مقالات
“30 سنة بعد رابين: نتنياهو حيّ وإبادي ويتمدد” بقلم الدكتور وائل الريماوي
بقلم الدكتور وائل الريماوي

“30 سنة بعد رابين: نتنياهو حيّ وإبادي ويتمدد”
بقلم الدكتور وائل الريماوي*
أمام عشرات الآلاف من الإسرائيليين الذين احتشدوا في تل أبيب لإحياء الذكرى الـ30 لاغتيال رئيس الوزراء الأسبق إسحق رابين، تبارى ساسة «المعارضة» أمثال يائير لبيد وغادي آيزنكوت ويائير غولان وتسيبي ليفني في إغداق المدائح على القتيل بوصفه رجل الأمن والقوة والسلام معاً، كما تنافسوا في التشديد على عجز تصفيته عن قتل الديمقراطية في دولة الاحتلال.
منتظَر من هؤلاء أن ينخرطوا في مباراة على هذه الشاكلة، ليس لأي اعتبار آخر يسبق أن سجلّ القتيل حافل بالكثير في خدمة دولة الاحتلال، منذ أن كان قائد فوج في منظمة البالماخ خلال حرب 1948، ورئيس أركان في 1964، وأحد أبرز ضباط احتلال القدس 1967، وسفير الاحتلال في واشنطن بين 1968 و1973، ورئيس الوزراء مرّة أولى بعد غولدا مائير بين 1974 و1977، ثمّ مرّة ثانية في 1992 وحتى ساعة اغتياله.
وإذا كان صاحب التوقيع على اتفاقيات أوسلو مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، فإنه قبلئذ الآمر بدقّ عظام الفلسطينيين بالحجارة خلال الانتفاضة الأولى، ولكن هذا المزيج لم يمنع تصويره في هيئة ضابط غستابو نازي خلال حشد لليمين الإسرائيلي كان بنيامين نتنياهو خطيباً فيه، واعتُبر الشرارة الأبكر المحرّضة على اغتياله، بطلقات إسرائيلي متطرف، وبتهمة الخيانة العظمى وتسليم الفلسطينيين «أراضي إسرائيلية في يهودا والسامرة».
لا عجب بالتالي أن يغيب نتنياهو عن إحياء الذكرى الـ30، هو المتهم بإدارة شبكة التحريض الأعنف ضدّ رابين، وأن يتبارى خطباء «المعارضة» في كيل الانتقادات إلى رئيس الحكومة، واتهامه وبعض وزرائه ليس بخيانة ركائز «الديمقراطية الإسرائيلية» وحدها، بل كذلك بتحويل اليهودية على أيدي أمثال إيتمار بن غفير إلى ديانة عنف وعنصرية. كذلك كان من الطبيعي أن يغيب الأخير أيضاً، من دون غياب الدلالة في أنه اليوم وزير الأمن القومي وكان في شبابه «بطل» سرقة قطعة من سيارة رابين والتباهي بها هكذا: «وصلنا إلى سيارته اليوم، ولسوف نصل إليه لاحقاً».
فارق ثلاثة عقود لم يبدّل في حال الكيان الصهيوني إلا بمعنى الانحطاط إلى أسفل سافلين، نحو دولة عنصرية استيطانية تجاوزت الإرث الأسوأ لأيّ نظام أبارتايد عرفه التاريخ، ودولة يواصل جيشها خوض حرب إبادة وتجويع وتدمير منهجي وتطهير عرقي وحصار همجي في قطاع غزّة، ولا يستثني البشر والحجر وأشجار الزيتون والمقدسات في سائر الضفة الغربية والقدس المحتلة. ورئيس حكومتها محال إلى القضاء الإسرائيلي بتهم الفساد وخيانة الأمانة، مثلما هو مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية على خلفية جرائم الحرب والإبادة.
لذلك فإن غياب أمثال نتنياهو وبن غفير عن الذكرى الـ30، اقترن أيضاً بغياب ساسة «معارضة» أمثال نفتالي بنيت وبيني غانتس، كي تتأكد أكثر فأكثر حقائق التوافق المباشر الصارخ أو الضمني المفضوح حول طبيعة هذا الكيان، وأن الرصاصات الثلاث التي اغتالت رابين ما يزال أزيزها يتعالى حتى الساعة، كما عبّر يائير غولاني.
وهذا يعني، ضمن خلاصات أخرى كثيرة، أن رابين قُتل ونتنياهو حيّ وإبادي، يتمدد ويسعى.
*على صفحات جريدة القدس العربي .. زاوية راي القدس




