كتب

الطلاق في فلسطين: آثار اجتماعية ودينية وحاجة ملحة لتحصين المجتمع

الطلاق في فلسطين: آثار اجتماعية ودينية وحاجة ملحة لتحصين المجتمع
بقلم: الدكتورة شرين الناجي

تشهد فلسطين ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات الطلاق خلال السنوات الأخيرة، ما يشكل تحديًا اجتماعيًا ونفسيًا كبيرًا للأسر والمجتمع. فالطلاق لم يعد مسألة شخصية بين الزوجين، بل أصبح ظاهرة تؤثر على الاستقرار الأسري والقيم المجتمعية، وتستدعي إجراءات عاجلة لتحصين المجتمع.
واقع الطلاق وأسبابه
تشير إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن نسب الطلاق وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، خاصة بين الأزواج حديثي الزواج الذين لم تتجاوز سنوات زواجهم الخمس الأولى. وتشير الدراسات إلى أن أسباب الطلاق تتنوع بين:
العوامل الاقتصادية: البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة تزيد من التوتر الأسري.
ضعف مهارات التواصل وحل النزاعات: تراكم الخلافات الصغيرة يؤدي إلى الانفصال النهائي.
التدخل العائلي والمجتمعي: أحيانًا يزيد الضغط الاجتماعي أو العائلي من الخلافات الزوجية.
الأزمات النفسية والصحية: العنف الأسري، الإدمان، والاكتئاب تؤثر على استقرار الأسرة.
غياب الوعي القانوني والاجتماعي والديني: قلة معرفة الزوجين بحقوقهما وواجباتهما الشرعية والاجتماعية.
تأثير المحتويات الضارة ووسائل التواصل الاجتماعي: انتشار أفكار خاطئة حول الزواج والأسرة، وترويج الرذيلة تحت شعارات الحرية أو الحداثة، ما يستدعي رقابة صارمة على المحتويات الإعلامية والتثقيفية.
التحديات المجتمعية الإضافية
تواجه الأسرة والمجتمع الفلسطيني تحديات تتعلق بالتفرقة بين المفاهيم، بين الحداثة والوعي وبين الرذيلة، ونشر الرذيلة تحت غطاء الحرية، مما يهدد استقرار الأسرة والمجتمع. كذلك يشكل التمويل المشروط لبعض البرامج النسوية أداة لفرض أفكار قد تتناقض مع الأعراف الوطنية والمقاصد الشرعية، وهو ما يستدعي رفض أي محاولات لفرض برامج أو قرارات تتعارض مع القيم الدينية والاجتماعية.
تداعيات الطلاق على الأسرة والمجتمع
على الأسرة:
الأطفال هم الحلقة الأضعف، حيث يعانون من فقدان الاستقرار النفسي والاجتماعي، وقد تظهر لديهم مشاكل سلوكية وتعليمية.
يتحمل الأب أو الأم وحده العبء النفسي والاقتصادي والاجتماعي بعد الطلاق.
تتأثر العلاقات الأسرية الممتدة بين الأجيال، وقد تنشأ نزاعات بين الأقارب.
على المجتمع:
ضعف النسيج الاجتماعي وزيادة هشاشة القيم الأسرية التقليدية والدينية.
أعباء اقتصادية إضافية على المجتمع والدولة، خاصة فيما يتعلق برعاية الأطفال والمطلقين.
آثار نفسية واسعة النطاق، تشمل ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب.
استمرار دائرة الطلاق للأجيال القادمة إذا لم يتم تحصين المجتمع.
دور الدين والمجتمع في التحصين
للأبعاد الدينية والاجتماعية دور أساسي في مواجهة الطلاق:
الإسلام يحث على المودة والرحمة والتفاهم بين الزوجين، ويعتبر الأسرة نواة المجتمع، ويشجع على الصلح والتيسير قبل الطلاق.
المساجد والمراكز والجمعيات النسوية يمكن أن تكون منصات فعّالة لنشر ثقافة الوعي الأسري والديني، وتقديم الإرشاد النفسي والاجتماعي.
ضرورة فرض رقابة صارمة على المحتويات الضارة التي تبث من بعض المراكز أو مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تروج لأفكار خاطئة أو الرذيلة تحت شعارات الحرية أو الحداثة.
رفض التمويل المشروط للبرامج النسوية الذي قد يفرض قرارات تتعارض مع الأعراف والقيم الوطنية والمقاصد الشرعية.
تحصين المجتمع: استراتيجية شاملة
لمواجهة الطلاق وآثاره السلبية، يجب اعتماد نهج متكامل يشمل:
1. التوعية الدينية والاجتماعية: برامج تثقيفية للشباب والأزواج حول الزواج المسؤول، إدارة الخلافات، وأهمية التواصل الأسري وفق القيم الإسلامية.
2. الدعم النفسي والاجتماعي: إنشاء مراكز استشارية أسرية ونفسية لتقديم الدعم للأسر المتضررة.
3. الإطار القانوني والتنظيمي: تطوير التشريعات لحماية حقوق الأطفال والزوجين بعد الطلاق، وتسهيل إجراءات الصلح الأسري قبل الوصول إلى الطلاق النهائي.
4. تعزيز القيم الأسرية والمجتمعية: تشجيع الحوار والمصالحة، ودعم المجتمع المدني والمؤسسات الدينية والجمعيات النسوية في نشر التوعية.
5. الهوية الاجتماعية القوية: على المؤسسات العامة أن تعمل جاهدة على ترسيخ هوية اجتماعية قوية قائمة على القيم الوطنية والدينية، للحفاظ على استقرار الأسرة والمجتمع.
خاتمة
ارتفاع معدلات الطلاق في فلسطين يمثل تحديًا اجتماعيًا ودينيًا كبيرًا، ويؤثر في الأسرة والمجتمع على حد سواء. إن تحصين المجتمع يتطلب تضافر جهود المؤسسات الدينية، والجمعيات النسوية، والمجتمع المدني، مع الرقابة على المحتوى الإعلامي والتثقيف الاجتماعي والديني، وتعزيز هوية وطنية قوية. فالاستقرار الأسري وبناء مجتمع متماسك يبدأ من الأسرة الواعية، والأطفال النفسيًا السليمين، والقيم الدينية والاجتماعية القوية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب