مقالات

الجزائر مرآة الوجدان العربي، والكتابة فعل مقاومة لا يعرف الانكسار   بقلم مهند طلال الاخرس

بقلم مهند طلال الاخرس

الجزائر مرآة الوجدان العربي، والكتابة فعل مقاومة لا يعرف الانكسار *

 بقلم مهند طلال الاخرس

المقدمة:

في قلب الصالون الدولي للكتاب بالجزائر 2025، حيث تتلاقى الذاكرة العربية بروح الإبداع، يحلّ الكاتب والمفكر الفلسطيني مهند الأخرس ضيفًا على الفضاء الثقافي الذي جمع مبدعي الأمة من المحيط إلى الخليج. الأخرس، الذي عُرف بكتاباته التي تمزج بين الوعي السياسي والتأمل الإنساني، يتحدث في هذا الحوار عن معنى حضوره في الجزائر، وعن تلاقي الذاكرة الجزائرية والفلسطينية في الحلم والمقاومة، مؤكدًا أن الكلمة ما تزال جبهة الصمود الأولى، وأن الأدب الفلسطيني لا يكتب عن الوجع فحسب، بل يصنع منه جمالًا خالدًا ومعنى لا يُهزم.

1. بداية، ما الذي يعنيه لكم الحضور في الصالون الدولي للكتاب بالجزائر 2025، وكيف تنظرون إلى هذا الفضاء الثقافي الذي يجمع مبدعي العالم العربي؟

الحضور في الصالون الدولي للكتاب بالجزائر ليس مجرد مشاركة ثقافية، بل هو حضور في وجدان أمةٍ ما تزال تحمل الكتاب في قلبها، وتحرس الذاكرة العربية من التآكل. الجزائر، بهذا المعرض تحديدًا، تمنح للكلمة معناها النضالي والإنساني في آنٍ واحد.
وشخصيًا، أرى أن هذا الفضاء لا يشبه غيره، لأنه يجمع بين الفكر والموقف، بين الذاكرة والهوية، بين المثقف والإنسان. وقد اجد نفسي في هذا المقام اردد ما قاله الامام الشافعي في هذا المضمار حين انشد قائلا:
تَغَرَّب عَنِ الأَوطانِ في طَلَبِ العُلا
وَسافِر فَفي الأَسفارِ خَمسُ فَوائِدِ
تَفَرُّجُ هَمٍّ وَاِكتِسابُ مَعيشَةٍ
وَعِلمٌ وَآدابٌ وَصُحبَةُ ماجِدِ
وَإِن قيلَ في الأَسفارِ ذُلٌّ وَمِحنَةٌ
وَقَطعُ الفَيافي وَاِكتِسابُ الشَدائِدِ
فَمَوتُ الفَتى خَيرٌ لَهُ مِن حَياتِهِ
بِدارِ هَوانٍ بَينَ واشٍ وَحاسِدِ

فالسفر إلى الجزائر في هذا السياق هو سفر إلى الذات وإلى المعنى العربي العميق، هذا عداك عن الكاتب يستطيع ان يتنبأ ان يولد النص واين تتفجر الطاقات واين تطلق القريخة؛ وبين هذا كله استطيع ان اتخير الجزائر كباعث وملهم لانطلاق النص نحو فضائه الابداعي.

2. يقال إن الجزائر وفلسطين تلتقيان في الذاكرة قبل الجغرافيا… كيف ترى العلاقة الثقافية بين البلدين، خصوصًا في سياق التضامن الأدبي والفكري؟
فلسطين والجزائر تتقاطعان في الوجدان، قبل أن تلتقيا في أي حدود جغرافية. كلا الشعبين خبر معنى الثورة، ومعنى أن يُولد الأدب من رحم المعاناة.
العلاقة الثقافية بين البلدين هي استمرارٌ لذاكرة النضال المشترك، فكل نصٍّ جزائري يلمس وجدان الفلسطيني، وكل رواية فلسطينية تحمل شيئًا من رائحة جبل “الأوراس”.
وانا ارى ان البيئة في كلا البلدين متشابهة لذلك تنتج نصوصا فيها من التشارك الشيء الكثير، فالادب الذي يولد من رحم المعاناة المشتركة غالبا ما يكون متشابها.. ففي الأدب، نحن لا نكتب عن بعضنا، بل نكتب من بعضنا.

3. من خلال مشاركتكم في “سيلا”، ما الرسالة التي تودون إيصالها للقارئ الجزائري والعربي عن الأدب الفلسطيني اليوم؟
رسالتي للقارئ الجزائري والعربي أن الأدب الفلسطيني ليس فقط أدب مقاومة، بل هو أدب حياة أيضًا.
هو محاولة مستمرة لكتابة الجمال في وجه القبح، والكرامة في وجه التشظي.
الأدب الفلسطيني اليوم يبحث عن صوته الجديد، لكنه ما زال وفيًّا لجوهره: أن يكون شاهدًا على الإنسان قبل أن يكون شاهدًا على الحدث. لكن هذا كله لا يحول دون حاجة الادب الفلسطيني ان يرى صورته وصداه يتردد في نصوص عربية فذلك الامر بالذات يشكل له قوة دافعة هو في امس الحاجة اليها كي لا يترك في اتون المعركة لوحده وهنا بالذات تكمن صورة الاديب العربي والجزائري الذي يعتبر فلسطين قضيته الرئيسية والابدية.

4. أنت كاتبٌ جمع بين التحليل السياسي والرواية، كيف توازن بين التوثيق التاريخي والخيال السردي في أعمالك مثل الجرمق والشقيف وسافوي؟
الكتابة بالنسبة لي ليست فصلًا بين التاريخ والخيال، بل هي جسر بينهما.
في الجرمق والشقيف حاولت أن أقول للتاريخ إن له وجهًا إنسانيًا، وأن السرد يمكن أن يُنطق الحجر والشاهد والمقاتل الصامت، وفي رواية سافوي بالذات هناك مراجعة نقدية مهمة كتبت في الرواية اشارت الى الصورة الانسانية وكثافتها في الرواية دون الاخلال بجوهرها التوثيفي ودون الاغفال عن ادوات الرواية وعناصر بنائها الفني…
بمعنى اخر فانا اكتب لقضية سامية بادوات فنية تستغل وتستخدم المتاح بالفعل الثقافي وتستخدمه كرافعة للفعل النضالي،
وبمعنى اخر : فأنا لا أكتب السياسة، بل أكتب الإنسان الذي تصنعه السياسة.

5. هل يمكن القول إن الرواية الفلسطينية اليوم تعيش مرحلة إعادة تموضع بين المقاومة الجمالية والمضمون السياسي؟
بالتأكيد. الرواية الفلسطينية تحاول اليوم أن تُعيد تعريف المقاومة نفسها.
لم تعد المقاومة مجرد بندقية، بل أصبحت أيضًا جمالًا وسردًا وذاكرة.
الرواية لم تعد شعارًا سياسيًا، بل مساحة للتأمل في معنى الوجود الفلسطيني ذاته. والرواية بهذا المعنى فعل مقاوم يواجه سردية الاحتلال القائمة على طمس فعل الوجود الفلسطيني وحتى شطبه ان استطاعت؛ وهنا بالذات يظهر دور الرواية الفلسطينية بالذات، فصراعنا مع المحتل كان ابتداء ولا زال صراع على الرواية …

6. تحدثتم كثيرًا في كتبكم عن ياسر عرفات والفكر الثوري الفلسطيني، ما الذي بقي من هذا الإرث في الوعي الجمعي الفلسطيني اليوم؟
ياسر عرفات لم يكن مجرد قائد، بل كان فكرة.
والأفكار لا تموت مهما تبدّلت الأزمنة، والشعب الفلسطيني بطبعه كائن حي ويتفاعل مع معطيات وعوامل التغيير ولا بد له من ان يبدع في استيلاد كل اىوسائل في الفعل المقاوم بما ويتلائم مع امكاناته وفهمه لمعادلات الصراع وموازين القوى.

ان ياسر عرفات بهذا المعنى سيرة حية تعيد انتاج ذاتها بادوات ووسائل متجددة تحافظ على اصل الفكرة وتسير نحو الهدف بوسائل وادوات تلائم عصرها، وبالنتيجة استطيع القول بان ما بقي من إرثه هو الإيمان بأن القضية لا تختصر في شخص ولا في فصيل، بل هي مسيرة شعبٍ لا يزال يقاوم ليبقى.
عرفات هو الذاكرة المتجددة في وعي الأجيال الفلسطينية.

7. من خلال كتابكم “خطوات صغيرة في بلاد كبيرة – الجزائر”، كيف تقيّم تجربتكم مع المشهد الثقافي الجزائري، وما الذي يميز الكاتب الجزائري في رأيكم؟
تجربتي مع المشهد الثقافي الجزائري كانت ثرية وعميقة.
الكاتب الجزائري يحمل هموم الوطن والإنسان معًا، ويكتب بصدقٍ يحرك الوجدان، وهو ينتصر لفلسطين لا بصفتها قضية اشقاء بل ينتصر لها لانها قضيته التي خبر اثقالها واعبائها كونه صاحب تجربة رائدة في هذا المجال.
واستطيع القول بان ما يميّز الكاتب الجزائري هو أنه لا يكتب من برجٍ عاجي، بل من قلب الواقع، ومع ذلك يحافظ على شاعرية الكلمة ونقاء الرسالة وجوهرها الاساسي.

8. أنتم عضو في المجلس الوطني الفلسطيني ومقرر لجنة العمل البرلماني الفلسطيني الجزائري، كيف ترون دور المثقف داخل المؤسسات السياسية؟ وهل يمكن للكاتب أن يبقى حرًّا داخل إطار رسمي؟
المثقف داخل المؤسسات يجب أن يكون ضميرها، لا صداها.
دوري كمثقف هو أن أذكّر السياسي بأن الفكرة أسمى من المنصب، وأن الوطن أكبر من الكرسي.
الحرية لا تُمنح، بل تُمارس.
وإذا خسر الكاتب حريته، خسر قدرته على الإبداع.
وعلى السياسي ان يعي تماما ان الفعل الثقافي رافعة للعمل السياسي بما تمثل من تحديد معالم الحلم والقيم العليا التي قد لا يستطيع السياسي التعبير عنها في كثير من معادلات الصراع.

9. ما تقييمكم لواقع الثقافة الفلسطينية في ظل الانقسام، والاحتلال، والشتات؟ وهل استطاع المثقف الفلسطيني الحفاظ على دوره الطليعي؟
الثقافة الفلسطينية رغم كل الجراح ما زالت نابضة.
نعم، الانقسام أثقلها، والاحتلال حاول محوها، لكن المثقف الفلسطيني ظلّ شاهدًا ومقاومًا بالكلمة.
دوره الطليعي لم ينتهِ، بل تغيّر شكله ليتكيف مع واقع جديد، أكثر قسوة وأقل رومانسية وشعاراتية.
وانا ارى في هذا السياق بان على المثقف ان يمتلك خطاب جمعي يصون الفكرة الوطنية ويحميها من التشظي والغياب..

10. في زمن الرقمنة والذكاء الاصطناعي، كيف يمكن للأدب الفلسطيني أن يحافظ على قوة الذاكرة والإنسانية وسط طغيان الصورة والسرعة؟
الأدب الفلسطيني هو ذاكرة حيّة، والذاكرة لا تُرقمن.
ربما تغيّرت الوسائل، لكن الجوهر باقٍ: أن نكتب كي لا نُنسى.
التكنولوجيا يمكن أن تخدم الأدب، لكنها لن تحلّ محله.
فالكلمة تظل أكثر صدقًا من أي خوارزمية، وهذا كله تظهر معانيه الحقيقية وتتجسد في مثل هكذا مظاهرة ثقافية بحجم الصالون الدولي للكتاب؛ كيف ذلك؟ الرد يكون بمطابقة النص مع الصورة من خلال التفاعل المباشر في هكذا فعاليات، وهنا بالذات تكمن صورة المثقف العضوي المليء والمكتنز والقادر على تقديم نفسه من خلال نصوصه بالتفاعل المباشر…

11. لديكم عدة مشاريع “قيد الطبع” مثل تحت ظل العلم وتحت ظل الكتب… ما الجديد الذي ستضيفه هذه الأعمال لمساركم الإبداعي؟
هذه الأعمال تأتي كاستكمال لمشروع توثيقي إنساني بدأته منذ سنوات.
هي ليست فقط رصدًا للوقائع، بل محاولة لفهم ما وراءها — لتأمل المعنى الإنساني في التجربة الفلسطينية.
هي خطوة نحو الجمع بين التوثيق والفكر، بين الذاكرة والهوية؛ علاوة على انها تشكل شخصية الكاتب وما هو عليه الان وما سيكون عليه مستقبلا..

12. وأخيرًا، ما الكلمة التي تودّون توجيهها إلى الجيل الفلسطيني والعربي الجديد الذي يحاول أن يجد صوته بين الإحباط والرجاء؟
أقول لهذا الجيل:
لا تفقدوا إيمانكم بأن الكلمة فعل، وأن الحلم مقاومة.
اقرأوا كثيرًا، واكتبوا أكثر، فالكتابة كما قال العقاد هي بنت القراءة ومولودها الشرعي،..
والخلاصة التي اود قولها على المثقف ان يضع بثمته تلخاصة فيما يكتب، وعليه ان يعي جيدا ان ما يكتب يجب ان يعبر عنه وعن مايريد دون تقليد او تكرار والا ذهبت كلماته مع الريح…
وبالنهاية يجب ان يدرك كل منا ان الكتابة فعل مقاوم، ومن لا يقاوم يندثر او يموت…
ولا تنسوا أن فلسطين ليست جغرافيا فقط، بل حالة وعي، وضمير يجب ان يبقى حيا في ضمير الانسانية وهذا لا يتأتى الى بالكتابة وبالكتابة الجادة والملتزمة حصرا.

 

نص الحوار الذي اجراه الصحفي بن معمر الحاج عيسى ونشر عبر صفحات الايام نيوز الجزائرية بتاريخ 24/11/2025

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب