ثقافة وفنون

حيلة البريكوالج والدعم المسرحي!!

حيلة البريكوالج والدعم المسرحي!!

نـجـيب طــالل

نـــفسانيات:
رغم أننا دائما نحاول أن نكبح شغبنا أمام المشهد المسرحي الذي يدعو للشفقة قبل الحيرة -؟ومرارا
يدعو النفس األمارة بالشغـب لالبتعاد عنه ما استطاعت لترتكن لنفـسها ، ليس األمر استراحة محارب
بل استراحة ُمشاهد من عروض سخيفة تتحرك في الواقع المعاش، واقع انهيار القيم واستفحال الالخالق
والالدم في وجوه بعض المحسوبين عن المسرح، هؤالء الحربائيون، قبل أن يكونوا انتهازيين: يعتقدون
أن التاريخ ال يدون مسلكياتهم وسلوكهم وممارستهم جوانية الميدان، ألنهم يمارسون النباهة
واإلستحمار)1( وُهـم في حقيقة األمر سقط متاع ! وخاصة الذين استفادوا من ) الدعم( المسرحي،
وكانوا أعضاء في لجن الدعم مارس سلطة الوهم ، وهناك من مارس سلطة “قراقوش” وهو في لجنة
التحكيم ! ممارسات فظيعة تتم باسم المسرح، أجملها صرخات وهمسات بعض من لم يستفد من الدعم
هاته )السنة( ناهينا عن ) السنوات السابقة( فكل من صرخ واحتج وأذان اللجنة والدعم، يصبح مستفيدا
في السنة المقبلة؟ ليس المسألة فيها إسكات وإرضاء كما يروج البعض بل هي سياسة المؤسسة لتكبيل
والتنكيل الناعم ،للصوت النشاز تجاه أبعاد “الدعم ” وما أهدافه المستقبلية ألنه:” ويزداد األمر خطورة
ـما صغيرا نحو

حين يتسلل الريع إلى وعينا، بدل أن نرى في المسرح مغامرة فكرية وجمالية ، نراه ُسّل
بطاقة الدعم أو السفر إلى المهرجان. عنها يفقد المسرح وظيفته التربوية: لم يعد ينشئ اإلنسان الحر،
بل المواطن الحذر المتوجس من غضب المؤسسة )2( صاحب هذا القول العجائبي، في كل موسم )ما(
يخرج خرجات حينما لم يستفد من الريع أو أصيبت استراتيجيته بعطب ،ليظهر نضاليته المسرحية، ألن
المربط في هاته الجملة”: غير أن هذا الدعم حين يفتقر للشفافية وآلية التقييم المستقل، ليس مكافأة على
العمل، بل على الوالء. إنه شكل من اشكال التخصيص اإلمتيازي للموارد، ينتج طبقة صغيرة من
المستفيدين ويقصي غيرهم من حقل المشاركة)3( نفس منطق اإلهتباليين الذين استفادوا طيلة عقود من
” الدعم” المباشر وغير المباشر)؟( وصاحبنا يبرأ نفسه من الوالء، وشواهد الوالء يعرفها القاصي
والداني، ألن المشهد أمسى مكشوفا أكثر من الشفافية، والسيما أن الهرولة نحو “الدعم” المسرحي
والسينمائي كذلك أعمى البصيرة، حتى تناسوا القانون واألخالق. الذي يضم واجبين على عاتق الفنان،
واجب نحو المسرح بصدق ونبل الممارسة، ألنه مجال روحاني بالدرجة األولى. وواجب نحو الجمهور
المتعطش للفن وجمالية اإلبداع، لهذا:” مادامت النفس مذمومة بهذه الصفات، غير مهذبة باألخالق
الجميلة، مقيدة بأخالق دنـّيـة وسيرة جائرة وعادات رديئة، واعتقادات فاسدة، وجهاالت متراكمة،
وأعمال سيئة تبقى مربوطة محبوسة، ألنه ال يليق بها ذلك المنزل النوراني والعالم الروحاني)4(ألن
الصناعة الثقافية أساسا تتمركز على الجمهور، ومادورالتوطين في هذا الباب؟ هل مجرد إتالف أموال
عامة، ألنه:” ال يمكن الحديث عن صناعة دون جمهور. فالسوق الثقافية ال تقوم فقط على العرض، بل
. غير أن المسرح المغربي يعاني من ضعف في قاعدة المتفرجين، بسبب غياب

على الطلب أيضًا
التربية الفنية في المدرسة، وتراجع الثقافة المسرحية في الفضاء العمومي، وغياب سياسة ترويج ثقافي
عيد للمسرح موقعه في الحياة اليومية )5( من أنتج هذا أليس المسرحي الذي تهافت عن ” الدعـم”
ُت
وخاصة من لهم أو كان لهم )رقم تأجير( والذين كانوا في صف المسرح التجريبي” الهواة” نعم من حق
األستاذ والموظف أن يمارس شغبه الفني والمسرحي، وقانون الفنان سمح بهذا الهامش، لكننا حولناه
لقاعدة، هنا اإلشكالية القانونية. ألننا من زاوية مختلفة الزلنا :” ُصم ُبكْـم عْمّي” فهم صـٌم عن الحقائق،
ُبكم عن الدقائق، عمّي عن المبصرات المعنوية العقلية بعين القلب، وليس يريد بهذا الذم بحيث أنهم ال
يسمعون األصوات، وال يبصرون األلوان، وال يعرفون وال يفقهون) 6( ألن اإلشكالية نسمع لذواتنا،
مما غابت النية باألعمال، نيات يفترض فيها أن تحقق مصلحة الجماعة من جهة ، وبناء صرح

حضاري من زاوية أخرى. باعتبارأن المسـرح إال سـجل شرف، حامـال في متنـه أشرف القيــم
وأبهاها؛ والذي لم يدركه أغلب المسرحيين، أن الجمهور لم يعد ذاك الجمهور الذي تحكمه قناة واحدة،
بل أمسى يعرف خبايا األمور وكواليس الفنانين، مما أمست العالقة بين الفنان والجمهورمبثورة وليست
هّشة، وذلك من خالل العالئق والتفاعل عبر وسائل التواصل اإلجتماعي . ولنا استشهاد بجيل]Z ]من
منظور قلما انتبه إليه أصحاب العلم الغزير في “البوليتيكا” و”سوسيوتكنولوجيا” جيل ال يهاب
الميكروفونات ويتحدث بطالقة ومتمكن من عـدة لغات حية وحيوية، والغريب ال أحد ممن تفضل
بالتحليل والتشريح لمظاهر احتجاج – جيل]Z ] أن يشير عرضا للروائي السعودي ” أسامة مسلم” الذي
حقق طوابير من الشباب القتناء منجزاته الروائية في معرض الكتاب.
عـــقليات:
أكيد فالعديد من القراء سيتساءلون ما عالقة هذا بهذا؟ علينا أن نفهم االشارات والمرموزات ، ألن هذا
الجيل استطاع أن يقلب االفتراضي للواقعي، ونحن قلبنا الواقعي لالفتراضي ! وباختصار شديد: إننا
أمام جيل ليس بتافه بل نحن التافهون الذين الزلنا نتحدث عن الدعم المسرحي، والزلنا نمارس
المواربات، نموذج” البريكوالج” كحيلة من حيل تغليف ماهوية الدعم كهاجس وحالة مرضية عند
أغلب المسرحيين، فالمسرح المغربي يوم ظهر في مقرات األحزاب الوطنية أنذاك، إلى يومنا هذا
الزال يمارس ” البريكوالج/BRICOLAGE “الذي يعتمد على العمل اليدوي وبأدوات بسيطة او
متآكلة، إلصالح ما يمكن إصالحه في المنزل وغيره:. “الفرق بين ”البريكوالج كحيلة للبقاء“
و”البريكوالج كخيار جمالي“ هو ما أردُت مساءلته. فالمسرح المغربي في رأيي، يعيش مرحلة دقيقة
بين إرادة الخلق ومنطق التدبير؛ بين فنان ال يريد أن يتوقف، ومؤسسة ال توفر له شروط
االستمرار)7( لننزاح إلى الخيار الجمالي ونسأل هل عروضنا المسرحية تحمل جمالية إبداعية؟ سننافق
أنفسنا كما تنافق لجن التحكيم نفسها؟ إن قلنا: أن عروضنا تحمل جمالية، بل تحمل بؤسا فنيا وإبداعيا،
ولو أن البؤس إبداع جسماني. ألن التمركز على البريكوالج كصيغة فنية ، تساهم في نسف البقاء في
المشهد المسرحي، رغم أن صاحبها يعتبر صانعا ذكيا يستخدم ويوظف ما هو متاح له من إمكانيات
وإمكانات. ليعيد تركيب ماهو موجود سلفا من الرموز والتجارب. أنها صيغة بدائية/ أسطورية كما عبر
عنها ” ليفي شتراوس)8( حاول من خالل ” البريكوالج” عند الحرفي كيفية بناء الفكر والفكرة، وفي
سياق الحداثة أو في أعقاب ما بعد الحداثة فالمناص من استعمال العلم والمنطق الصارم من أجل بناء
تفسير منظم للعالم، ولهذا فالصناعة الثقافية أمر حتمي كالرقمنة التي فرضت نفسها، هل ستحتاج للعقل
العملي ام للعقل العلمي المنهجي؟ ولقد:” باتت مظاهر البريكوالج والترقيع سمة بارزة في منظومة
االنتاج والدعم لم يعد االمر يتعلق فقط بضعف الموارد أو قلة االمكانيات بل بعمق الخلل في الرؤية
والتدبير)9( بالعكس حينما يكون تفكيرنا وجوارحنا متجهة نْحـو ” الدعم” وهاته حقيقة لجل المهرولين
في يد الفنان، وخطرًا
ًا
مؤقت
و سالحًا
مزدوجًا
من المسرحيين، طبيعي أن ”البريكوالج“ سيظل وجهًا
حين يتحول إلى قناعة دائمة، وبالتالي:” ما نعيشه اليوم ليس صناعة ثقافية بالمعنى الدقيق، بل نشاطًا
، تحكمه شروط الدعم أكثر مما تحكمه دينامية السوق أو الحاجة المجتمعية. فاإلنتاج
متقطعًا
ًا
فني
المسرحي في المغرب ما زال أسير منطق المشروع الموسمي، الذي ينتهي بانتهاء التمويل)10( لكن ما
يدعو الى السخرية المرة: لماذا كل المشاريع الفنية تنهار وتفشل؟ بكل بساطة ألنها تعتمد على”
البريكوالج” ذاك” البريكوالج” المبتذل. مثل ما أشار صاحبنا الذي قلبه على المسرح في المغرب:”
هناك نماذج ناجحة عالميا- من كندا إلى فرنسا إلى بعض التجارب اإلفريقية- استطاعت أن توازن بين
تدخل الدولة بين المال العام والحرية اإلبداعية )11( هذا القول كمقترح ضمني إلبقاء)الدعم( ليبقى
)البريكول( سائدا ! وهذا ذكرني بذاك الموظف الذي طيلة اليوم وهو في “مرحاض المؤسسة” في فيلم
}اإلرهاب والكباب{ كلما نودي عليه يخرج ليقول:]في أوروبا والدول المتقدمة…[ ويعود للمرحاض!
فبهاته الحيل والفهولة المكشوفة: هل يمكن بناء “اقتصاد مسرحي أخالقي” وكل الفرق والجمعيات

والمقاوالت تمارس »البريكوالج » ؟ األمثلة كثيرة ومتعددة؛ أبرزها تقليص عـدد الممثلين إلى” تيو/
TWO “أو ” ثري/THREE “ولهذا فالبريكوالج أمام الدعم يعتبر تبذيرا للسلعة الفنية، ألن فالوزارة
ال تدعم الجمعيات والمقاوالت بأخشاب التدفئة بل بأموال خزانة الدولة. وبالتالي فحينما يأخذ الفنان
الدعم يصبح أجيرا والوزارة الُمشتغل بطريقة غير مباشرة ؟بخالف مقولة : بأن الفنان ليس موظفا لدى
الوزارة.

اإلستــئــناس
-1 لنطلع على كتاب: النباهة واإلستحمار لعلي شريعتي
-2 تدوينة: مخرج مسرحي متفنن في الخرجات ابحثوا عنه في الفايس بوك
-3 نــفســـــه
-4 رسائل إخوان الصفا ج الثالث- ص-7 منشورات صادر بدون تاريخ
-5 الصناعة الثقافية والمسرح المغربي : احنا فين ؟ تدوينة) فايس بوك( عماد فجاج بتاريخ, 10/14/2025
-6 رسائل إخوان الصفا ج الثالث- ص-13
-7 تدوينة: مخرج مسرحي متفنن في الخرجات- ابحثوا عنه في الفايس بوك
8 انظر- الفكر المتوحش : لكلود ليفي شتراوس –
-9 المسرح المغربي بين البريكوالج والترقيع :لمحمد زيات صحيفة الحصاد24 في 14/10/2025
-10 تدوينة : فجاج

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب