مقالات
من البابا إلى ماركس ومن الصين إلى غزة مقال كمال ديب الجديد في صحيفة النهار اللبنانية
كمال ديب

من البابا إلى ماركس ومن الصين إلى غزة
مقال كمال ديب الجديد في صحيفة النهار اللبنانية
7 تشرين الثاني نوفمبر 2025
ما أن ذكرتُ أنّ سبب الحروب في العالم، وخاصة حرب الإبادة على غزّة، هو ارتفاع أجور العمال في أميركا مقارنة بأجور عمّال العالم، وخاصة عمّال الصين، وأنّ التنافس في هذه الأجور سيستمر وتستمرّ معه الحروب إلى أن تتعادل الأجور، حتى آتاني أحدهم وقال إنّ عبارة “عمال العالم” التي أذكرها قد مضى عليها الزمن.
ولعّل في مخيلة محدّثي أنّ عبارة كارل ماركس وغيورغ إنجلز في نهاية كتيّبهما المانيفستو الشيوعي “يا عمّال العالم اتحّدوا”، قد وصلت إلى طريق مسدود (بنظره المتأثر بالدعاوى الشعبية)، وأنّ هذه العبارة قد انتهت عام 1991 بانهيار الاتحاد السوفياتي والكتلة الاشتراكية.
ولكن فات محدّثي ثلاثة شؤون:
الأول، أنّ مسألة العمّال لطالما طرحتها الكنيسة الكاثوليكية وخاصة في كتيّبات قدّمها البابا وفيها أنّ الصراع بين العمال والرأسماليين هو أبدي، وأنّ العمال هم أساس الانتاج وأنّ الرأس مال هو آداة خلقوها هم وسخرّوها لهم في عملية الانتاج. ولذلك يجب تقديس العمل والاعتراف بحقوق العمال في أجور عادلة وفي إنشاء النقابات، وأنّ على الحكومات جعل حقوق البشر فوق اعتبارات الربحية.
Rerum Novarum (Pope Leo XIII) and Laborem Exercens (Pope John Paul II),
والثاني، أنّ علماء الاقتصاد وخاصة في انكلترا وفرنسا وهولندا، وخاصة أنبياء الليبرالية منهم، قد حذّروا أصحاب المصانع والشركات من الجشع وأنّ عليهم ممارسة عدالة أجور العمال، وأنّ على الحكومات فرض الضرائب وخلق برامج اجتماعية لمساعدة العمّال وعائلاتهم. وما على المرء إلا مطالعة ثروة الأمم Wealth of Nations
لآدم سميث حتى يدرك أهمية انصاف النظام الرأس مالي للعمال والذي أهملته الشركات العالمية اليوم.
والثالث، أنّ كبريات الشركات الأميركية ووراءها مجلات إدارة الأعمال المتخصصة، أخذت تطرح بعد الأزمة العالمية عام 2008 مسألة فوارق الأجور بين الصين وأميركا على أنّها الخطر الأول الذي يواجه الريادة الأميركية الاقتصادية في العالم. ولكن الحكومات الأميركية – الإدارات المتعاقبة في البيت الأبيض – فشلت مراراً في تنمية اقتصاد أميركا حتى يتفوق على صعود الصين، ولجأت إلى حلول عسكرية.
وبيت القصيد هنا أنّ الصين تصنع وتبيع منذ 1990 وتكاد تسيطر على التجارة العالمية قريباً، فيما أميركا تخاف وتتراجع، وبضاعتها مرتفعة الثمن ويصيبها الكساد. والسبب هو ان العامل الصيني هو أرخص من العامل الاميركي وبضاعة الصين أرخصة.
وأمام هذا الواقع، تغرقُ اميركا وتقتلُ من في طريقها فتزداد الحروب والمجازر في العالم، من اوكرانيا الى غزة. فأميركا في طريقها لمنع الصين من الصعود تقول لحلفائها في أوروبا الغربية وفي المنطقة العربية أنّها ساعدتهم في الرفاهية والإزدهار وجاء الوقت ليساعدوها هم ضد الصين. فأميركا تشعرُ انها ستفقدُ المكانة الاولى في العالم. وعمّال العالم لن يقفوا مكتوفي الايدي فيما العامل الاميركي يتمتع بأجور عالية. بل يريدون ان يصبحوا على نفس المستوى. وعندما تصبح الرواتب متساوية بين العامل الاميركي والعامل الصيني سترتاح اميركا ولكن حينها ستفقد مستوى معيشتها ويخسر عمّالها الرفاهية التي عرفوها منذ 1945 إلى اليوم، ويتراجع اقتصادها لصالح الصين.
فهل يمكن تحديد متى سيحصل هذا التعادل ؟ هل هو خلال عشر سنوات أم خلال عشرين سنة؟ لقد حدّد البعض أنّ ذلك سيكون 2027، ولكننا نرى أنّ هذا تقدير متفاءل وقريب جدّاً، والدليل أنّنا لا نشاهد في الوضع الاقتصادي والعسكري أنّ هذا سيحدث قريباً. بل لعل التعادل سيحصل عام 2035 أو 2050، فمن يدري. ولكن حتى إلى حين حصول هذا التعادل، سيكون الثمن باهظاً على البشرية من حروب وافقار وويلات.
ملاحظة: عام 1891، أصدر البابا ليو الثامن كتيّب “ريروم نوفاروم”، وفيه يأسف للدرك الذي وصله العمال في فقرهم وتعاستهم بسبب الثورة الصناعية في أوروبا الغربية، وأنّ الروح الكاثوليكية إنّما تريد إنصاف هؤلاء العمال. وفي عام 1981 أصدر البابا يوحنا بولس الثاني كتيب بعنوان “لابوريم اكسرسنس”، فتوسع في مبدأ إنصاف العمال وأكّد أنّ الرأس مال ما هو إلا خليقة العمال وليس العكس ويجب على أصحاب الشركات جعل الكرامة الانسانية فوق كل اعتبار. وما زال الفاتيكان يرفع سعر العدالة العمالية إلى اليوم.
ملاحظة ثانية: أنّ ماركس وافق على الطرح الكنسي ولكنه أضاف أنّ العامل خلق الرأس مال وهو عبارة عن وسيلة الانتاج ولكن هذه الوسيلة هي لصاحب المصنع ولا يمكن العامل أخذها معه إلى مكان عمل آخر، فيشعر العامل بغربة عن انتاجه alienation . ولذلك كان نقد ماركس أنّ المفكرين من قبله اكتفوا بوصف هذا العالم، ولكن أفكاره هو تفوق الوصف نحو تغيير هذا العالم وإعادة ملكية العامل لوسائل الانتاج.




