
إشكالية البحث النظري في المفاهيم القومية
ضمن مشروع فكري عربي تحرري
حسن خليل غريب
2025/11/14
I-في منهجية البحث
أولاً: تمهيد: سياق الإشكالية:
شهد الفكر العربي المعاصر حالة من التذبذب بين الانغلاق الديني والتجارب القومية المتعثرة، حيث طغى الخطاب الأيديولوجي على المنهج النقدي والتحليلي. في هذا السياق، برزت محاولات فكرية تسعى إلى تأسيس خطاب جديد يُعلي من قيمة العقل، ويحرر المفاهيم من التوظيف السلطوي، سواء كان دينيًا أو سياسيًا.
ثانياً: الإشكالية المركزية:
كيف يمكن لمشروع فكري عربي أن يجمع بين نقد الفكر الديني وإعادة بناء الفكر القومي في إطار تحرري عقلاني؟ وهل يمكن لهذا المشروع أن يقدم نموذجًا معرفيًا يتجاوز الجمود الأيديولوجي؟
تتفرّع من هذه الإشكالية عدة تساؤلات فرعية:
1-ما هو المنهج النقدي المستخدم في تحليل النصوص الدينية والقومية؟
2-كيف تم توظيف النضال السياسي في خدمة المشروع المعرفي؟
3-ما طبيعة العلاقة بين العروبة والإسلام في هذا التصور؟
4-هل استطاع المشروع تجاوز الفكر الطائفي؟
5-كيف تم التعامل مع الفكر الماركسي من منظور قومي عربي؟
ثالثاً: أهمية تناول الإشكالية:
تمثل هذه الإشكالية مدخلًا حيويًا لفهم مأزق الفكر العربي الحديث، وتعكس صراعًا بين التراث والحداثة، بين المقدّس والعقلاني، وبين الهوية والانفتاح. وتحليل هذا النموذج الفكري يمنحنا فرصة للغوص في تجربة تسعى إلى إعادة تموضع الثقافة العربية ضمن سياق نقدي معرفي تحرري.
رابعاً: موقع الإشكالية ضمن الهيكل البحثي:
تُعد الإشكالية محورًا أساسيًا في البحث، حيث يتم من خلالها تحديد المنطلقات النظرية، وتعريف المفاهيم والمناهج، ثم تفكيكها وتوسيعها عبر دراسة نماذج من الكتابات الفكرية وتحليل الرؤية النقدية في مختلف القضايا.
خامساً: ملامح النموذج المعرفي العربي
1-نقد مزدوج للفكر الديني والقومي: يتجاوز المشروع التحيزات الأيديولوجية السائدة من خلال نقد الفكر الديني التقليدي والفكر القومي غير العلمي.
2-تفكيك العلاقة بين العروبة والإسلام: يدعو إلى فصل العلاقة العضوية بين الدين والقومية، معتبرًا أن التداخل غير النقدي بينهما يعيق بناء مشروع عقلاني.
3-رفض الأصوليات: ينتقد الأصوليات الدينية والسياسية بوصفها عائقًا أمام النهضة، ويطرح بديلًا عقلانيًا تحرريًا.
4-إعادة تعريف المفاهيم الدينية: مثل مفهوم الردة، الذي يُعاد تأويله بوصفه خروجًا عن سلطة التأويل الأحادي، لا عن الدين نفسه.
5-رؤية قومية علمانية عقلانية: يدعو إلى بناء مجتمع قومي موحد يحترم الخصوصيات الدينية دون أن يخضع لها، متجاوزًا الجمود الطائفي والمذهبي.
خامساً: أثر المشروع في الفكر العربي
1-يُعد من المحاولات القليلة التي تدمج بين الفكر والنضال السياسي، وتُعيد بناء المفاهيم القومية والدينية على أسس عقلانية.
2-يفتح بابًا للحوار بين التيارات الفكرية المتصارعة دون الوقوع في فخ التوفيق السطحي أو التبعية الأيديولوجية.
3-يقدم بدائل معرفية قابلة للتطبيق، خاصة في ظل الأزمات الفكرية والسياسية التي تعاني منها المجتمعات العربية.
سادساً: تعريف الفكر القومي نظريًا
يتأسس الفكر القومي على رؤية عقلانية علمانية تعتبر القومية إطارًا سياسيًا وثقافيًا جامعًا يتجاوز الانتماءات الدينية والعرقية، ويهدف إلى بناء مجتمع وطني موحد قائم على المواطنة والمصلحة العامة.
سابعاً: الركائز النظرية للفكر القومي:
1-الفكر القومي ثابت جامع لا يعكس مصالح الأكثرية الدينية أو العرقية، بل وحدة المجتمع الوطني.
2-الفصل بين الدين والسياسة، مع اعتماد المواطنة المتساوية كأساس.
3-الثوابت القومية تشمل اللغة، الثقافة المشتركة، الأرض الواحدة، والمصير المشترك.
4-رفض التفسير الأغلبي الذي يقود إلى ديكتاتورية دينية أو عرقية.
5-المواطن يُقدَّر بحسب عمله في خدمة الأمة، لا بحسب دينه أو عرقه.
ثامناً: المرجعية الفكرية والتاريخية:
1-يستند المشروع إلى التجربة الأوروبية في نشأة الفكر القومي، حيث تأسست الدولة القومية على العدالة والمساواة بعيدًا عن الهيمنة الكنسية أو الطائفية.
2-يرفض اعتماد الحاضنة الثقافية الشعبية كمحدد للمفهوم القومي، داعيًا إلى ارتقائها لمستوى النظرية.
تاسعاً: الهدف من الفكر القومي:
1-بناء دولة قومية حديثة تحترم التعدد وتُعلي من شأن العقل والحرية.
2-تجاوز الانقسامات الطائفية لصالح وحدة وطنية قائمة على المصلحة القومية.
3-تأسيس ثقافة قومية تقدمية وإنسانية تُعزز من قيمة الفرد ضمن الجماعة دون تمييز.
-II ملامح الفكر القومي التحرري في السياق العربي
أولًا: التحرر من التبعية الأيديولوجية:
1-يرفض هذا التصور أن يكون الفكر القومي انعكاسًا لمصالح الأكثرية الدينية أو الطائفية، لما يحمله ذلك من خطر إقصاء الآخر وتحويل القومية إلى أداة للهيمنة الرمزية. وبدلًا من ذلك، يُطرح الفكر القومي كمشروع عقلاني تاريخي، يستند إلى وحدة الأرض والثقافة والمصير، ويُعلي من شأن العقل في بناء الدولة والمجتمع.
2-هذا الموقف يتجاوز الخطابات التقليدية التي غالبًا ما تماهت مع الدين أو انحبست في سطوة الماضي.
3-كما ينقض فكرة “القومية الغريزية” التي تقوم على المشاعر والانفعالات، دون أسس تحليلية أو واقعية.
ثانيًا: المواطنة بدل الانتماء:
يرتكز هذا النموذج على أن المواطنة الفاعلة هي أساس الانتماء القومي، لا الخلفية الدينية أو الإثنية. فالمواطن يُقوَّم بحسب مساهمته في خدمة الأمة، لا بحسب عقيدته أو عِرقه.
1-يدعو إلى فصل الدين عن الدولة دون معاداة الدين.
2-يشدد على احترام التعدد الديني والثقافي ضمن إطار الوحدة القومية.
3-يسعى إلى تجاوز الانقسامات الطائفية التي مزّقت المجتمعات العربية. وهذا التصور يعكس فهمًا حديثًا للدولة القومية بوصفها حاضنة تعددية لا تختزل شعبها في هويات ضيقة.
ثالثًا: من التراث إلى النظرية:
يُميّز هذا الطرح بين التراث الثقافي العربي والنظرية القومية، معتبرًا أن التراث الشعبي لا يجب أن يكون معيارًا نهائيًا في رسم ملامح الفكر القومي، بل يجب غربلته نقديًا وإعادة توظيفه ضمن رؤية عقلانية قابلة للبناء.
1-الفكر القومي هنا ليس اجترارًا للماضي، بل مشروع تأسيسي للمستقبل.
2-إنه دعوة إلى “تعريب العقل” بدلًا من “تقديس التاريخ”.
رابعًا: الهدف التحرري للفكر القومي:
يرتبط الفكر القومي ارتباطًا وثيقًا بمشروع التحرر الوطني، ويُعد من أدواته الأساسية.
1-الوحدة القومية تُطرح كشرط للتحرر من الاحتلال والتبعية، وضمان لبناء دولة ديمقراطية.
2-يتم توظيف القومية كرافعة سياسية واجتماعية، لا كمجرد مفهوم ثقافي.
3-يُستخدم هذا التصور في نقد التجارب العربية التي أخفقت في بناء دول قومية حديثة.
خامساً: محاذير من الوقوع في أفخاخ الدعوات السياسية الأممية:
1-نقد للفكرة الإمبراطورية بوصفها مشروعًا قمعيًا زائلًا، ويدعو إلى تجاوزها نحو عصر قومي تحرري. وذلك لأنه يتجاوز السيادة الوطنية، ويلغي حق الشعوب في تقرير مصيرها ضمن إطار قومي.
2-نقد للتجربة السياسية الإسلامية التاريخية، وثبوت عدم صلاحيتها كنموذج للحكم العادل. والبديل هو الدعوة إلى قيام نظام علماني ديموقراطي لا يلغي أخلاقيات الأديان كلها. أي أسيس نظام سياسي حديث يضمن العدالة والمساواة دون إقصاء ديني.
سادساً: التعدديات في الفكر القومي:
تشكل التعدديات الدينية والعرقية تحديًا مستمرًا أمام مشاريع الوحدة الوطنية والتنمية السياسية. والبديل تصور فكري يستند إلى ثوابت قومية كحل جذري لهذه الإشكالية، باعتبار المرجعية القومية قادرة على جمع المتناقضات دون أن تُفقد أي مكوّن خصوصيته أو حقوقه.
سابعاً: أبرز المرتكزات رفض الهيمنة الطائفية والعرقية ورفض محاولات هيمنة الأكثرية على القرار السياسي أو الثقافي، والدعوة إلى مواطنة متساوية.
ثامناً: مقومات الفكر القومي:
1-اللغة والثقافة المشتركة كأساس للهوية الجماعية
2-الأرض والمصير الواحد كوحدة مصالح ومسؤوليات
3-حرية الاعتقاد دون تحويلها لأداة فرز أو هيمنة
4-المساواة القانونية على أساس الحقوق والواجبات
5-الفصل بين الديني والسياسي: يُشدد على ضرورة الفصل بين الدين والسياسة لحماية التعددية والتوازن المجتمعي.
6-الانطلاق من القاعدة الشعبية: الفكر القومي يجب أن ينبثق من حركة ثقافية تصاعدية، لا أن يُفصّل على مقاس الثقافة الشعبية الطائفية أو يُستغل من قبل النخب المسيطرة.
في هذا الإطار، يُطرح النموذج القومي كمظلة لكل التعدديات، لا كسيف يُقصى به الآخر. والسؤال يبقى: هل يمكن لهذا التصور أن يُعيد رسم خريطة الهوية الوطنية بعيدًا عن الانقسامات؟ الإجابة تتطلب اختبارًا عمليًا وميدانيًا، لا مجرد تنظير.
خلاصة تحليلية
يمثل هذا النموذج القومي مقاربة عقلانية تحررية، تسعى لتخليص المفاهيم من التشوّهات الأيديولوجية. إنه فكر يُعيد الاعتبار للعقل والمواطنة في فهم الهوية، ويُقدّم بديلًا عن الطروحات الدينية أو الطائفية التي كرّست الانقسام. ويمكن اعتباره محاولة جادة لتجديد الفكر العربي، وبناء ثقافة قومية تؤمن بالحرية والعدالة والمساواة.




