اقتصاد

الرسائل في قرار خفض الفائدة البنكية الأساسية

الرسائل في قرار خفض الفائدة البنكية الأساسية

يمكن القول إن خفض الفائدة يحمل رسالة مفادها أن الاقتصاد الإسرائيلي يسير في اتجاه ترميم الحالة الاقتصادية، لكن هذا المسار مشروط بعدم تدخلات سلبية من قِبَل صنّاع القرار يمكن أن تغيّر المسار عبر انتهاج سياسات موازنة، وإنفاق، وضرائب…

قرّرت اللجنة النقدية في بنك إسرائيل خفض الفائدة البنكية الأساسية بنسبة 0.25% يوم الاثنين، 24 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، وذلك بعد سلسلة من 14 قرارًا متتاليًا أبقت الفائدة دون تغيير منذ كانون الثاني/يناير 2024.

يحمل هذا القرار، إلى جانب دلالاته الاقتصادية المباشرة، رسائل سياسية ومؤسساتية مهمة تتعلّق بتمسّك محافظ بنك إسرائيل باستقلالية البنك المركزي وقراراته، ورفضه الانصياع للضغوط التي مورست عليه في الأشهر الأخيرة من قِبَل وزير المالية سموتريتش ورؤساء القطاع التجاري بهدف خفض الفائدة. إذ يرفض المحافظ اعتماد سياسة مالية شعبوية قد تمنح بعض التسهيلات لأصحاب القروض، ولا سيّما قروض الإسكان، لكنها قد تُكلّف الاقتصاد الإسرائيلي ثمنًا باهظًا يتمثّل في فقدان السيطرة على الأسعار وتفاقم معدّلات التضخم.

بهذا النهج، سعى محافظ البنك المركزي إلى الالتزام بواجبه المهني وبالصلاحيات الممنوحة له وفق قانون بنك إسرائيل لعام 2010، ومنع تآكل مكانة البنك وصلاحياته، على غرار ما حدث في مؤسسات رسمية أخرى سعت الحكومة إلى إضعافها والحدّ من استقلالها.

ووفقًا لقانون أساس بنك إسرائيل، فإن المهام الأساسية للبنك المركزي تشمل: الحفاظ على استقرار الأسعار (مكافحة التضخم المالي)، باعتباره شرطًا أساسيًا لتحقيق نمو اقتصادي مستدام؛ وضع السياسة النقدية وتنفيذها بهدف الوصول إلى استقرار الأسعار؛ دعم الاستقرار في النظام المالي بما يضمن صمود القطاع المصرفي والمالي أمام الأزمات؛ دعم أهداف الحكومة الاقتصادية، وخاصة النمو والتوظيف، بشرط ألّا يتعارض ذلك مع الهدف المركزي المتعلق باستقرار الأسعار؛ إدارة احتياطات النقد الأجنبي للدولة بطريقة تضمن الاستقرار المالي وتعزّز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية؛ وتقديم المشورة الاقتصادية والمهنية للحكومة عند الحاجة.

هلع التضخم المالي

على مدار عقود، ومنذ تطبيق خطة الاستقرار الاقتصادي عام 1985 وتعزيز مكانة بنك إسرائيل، لعب البنك دورًا محوريًا في الحفاظ على استقرار الأسعار والعملة، وكبح التضخم المالي الذي كان، إلى جانب عوامل اقتصادية أخرى، على وشك دفع الاقتصاد الإسرائيلي نحو الانهيار في أوائل ثمانينيات القرن الماضي. وتظل تجربة التضخم الحاد تلك حاضرة في وعي صنّاع القرار داخل بنك إسرائيل حتى اليوم، وتشكل عنصرًا مركزيًا في اعتباراتهم عند صياغة السياسات النقدية.

كما يلتزم البنك بمبدأ الحفاظ على استقلاليته، واتخاذ قراراته على أساس معايير اقتصادية ومهنية بحتة، من دون أي اعتبار سياسي أو حزبي، باعتبار ذلك شرطًا لازمًا لضمان استقرار النظام الاقتصادي والمالي على المدى الطويل.

في المرحلة الحالية، يسعى محافظ بنك إسرائيل إلى لعب دور “المؤسسة المسؤولة” في ظلّ ما يعتبره البنك إدارة مالية وميزانية غير منضبطة من قِبَل وزارة المالية والحكومة، قد تنعكس سلبًا على الأوضاع الاقتصادية وتعرقل جهود ترميم الاقتصاد الإسرائيلي بعد عامين من الحرب. ومن هذا المنطلق، يواصل البنك التمسّك بمواقفه وقراراته المهنية، رغم الضغوط السياسية والاقتصادية المتزايدة.

يوضّح الصحافي سامي بيرتس من صحيفة “ذي ماركر” الاقتصادية، في مقالة مطوّلة نشرها قبل عدة أشهر (3 أيلول/سبتمبر الماضي)، أن قرارات الحكومة الحالية تحمل تداعيات دراماتيكية على الاقتصاد الإسرائيلي. فقد تجلّى ذلك في خفض التصنيف الائتماني من قِبَل ثلاث وكالات تصنيف دولية، وفي تراجع مكانة إسرائيل في العالم، إضافة إلى الانفلات غير المسبوق في الميزانية الناتج عن احتياجات الحرب.

وبرأي بيرتس، فإن القوى السياسية التي تستند إليها هذه الحكومة تولّد مخاطر اقتصادية واجتماعية عميقة وطويلة الأمد، ما يستدعي تدخّلًا أكبر من البنك المركزي لتقليص هذه المخاطر والحدّ من تبعاتها. صحيح أنّ هذه ملفات سياسية حسّاسة، غير أنّ لها أيضًا دلالات اقتصادية جسيمة يُدركها المحافظ جيدًا.

ويُرجَّح أن محافظ بنك إسرائيل يشعر بقلق كبير إزاء المسار الحالي، وهو يحمل مسؤولية مؤسساتية ومهنية تفرض عليه عرض جميع المعطيات والدلالات على الطاولة. وإذا كانت الحكومة لا تقوم بذلك، فإن من واجب مستشارها الاقتصادي الأعلى — أي محافظ البنك المركزي — أن يفعل ذلك.

خطوة رمزية ومشروطة

اعتُبر قرار بنك إسرائيل خفض الفائدة البنكية بنسبة ربع في المئة خطوة محدودة وغير كافية من قِبَل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد هدّد سابقًا بأن الحكومة “ستخفّض الضرائب إذا لم يُخفّض المحافظ الفائدة البنكية”. وفي السياق نفسه، طالب كلّ من اتحاد أرباب الصناعة والغرف التجارية بخفض أكبر للفائدة من أجل تحفيز النمو الاقتصادي في القطاعين الصناعي والتجاري، معتبرين أن تخفيف تكلفة الاقتراض أصبح ضرورة لتعزيز النشاط الاقتصادي.
لكن محافظ بنك إسرائيل أوضح في مقابلات صحفية أعقبت قرار خفض الفائدة أنه ما يزال يرى أن مسار تعافي الاقتصاد الإسرائيلي طويل ومعقّد، وأن منع عودة التضخم المالي يتطلّب سياسة إنفاق وضرائب رشيدة، بعيدة عن الشعبوية ومحاولات إرضاء الجمهور. كما شدّد على أن المتغيّر الأبرز الذي يوجّه القرارات المالية في العامين الأخيرين هو الوضع الأمني والمخاطر الاقتصادية المترتبة عليه، وهو ما يفرض على البنك المركزي الحذر الشديد في أي خطوة تتعلق بالفائدة أو بالسياسة النقدية عمومًا.

لا يلتزم يارون بالاستمرار في خفض الفائدة خلال الأشهر المقبلة، من دون أن يستبعد هذا الاحتمال تمامًا. فهو يشير إلى أن المؤشرات الاقتصادية الرئيسية في السوق، إلى جانب تراجع معدلات التضخم، قد تفتح المجال أمام مزيد من خفض الفائدة لاحقًا. ومع ذلك، يسعى محافظ بنك إسرائيل إلى تهدئة التوقعات، مؤكدًا أن أسعار الفائدة لن تعود إلى المستويات شبه الصفرية التي كانت سائدة قبل أزمة كورونا، نظرًا لاختلاف البيئة الاقتصادية وارتفاع حجم المخاطر في المرحلة الحالية.

ومع ذلك، يؤكّد يارون في مقابلة مع صحيفة “ذي ماركر” الاقتصادية (24 تشرين الثاني/نوفمبر): “نحن نعمل فقط وفقًا لمعايير مهنية ومعطيات موضوعية. يجب أن نفهم أن خفض الفائدة بسرعة كبيرة وفي توقيت غير مناسب كان يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع التضخم، وبالتالي إلى رفع مؤلم للفائدة لاحقًا. تاريخيًا، تؤدي الحروب إلى تضخم مرتفع، بل وحتى إلى تضخم مفرط، لذلك فإن حقيقة أن التضخم ارتفع بشكل معتدل فقط، إلى جانب بقاء النشاط الاقتصادي نشطًا، تُعدّ إنجازًا يعود بدرجة كبيرة إلى السياسة النقدية المتزنة”.

تأثير ضئيل على الحالة الاقتصادية

بالمجمل، يبدو أن خفض الفائدة البنكية بنسبة ضئيلة لن يغيّر كثيرًا من الأوضاع المالية ولا الاقتصادية في البلاد، كما يوضح المحلل الاقتصادي في موقع “واينت” سفار بلوتسكير (24 تشرين الثاني/نوفمبر)، حيث يقول: “لن تتأثر الإدارة الاقتصادية من خفض الفائدة، والتأثير على مجمل النشاط الاقتصادي سيكون طفيفًا. الرسالة الأساسية من هذه الخطوة هي إشارة واضحة على عودة إسرائيل إلى مسار التطبيع الاقتصادي بعد الحرب.” ويضيف: قامت البنوك المركزية في معظم الدول المتقدّمة بخفض أسعار الفائدة بمعدلات أكثر حدّة، دون أن تكون لهذه التخفيضات نتائج ملموسة. لم تتسارع وتيرة النمو، ولم تنخفض الديون الحكومية. كذلك، لم يُسجّل تأثير واضح على وتيرة التضخم؛ إذ إن العلاقة بين التضخم وأسعار الفائدة التي يحدّدها البنك المركزي قد ضعفت بشكل كبير مؤخرًا.

ويمكن القول إن خفض الفائدة يحمل رسالة مفادها أن الاقتصاد الإسرائيلي يسير في اتجاه ترميم الحالة الاقتصادية، لكن هذا المسار مشروط بعدم تدخلات سلبية من قِبَل صنّاع القرار يمكن أن تغيّر المسار عبر انتهاج سياسات موازنة، وإنفاق، وضرائب ذات طابع شعبوي. فالتعافي الحالي ما يزال هشًّا وغير مضمون، ويتطلّب سياسات مالية واقتصادية داعمة على المدى الطويل.

إن خفض الفائدة يشكّل جزءًا من هذه السياسات، لكنه غير كافٍ بحدّ ذاته، ويحتاج إلى ضبط النفقات الحكومية، وتجنّب “اقتصاد انتخابات” أو “ميزانية انتخابات”، وهي مسارات من شأنها إعادة العجلة الاقتصادية إلى الوراء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب