الصحافه

صحيفة أمريكية: ديك تشيني (1941 – 2025).. إرث سياسي طويل شابه الغزو الثاني للعراق

صحيفة أمريكية: ديك تشيني (1941 – 2025).. إرث سياسي طويل شابه الغزو الثاني للعراق

 

أُصيب ديك تشيني بأول نوبةٍ قلبية -من أصل خمس- عام 1978، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، أثناء حملته الانتخابية للكونغرس. لكنها لم تبطئه لحظة. فاز في تلك الانتخابات، وصعد سريعًا ليصبح الرجل الثاني في قيادة الجمهوريين بمجلس النواب، ثم وزيرا للدفاع الذي أشرف على نهاية الحرب الباردة وتحرير الكويت، قبل أن ينتقل إلى عالم المال رئيسًا تنفيذيًا لشركة كبرى، ثم يعود إلى السياسة ليقضي ثماني سنوات نائبًا للرئيس، وفقا لصحيفة “واشنطن بوست”.

توفي تشيني يوم الاثنين عن عمر ناهز الرابعة والثمانين عاما، بعد نصف قرن من كونه أصغر من تولّى منصب كبير موظفي البيت الأبيض، وربع قرن من فوزه في الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل عام 2000.

كانت حياته سلسلة من الأحداث المفصلية في تاريخ الولايات المتحدة، صعودًا من بدايات متواضعة إلى قمة السلطة، رغم معاركه الطويلة مع المرض، بما في ذلك زرع قلب عام 2012.

مهندس القوة التنفيذية الحديثة
يُنسب إلى تشيني أنه أسس مفهوم “نائب الرئيس الفعلي” كما نعرفه اليوم. فقد كان العقل المدبر وراء استجابة واشنطن لهجمات 11 سبتمبر 2001، ومهندس احتلال العراق المضلِّل الذي تلاها.
رأى في نفسه حامل مشروع لإعادة ترسيخ سلطة الرئاسة بعد أن تراجعت عقب فضيحة ووترغيت، ودفع بحدود السلطة التنفيذية إلى أقصاها قبل أن يفعل ترامب ذلك بسنوات. بهذا المعنى، يمكن القول إن تشيني مهّد الطريق لترامب.

رغم مظهره الهادئ وأسلوبه المتزن، كان تشيني سياسيًا شرسًا وعمليًا. امتلك حدسًا فطريًا لكيفية إدارة الدولة من وراء الستار: تعيين الموالين، التحكم في تدفق المعلومات، وإدارة القرار من داخل الغرف المغلقة.

وكان يصف فلسفته ببساطة: “ضع المجداف في الماء”، أي وجّه الدفّة دون أن تُرى.

من نائب يبحث عن مرشّح إلى مرشّح بنفسه
في عام 2000، كان تشيني يرأس لجنة بحث عن نائبٍ مناسبٍ للمرشح الجمهوري جورج بوش الابن، إلى أن اختاره بوش نفسه. رآه الجمهوريون وجهًا مطمئنًا للمستقلين الذين شكّكوا في خبرة بوش السياسية. لكن بعد هجمات 11 سبتمبر، بدا اختيار تشيني ضربة عبقرية.

قال حينها إن الدولة يجب أن “تقضي بعض الوقت في الظلال” لتمنع تكرار الكارثة. وقد فعلت.

لكن في سعيه لحماية البلاد، تجاوز القانون وقلّص الحريات المدنية. كان من أبرز المدافعين عن أساليب “الاستجواب المعزّز” التي وُصفت لاحقًا بالتعذيب، وعن عمليات التسليم السري للمعتقلين خارج القضاء، وعن برنامج مراقبة محلية بلا إذن قضائي.

العراق: الخطأ الذي لا يُغتفر
تضاءل نفوذه في الولاية الثانية لبوش الابن، إذ أوقف الرئيس التعذيب والإخفاء القسري وأعاد الرقابة التشريعية على المراقبة الإلكترونية. لكن إرث تشيني الأثقل ظلّ غزو العراق عام 2003. فقد أقنع العالم بأن صدام حسين يملك برنامجًا نوويًا متجددًا ويتعاون مع القاعدة. وهما ادعاءان ثبت لاحقًا بطلانهما. كما بشّر بأن الجنود الأمريكيين “سيُستقبلون كمحرّرين”، وهي نبوءة لم تتحقق قط.

كلف الغزو أكثر من أربعة آلاف جندي أمريكي حياتهم، وأغرق المنطقة في فوضى طويلة. وظل تشيني حتى وفاته يدافع عن قراره بلا ندم، رغم اعتراف بلاده ومعظم حزبه بأن الحرب كانت خطأً استراتيجيًا فادحًا.

لقد مهدت تداعياتها -إلى جانب الأزمة المالية العالمية- الطريق أمام باراك أوباما في 2008، وخلقت المزاج الشعبوي الذي أوصل ترامب إلى السلطة عام 2016.

من داخل السلطة إلى خارجها
وقف تشيني، الذي دعم ترامب في 2016 و2020، ضده لاحقًا عندما رفض الاعتراف بنتائج انتخابات 2020 وأشعل الهجوم على الكابيتول في 6 يناير 2021.

ابنته ليز تشيني، التي ورثت مقعده في مجلس النواب، صوّتت لعزل ترامب، وترأست لجنة التحقيق في تلك الأحداث، فخسرت مقعدها لاحقًا أمام مرشح مدعوم من ترامب. ومع ذلك، وقف الأب إلى جانبها بفخر، مسجلًا إعلانات دعم علنية، مؤمنًا بأنها تحافظ على شرف العائلة السياسي.

إرثٌ معقّد
كان ديك تشيني رجل دولةٍ شديد الكفاءة والدهاء، ترك بصماته على كل مؤسسة خدم فيها. لكن إرثه الأكبر -العراق- سيظل وصمةً لا تُمحى في تاريخه.

لقد أراد أن يعيد للرئاسة سطوتها، فانتهى به الأمر إلى تقويض الثقة في الدولة نفسها. أراد أن يجعل أمريكا أكثر أمنًا، فجعلها أكثر حذرًا وأقل ثقة في قوتها.

وبينما يواصل صُنّاع القرار في واشنطن اليوم نقاشاتهم حول “تغيير الأنظمة” في أماكن أخرى، تظل أشباح العراق التي خلّفها تشيني تحوم فوق كل قرارٍ أمريكي بالتدخل العسكري.

رحل الرجل الذي أمضى حياته في قلب السلطة، ليموت على هامشها، لكنه سيبقى أحد أكثر الشخصيات الأمريكية إثارةً للجدل في تاريخها الحديث.

– “القدس العربي”:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب