عربي دولي

كاراكاس ليست وحدها المستهدفة: عينُ واشنطن على كوبا

كاراكاس ليست وحدها المستهدفة: عينُ واشنطن على كوبا

يبدو أن التصعيد الأميركي الأخير في الكاريبي يرمي إلى ما هو أبعد من فنزويلا، خصوصاً في ظلّ استمرار تمسّك اليمين المتطرف، منذ عقود، بإسقاط النظام في كوبا.

ريم هاني

في أثناء ولاية دونالد ترامب الأولى، روّج مستشار الأمن القومي آنذاك، جون بولتون، لفكرة أنّ الإطاحة بنكولاس مادورو في فنزويلا، ستقود حتماً، إلى انهيار الحكومتَين الأخريَين في ما سمّاه «ثالوث الطغيان الاشتراكي»، أي في كوبا ونيكاراغوا. وعلى ما يبدو، فقد قلّل بولتون، وقتذاك، من قدرة النظام في فنزويلا على الصمود، فيما يحاول اليوم، وزير الخارجية، ماركو روبيو، «تكرار» المحاولة، وتحقيق «حلم» اليمين الجمهوري المستمرّ منذ عقود في إسقاط الحكومة الكوبية، من بوابة فنزويلا.

وإذ يعدّ روبيو، من مهندسي السياسات الأميركية العدوانية الأخيرة تجاه كاراكاس، فإنه ومنذ انتخابه عام 2010، عضواً في «مجلس الشيوخ»، كان قد جعل من «نهاية كوبا» هدفه الأسمى، وعُرف بتشدّده في سياسة واشنطن تجاه هافانا، كما قاد المعارضة الجمهورية لمبادرة الرئيس باراك أوباما، عام 2014، لتطبيع العلاقات بين البلدين. ومنذ بدء الولاية الثانية لترامب، والتي استهلّها الأخير بـ«انقلاب» – بعد ساعات قليلة من تنصيبه في كانون الثاني – على عشرات السياسات التي كان قد أقرّها سلفه، جو بايدن، أدرك الصقور الأميركيون، على ما يبدو، أنّ الأرضية باتت «مجهّزة» للانقضاض على خصومهم، لا سيّما من أولئك الذين يتوفّرون على ثروات ضخمة مغرية؛ فبعدما كانت إدارة بايدن، قد رفعت العقوبات الاقتصادية المفروضة على كوبا، قبل نهاية ولايتها مباشرة، كجزء من اتفاق توسّط فيه الفاتيكان، وشمل إطلاق هافانا، سراح مئات السجناء السياسيين، جدّد ترامب، على الفور، فرض تلك القيود بهدف التضييق على الحكومة الكوبية، معيداً تصنيف هافانا، كـ«دولة راعية للإرهاب»، وفارضاً حظراً على الحصول على التأشيرات على رئيسها وعدد من المسؤولين الآخرين.
كما شملت القرارات الأميركية، وقف جميع الرحلات السياحية الأميركية إلى الجزيرة، وزيادة التضييق على عملية تدفّق الأموال من الكوبيين – الأميركيين المقيمين في الولايات المتحدة، وحظر المعاملات المالية مع شركات تابعة للجيش الكوبي، من مثل «GAESA». ولم تستثنِ «الهجمة الأميركية» تلك، الأطباء الكوبيين العاملين في بلدان أخرى، بعدما استغلّت إدارة ترامب، تصنيف الإدارة السابقة لبرامج البعثات الطبية، التي ترسل بموجبها هافانا ألوية من الأطباء حول العالم، مقابل رسوم في بعض الأحيان، على أنه «عمل قسري». ومنذ آذار الماضي، علّقت وزارة الخارجية تأشيرات كبار المسؤولين في أميركا اللاتينية وأفريقيا، المتّهمتَين بتسهيل برامج البعثات الطبية في هافانا، وذلك كوسيلة للحدّ من شريان الحياة الاقتصادية لكوبا.

منذ عام 1959، قلّل المسؤولون الأميركيون، من قدرة الحكومة الكوبية على الصمود

على أنّ التصعيد الأكبر حتى اللحظة من جانب إدارة ترامب ضدّ هافانا، ينعكس طبقاً لمراقبين في الحملة التي تشنّها الأخيرة على فنزويلا منذ أسابيع. إذ بحسب تقرير نشرته مجلة «فورين بوليسي»، فإنّ الهدف الحقيقي خلف التحشيد العسكري الأميركي ضدّ فنزويلا، يتمثّل بالإطاحة بحكومة الرئيس نيكولاس مادورو، وفي وقت لاحق، وقف تدفّق النفط الفنزويلي إلى كوبا: باعتبار أنه في حال نجحت واشنطن، في الإطاحة بمادورو، فمن المرجّح أن يوقف خلَفه شحنات النفط إلى هافانا، ممّا «سيوجّه ضربة جديدة إلى الاقتصاد الكوبي المتعثّر أصلاً». كما أنّ نجاح الولايات المتحدة في فنزويلا، قد يهدّد الأمن القومي الكوبي، وذلك إذا ما قرّرت إدارة ترامب، المنتشية بـ«انتصارها»، توسيع تدخّلها العسكري العدواني.

ويردف أصحاب الرأي المقدّم أنّ روبيو، من بين شخصيات أخرى، يطمح إلى ما هو أبعد من فنزويلا، نظراً إلى أنّ هدفه النهائي يتمثّل في «إسقاط الحكومة الاشتراكية في كوبا». على أنّ «الحديث عن إسقاط النظام»، طبقاً للمصدر نفسه، أسهل من تنفيذه، لا سيّما وأنّ المسؤولين الأميركيين، دأبوا منذ عام 1959، على التقليل من قدرة الحكومة الكوبية على الصمود، معتقدين أنّ مزيداً من الضغط سيؤدّي في النهاية إلى انهيار «نظام كاسترو». ومع ذلك، وبعد مرور ما يقارب عشر سنوات على وفاة كاسترو، «لا يزال النظام الذي بناه قائماً».
وللاستراتيجة الأميركية المشار إليها أسباب مادية؛ إذ تأسّس التحالف بين هافانا وكاراكاس عام 1998، عقب انتخاب هوغو تشافيز رئيساً لفنزويلا، ورفعه شعار «الاشتراكية في القرن الحادي والعشرين». ونشأت بين تشافيز وفيدل كاسترو، علاقة شخصية وثيقة، بعدما رأى الأول في كاسترو معلّمه، فيما اعتبر الأخير تشافيز تلميذه. وفي عامي 2000 و2003، وقّع البلدان اتفاقيات تعاون لتزويد كوبا بالنفط بأسعار مدعومة مقابل خدمات طبية يقدّمها أطباء كوبيون، أُرسلوا إلى أحياء الطبقة العاملة في فنزويلا. وفي ذروة هذا التعاون بين عامي 2008 و2015، كانت كوبا، تتلقّى أكثر من 100 ألف برميل نفط يومياً، بينما كان نحو 30 ألف طبيب وفني كوبي، يعملون في فنزويلا.
على أنّ العديد من المراقبين يجادلون حالياً، بأنّ كوبا لم تعُد لأسباب عدّة تعتمد على فنزويلا، كما في السابق. وعلى رأس تلك الأسباب، انخفاض إنتاجية النفط الفنزويلي، بسبب سوء الإدارة وضعف الصيانة، ما جعلها تتراجع إلى النصف بحلول منتصف عام 2018، جنباً إلى جنب انخفاض الأسعار العالمية للنفط إلى النصف تقريباً، الأمر الذي قلّص بشكل كبير عائدات فنزويلا. وعلى هذا النحو، تراجعت شحنات النفط إلى كوبا، وبلغت، بحلول عام 2024، نحو 32 ألف برميل يومياً، قبل أن تنخفض أكثر في العام الحالي، بحسب «فورين أفيرز».
وعقب تراجع الدعم الفنزويلي، بنسبة تقارب 75% وانخفاض أسعار النفط إلى نصف قيمتها السابقة، نجحت كوبا، بالفعل، في امتصاص الجزء الأكبر من الصدمة المتوقّعة، فيما أسهمت كل من المكسيك وروسيا، في التخفيف من العجز عبر تزويدها بالنفط بأسعار تفضيلية. وفي تحذيراتهم من «خطط» واشنطن، التي تستهدف القارة اللاتينية، يذهب مراقبون إلى حدّ وصف الفكرة القائلة بأنّ قطع النفط الفنزويلي، سيؤدّي إلى انهيار الحكومة الكوبية، بـ«الوهم»، مجادلين بأنه رغم صحة فكرة أنّ فقدان المزيد من النفط سيكون بمثابة ضربة قاسية للاقتصاد الكوبي، وسيزيد من معاناة الناس، لكن تلك المعاناة «لن تؤدّي بالضرورة إلى التمرّد». ويضاف إلى ذلك، أنّ عودة ترامب، إلى استخدام «دبلوماسية الزوارق الحربية» لفرض الهيمنة الأميركية ستكلّف الولايات المتحدة غالياً، وستعزّز صورتها التاريخية كقوة متغطرسة ومهيمنة في أميركا اللاتينية. أمّا الأثر الأكبر، فسيتمثّل بتسريع التحوّل التدريجي في القارة بعيداً عن الولايات المتحدة نحو الصين، لا سيّما وأنّ سياسات ترامب التجارية والعسكرية، أثبتت أنّ واشنطن، لم تعُد شريكاً اقتصادياً أو أمنيّاً يمكن الاعتماد عليه.

الاخبار اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب