقلت برطعة الشرقية إلى سيطرة إسرائيل مثل كل مناطق الضفة الغربية المحتلة.

عندما أقيم جدار الفصل، الذي كان في معظمه شرق الخط الأخضر، ترك أراضي فلسطينية كثيرة محبوسة بين الخط الأخضر والجدار، بدون طريق مباشرة لوصول الفلسطينيين إلى أراضيهم

عندما أقيم جدار الفصل، الذي كان في معظمه شرق الخط الأخضر، ترك أراضي فلسطينية كثيرة محبوسة بين الخط الأخضر والجدار، بدون طريق مباشرة لوصول الفلسطينيين الذين يملكون هذه الأراضي. الوضع في برطعة الشرقية أبعد بكثير من ذلك، لأن القرية كلها بقيت خارج الجدار. ولكن وراء الخط الأخضر. من الشرق جدار الفصل وحاجز الريحان، ومن الغرب الخط الأخضر الذي يقسم القرية إلى قسمين، تاركاً سكان برطعة الشرقية في وضع لا يمكن تخيله: لا إمكانية لهم للدخول إلى المناطق المحتلة؛ لأنه لا يمكنهم العودة إلى بيوتهم بدون تصريح. ولكن إذا اجتازوا الوادي وسط القرية واعتقلتهم الشرطة الإسرائيلية فسيتم تغريمهم. إذا واصلوا الطريق إلى داخل إسرائيل، سيتعرضون لعقوبة أشد، مثل كل الماكثين غير القانونيين.

من ناحية طبية، سكان برطعة الغربية يحصلون على تأمين طبي رسمي، وخدمات صناديق المرضى ووفرة الأطباء والمختصين في كل المجالات، وإمكانية الوصول إلى المراكز الطبية في إسرائيل. في المقابل، يعتمد الفلسطينيون في برطعة الشرقية على زيارة الطبيب ثلاث مرات في الأسبوع، لبضع ساعات، وفقاً لنشاط الحاجز ومزاج القائمين عليه، وعلى تصاريح دخول المنطقة المعزولة المعطاة (أو غير المعطاة) للطواقم الطبية. مثلما هي الحال في كل الضفة الغربية، فإن الأدوية المتاحة لسكان برطعة الشرقية متأخرة بأجيال عن المتوفرة في الجانب الآخر للوادي. وطب الطوارئ يتأثر أيضاً، حيث لا تستطيع سيارات الإسعاف دخول إسرائيل من برطعة الشرقية، وعليها العبور في الحاجز من أجل الوصول إلى أقرب مستشفى في جنين.

في برطعة كل ما يفصل بين دولة إسرائيل والاحتلال هو شارع ينحدر بشكل حاد نحو الوادي، صعب في بدايته، ويتميز بخدوش عميقة بسبب السيارات الكثيرة التي احتكت به. من يعيش مع شعور أن الاحتلال هو حدث بعيد، وراء الجدار، فإن برطعة جاءت لتعليمه أن الأمر ليس كذلك. الاحتلال ليس حدثاً، وليس له حدود زمان أو مكان. هو حاضر في فقدان الثقافة، والعنف، وغياب حدود شخصية أو حدود عامة، والسفر في الشارع، وعدم الشفقة أو الاهتمام، والانغلاق تجاه فقدان الحياة وفقدان الصورة الإنسانية. يجب أن ينتهي الاحتلال، وإلا فسننتهي كمجتمع.

هآرتس 14/9/2025

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب